كتاب «علبة السرد» لعبد الرحيم جيران: من المحاكاة إلى المحاورة

حجم الخط
0

كتاب «علبة السرد: النظرية السردية من التقليد إلى التأسيس « كتاب نقدي رصين لمؤلفه الأستاذ والباحث الجامعي في مدينة تطوان المغربية عبد الرحيم جيران، صدر في بيروت عن دار الكتاب الجديد المتحدة في طبعته الأولى شهر حزيران/يونيو سنة 2013، ويتشكل الكتاب من مئتين وست وثمانين صفحة، والكتاب في الأصل نسخة مستقلة تقريبا، ومغايرة نوعا ما للأطروحة التي تقدم بها الباحث لنيل درجة الدكتوراه في الآداب، وقد عمل المؤلف على بناء النظرية النقدية في كتابه انطلاقا من قضايا نظرية مستندة إلى أمثلة موضحة ومبينة لحقيقة المقصود من الإنتاج النظري النقدي الذي يتعدى فعل الإنتاج ذاته لكي يمتح من إمكانات حضور الذات في العصر عن طريق التعبير المستفيض عن المكنون والمتاح من خلال تجاوز التقليد إلى التجديد، عبر الانتقال من المحاكاة إلى المحاورة، سعيا نحو الوصول إلى تحقيق رد فعل عقلاني دقيق ومحسوب يلج مسلحا بكل القوة والعنفوان والمعرفة إلى مجال المساهمة في الإنتاج المعرفي النظري النقدي بعيدا عن التصنيفات الهوياتية المغلوطة التي تبخس الذات حقها، وتمنعها من القطع مع عادة الاستهلاك، والركون إلى الجاهز والمستورد والمفروض.
طموح الباحث عبد الرحيم جيران في كتابه هذا يتجاوز الفهم، إلى التحليل، ثم التأويل، ومن ثمة العمل على محاورة ومناقشة وتتبع النظريات الأدبية والفلسفية النقدية، من أجل بيان مواطن ضعفها وقصورها، قصد تقويمها وتعديلها، من أجل الوصول إلى الشروع في تأسيس معالم نظرية نقدية متكاملة، استنادا إلى الاستفادة من المتاح ضمن الفكر والتراث الإنسانيين، باعتبارهما ملكا للجميع، ولا يحق احتكارهما من طرف الأفراد أو الجماعات. ومن خلال تتبع معطيات الكتاب يتضح للقارئ المتمرس أن فصوله تحتاج من المهتم تخصصا وتكوينا متينا ومتعمقا للغاية في اللغة والفلسفة والأدب والنظرية النقدية بصفة عامة، من أجل الفهم الصحيح للقضايا المطروحة، ومن أجل فهم النظرية الجديدة التي عمل الباحث بكل جدارة على بنائها، وضبط مفرداتها ومجالها وجهازها المفاهيمي الموضح والمحدد للدلالات الثاوية وراء كل مفهوم أو معنى.
إن الأصل في الكتاب النقدي هو عمل الكاتب على توخي الإحاطة بمشكلات إنتاج الفعل السردي في تنويعاته المختلفة، انطلاقا من علاقته الأكيدة بالنصية، ومن أجل بلورة هذا العمل الجاد يقترح المؤلف منهجا جديدا وسمه بالمنهج «التجديلي التضافري»، والتجديل في الأصل من الجدل وشدة الفتل، وجدلت الحبل أجدلِه جدلا إذا شددت فتله، وفتلته فتلا محكما، ومنه قيل لزمام الناقة الجديل، ويظهر التجديل في حركة التسرد، وهو المعبر عن حركة الانتظام التي تعود للنص السردي من الدلالة، وفي حركة التسريد تعود إلى النص من التعبير، أما التضافر فيعني تعاون كل الجهود على اختلافها، بمعنى العمل معا من أجل التنسيق، والنظم، والنسج للنص السردي.
موضوع المعالجة بالنسبة للمنهج التجديلي التضافري هو أسئلة السرد، واصطناع اختيار منهجي تتوافر له وحدة النظرية وانسجامها، ويركز المنهج على الملفوظ السردي من حيث كيفية تحول هذا الملفوظ من الصيغة الطبيعية إلى الصيغة السردية، خصوصا عندما يثيرنا سؤال: كيف نفكر في نشوء الملفوظ السردي؟ وتبرز مشروعية هذا التساؤل بدقة عندما يقترن بالنص بوصفه إظهارا قوليا متناميا ومنظما على نحو طوبولوجي لبيان مستويات النص التي تتنوع إلى التعبير والدلالة.
يتعامل المؤلف مع النص باعتباره وجودا ماهويا مغيبا وغير تام في وضوحه وبداهته ونشوئه، تنبع ميتافيزيقا النص هاته حتما من وجوده الاصطناعي، و من ماهيته التي وقع اختلاف كبير في ملامستها، ويستحق النص كل هذا التقدير والاهتمام من زاوية النظر إليه من مشكلة تحديده، وزاوية علاقته بمنتجه، وزاوية الذات المعرفية التي تطمح إلى ملامسته.
عمل المؤلف من أجل توضيح مسعاه على بناء ثنائيات متقابلة ومتضادة ومتصادمة، وهي في عمقها تشكل المبادئ المؤسسة التي على هديها تم بناء كل من مفهومي التضافر والتجديل، حيث نجد الثنائيات: الحرية / الضرورة، التقدم/ التقهقر، الوحدة / الكثرة، الاضطراب / الانتظام، الانفتاح /الانغلاق، تتميز هذه الثنائيات بتوفرها على وجود طوبولوجي ليس بالضرورة فيزيائيا، ولكنه نوع من الانتشار المشوب بالحركة، كل طرف من طرفي هذه المبادئ ينظر إلى نفسه انطلاقا من ممكن الآخر، وينتج عن هذا أن علاقات التضافر عبارة عن نسق أصلي، بينما علاقات التجديل عبارة عن نسق تابع لأن وحداته غير مستقلة بنفسها، علاقات التضافر تشير إلى ما يتكون به الملفوظ السردي على مستوى التسريد، وعلاقات التجديل تشير إلى التعالق بين المستويات، والتعالق بين النص السردي والذات المعرفية، بواسطة ما يسميه المؤلف بالنواة الصلبة التي تتكون من الذات والموضوع والعلاقة بينهما، وتفضي هذه النواة إلى تركيب الأطراف التي تشكل النواة السردية داخل نص محدد، حيث نحصل على نتاج مهم للغاية نسميه الملفوظ السردي.
إن الملفوظ السردي هو الذي كان قبل نشوئه ضمن ميتافيزيقاه عبارة عن ملفوظ عادي ينتمي إلى اللغة الطبيعية، وهو قابل للتحول إلى نواة سردية، قابلة بدورها للتحول إلى ملفوظ سردي، ثم نص سردي موسع استنادا إلى النواظم الرمزية التي هي عبارة عن ثنائيات ضمن حقل ثقافي مخصوص، ولا بد هنا من توفر ما يسمى بالمقولة الإدماجية البانية والمشيدة للأفعال السردية ضمن الحضور والغياب، والتي تشتغل وفق برمجة تنظم الكون الدلالي الفسيح وتسمح بتناميه من خلال تنوع الكتابة السردية التي تساهم في تفسير الضرورة التي تتخفى وراء تشكل هذا التنوع وفق توزيع حركي دقيق، مع الحرص على إعطاء كل مفهوم دلالته المضبوطة داخل العالم السردي حيث السارد يقوم بدور حاسم ودقيق، والسارد في الأصل يتموضع ضمن حدود الميتافيزيقا الغربية التي تميز في الوجود النهائي واللانهائي، والوجود كذات داخل العالم، وهنا في هذا المنظور الميتافيزيقي يصير السارد موازيا حتى في حالته الورقية لذات منخرطة في العالم، والحال أن السارد هو بنية تعبيرية ممكنة، وظيفتها نقل الغياب وإنتاجه في علاقته بالحقيقة داخل مجتمع نصي ما، وكذلك محفل لإنتاج انبساط التعبير، ينقل السارد الغياب، والظهور، والمقول من خلال قول العالم. وإذا كان السارد هو مركز النقل والتحويل، فإن المؤلف عبارة عن مبدأ لتجميع النصوص السردية، ومحقق لدلالتها عبر تماسكها، بينما يظل الكاتب مبدعا، في خصام دائم لا ينقطع مع ذاته، ولا يفتر إزاء الذوات الأخرى المقابلة له، وفي الأخير ينتج نوعا من اللاتماثل بين عملية الإبداع وبين استعمال نظام لسني كيفما كان.
وهكذا نلاحظ أننا نحاول مع مؤلف كتاب «علبة السرد» الإمساك ما أمكن بعملية نشوء وتكون الملفوظات السردية من أجل تشييد المجتمع النصي انطلاقا من إرادة للمعرفة مرتبطة بإرادة الحقيقة المستندة إلى دعامة قانونية صلبة، الحقيقة منذ إرث أفلاطون الذي أرسى قواعد الصدق حتى لا يعمد الوعي إلى مغالطة ذاته ويوهمها بعكس المطلوب الثاوي في عمق الحقيقة. إن كتاب «علبة السرد» عبارة عن نص نظري دقيق، متخصص للغاية، ويحتاج إلى مجال أوسع لبسط مكونات النظرية النقدية التي شيدها الباحث عبد الرحيم جيران، وهي نظرية تتميز بالصلابة والتميز، ولها إمكانات وافرة في مقاربة وفهم تكون ونشوء النصوص السردية المتنوعة، مع العلم أن ثراء الموضوع قد يكون أحيانا أبلغ وأقوى من النظرية.

٭ كاتب وناقد من المغرب

كتاب «علبة السرد» لعبد الرحيم جيران: من المحاكاة إلى المحاورة

خالد البقالي القاسمي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية