الكتاب بعنوان: «مؤسسة بلير الخاصة: المال والسلطة والفضائح» (Blair Inc: The Money, The Power, The Scandals) الذي صدر مؤخراً بطبعته الورقية يؤكد أن توني بلير، الذي ترأس حكومة بريطانيا بين عامي 1997 و2007 ما زال لديه الكثير من الاصدقاء، بداخل حزب العمال الذي قاده سابقاً وخارجه، برغم ارتكابه الاخطاء الكبيرة سياسياً وممارساته الحالية الساعية لكسب الاموال حيثما يتمكن من العثور عليها في اي مكان من العالم عبر مؤسسة بلير للاستشارات والخدمات التي أسسها وطورها بعد خروجه من رئاسة الحكومة، وأصبح بفضلها من بين اغنياء بريطانيا.
ويؤكد واضعو الكتاب الباحثون الصحافيون فرانسيس بيكيت وديفيد هينكي ونك كوتشان ان بعض مؤيدي بلير خلال رئاسته للحكومة البريطانية ما زالوا يؤيدونه بعد خروجه من هذا المنصب وبعضهم إزداد اعجابهم به، وانخرط عدد منهم في مؤسسته الاستثمارية التنموية وما زالوا يستفيدون مادياً من هذا الخيار.
المشكلة الاساسية التي يطرحها هذا الكتاب هي: هل استطاع بلير التوفيق بين دوره كمبعوث للمجموعة الرباعية المنوط بها العثور على حلول سياسية للقضية الفلسطينية ـ الاسرائيلية وتقديم مشاريع اقتصادية لتنمية الضفة الغربية وغزة، والذي عُين فيها مباشرة بعد انتهاء دوره كرئيس للحكومة، وبين طموحاته لانشاء مؤسسة استثمار عالمية عن طريق هذا الدور في الدول العربية الخليجية (خصوصاً) وبعض دول اوروبا الوسطى وآسيا الغنية بالموارد الطبيعية، حيث اعتبره بعض قادتها صديقاً وفياً لها يلبي حاجاتها التنموية والمادية والاقتصادية؟ علماً ان بلير لم يعد يحتل منصب مبعوث الرباعية في الشرق الاوسط منذ أشهر قليلة فقط.
يشير المؤلفون في مقدمة الكتاب الى ان بلير ودون اي شك حظي، وما زال يحظى، بثقة معظم قادة دول الشرق الاوسط ورؤساء شركاتها الكبرى التي تنفذ المشاريع العمرانية والإعمارية الضخمة ومشاريع الطاقة البترولية والغازية، وان هؤلاء القادة طلبوا في اكثر من مناسبة وساطة بلير لتسهيل نجاح وتنفيذ مشاريعهم.
وبرغم تحفظ اعداد كبيرة من ابناء الشعوب العربية على دور بلير في غزو العراق عام 2003 (إلى جانب الرئيس الامريكي جورج بوش الابن) وعلى تردده في مناهضة مواقف اسرائيل العدوانية في فلسطين وفي لبنان فقد نجح هذا السياسي «الكاريزماتي» الشعبوي في تقليص العداء له بين قادة المنطقة باستثناء حفنة من قادة فلسطين ولبنان، من الذين يضعون في اولوياتهم تحرير الاراضي المحتلة قبل الامور الاخرى، ويرفضون أن تُفرض مشاريع اسرائيل في المنطقة دون تطبيق اتفاق عادل يؤمن حقوق الشعب الفلسطيني ويوقف الاستيطان الاسرائيلي غير المشروع في الاراضي الفلسطينية، ومحاولات الهيمنة على المنطقة عموماً.
ويشير الفصل الاول من الكتاب إلى الفارق بين مبعوث الرباعية السابق جيمس ولفنسون (الرئيس السابق للبنك الدولي) وبين توني بلير في ممارسة منصب المبعوث الدولي. ففيما كان الاول مترفعاً عن المصلحة المادية في هذا المنصب وساعياً بالفعل إلى تحقيق اتفاق سياسي عادل بين الفلسطينيين والاسرائيليين من اجل النجاح في التنمية الاقتصادية في فلسطين، كان بلير يبحث عن المشاريع التي تحقق له ولمؤسسته الربح المادي اولاً. هذا بالرغم من انه نجح في تمرير بعض المشاريع بسبب علاقته الجيدة بالقيادة الاسرائيلية، حسب الكتاب.
ويشير الكتاب إلى ان المسؤول الفلسطيني نبيل شعث اتهم بلير بانه لعب دور محامي اسرائيل عندما طالب الرئيس محمود عباس بالعضوية الكاملة لفلسطين في هيئة الامم المتحدة، كما تحفظت المسؤولة الفلسطينية حنان عشراوي على معظم قرارات بلير في الشأن الفلسطيني، واشارت إلى انه سعى في اكثر من مناسبة إلى تمرير مواقف رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو مما وثق صداقتهما، وأن دعم بلير لنتنياهو مستمر برغم تجاوزات اسرائيل المستمرة. كما يشير الكتاب إلى ان بلير يملك صداقات واسعة مع يهود نافذين في القطاع المالي العالمي وبينهم مؤيدون لاسرائيل على حساب حقوق الفلسطينيين.
وعندما صدر تقرير القاضي الجنوب افريقي ريتشارد غولدستون المكلف من الامم المتحدة اصدار موقف دولي ازاء الاعتداء الاسرائيلي على غزة عام 2008 والتجاوزات الوحشية فيه واتهم التقرير اسرائيل بارتكاب جرائم حرب، نجح بلير (حسب الكتاب) في اقناع السلطة الفلسطينية بتأجيل اتخاذ موقف مؤيد لهذا التقرير ولتطبيق مقرراته. وتم ربط هذا الموقف بسماح اسرائيل لموجات محطة «الوطنية» بالبث، علماً ان المحطة كانت ممولة تمويلاً ضخماً (اقليمياً ودولياً) مما كان سيدر مئات الملايين من الدولارات للحكومة الفلسطينية.
كما يشير الكتاب إلى ان معظم مشاريع بلير لتنمية الاراضي الفلسطينية كانت مرتبطة بممولين خارجيين ومؤسسات سعى بلير إلى اقتطاع حصته الضخمة منها ولم تنجح، كمشاريع استخراج الغاز من مياه البحر المحاذية لشواطئ غزة وبناء مدينة «الروابي الحديثة والعصرية» في الضفة الغربية.
ويذكر المؤلفون في الفصل الثاني ان بين زبائن بلير الكبار قادة كويتيين واماراتيين وعرباً آخرين وبعض قادة اوروبا الشرقية والوسطى وافريقيا التي كان يسعى شركاء بلير الدوليون لاقامة وانشاء مشاريع ضخمة في بلدانهم. ويذكر في هذا المجال شركتي (جي. بي. مورغان) (J.P.Morgan) وبريتيش بتروليوم (BP) والمصرفي مايكل كلاين واصدقاء وشركاء آخرين لبلير في اوروبا والعالم كاللورد البريطاني مايكل ليفي والمتمول الامريكي حاييم صابان وغيرهما.
ويوضح الكتاب ان معظم مشاريع مؤسسة توني بلير العالمية أحيطت بالسرية. ويذكر المؤلفون انهم حاولوا في اكثر من مناسبة الاتصال بمسؤولي المؤسسة في لندن للمزيد من المعلومات وكانوا يواجهون بسلبية.
ويحاول المؤلفون اعتماد بعض الموضوعية في تقييمهم لنشاطات مؤسسة بلير في العالم العربي حيث يقولون إنه نجح في استقطاب بعض رأس المال الخليجي العربي إلى الاراضي الفلسطينية برغم ان دافعه الاول كان مادياً لشركته، ولكنهم يرون أن الخطورة في نشاطات بلير أنه كان في خطاباته ومواقفه في السنوات الماضية «اعتذارياً» ازاء بعض ممارسات كبار ديكتاتوريي العالم، كما فعل في وقوفه إلى جانب جورج بوش الابن في غزو العراق عام 2003، وان بلير ما زال غير نادم على هذه المواقف «الاعتذارية» التي أودت بحياة الكثيرين وحرمت الشعوب من اموالها ومواردها.
ومن اكبر وأهم أصدقاء بلير (حسب الفصل الخامس من الكتاب) رئيس جمهورية كازاخستان نور سلطان نزار باييف الذي يثق في بلير ثقة شبه عمياء والذي ينتظر مشورته كلما قام بخطوة سياسية أو اقتصادية هامة. وبين هذه الخطوات مشاريع وقعها نزار باييف مع شركة (BAE) البريطانية المتخصصة في بيع الطيران المدني والعسكري والاسلحة المتطورة والتي كانت تحمل سابقاً اسم شركة «بريتيش ايروسبايس».
ويشير الكتاب إلى ان نزار باييف يمارس القمع ضد خصومه السياسيين وان بلير وصفه في خطاباته ومقابلاته الاعلامية بالسياسي «الديمقراطي» ترويجاً له ولكازاخستان. وتصل صداقة بلير لهذا السياسي (حسب الكتاب) إلى درجة أن رئيس وزراء كازاخستان طلب وساطة بلير مع نزار باييف لتمرير مشاريع داخلية في بلده. كما يذكر المؤلفون ان الرئيس الكازاخستاني يستعين ببلير وبمؤسسته لكتابة خطاباته السياسية، وخصوصاً في جولاته الخارجية.
ويذكر الكتاب في الفصل نفسه ان اهتمام بلير بآذربيجان المجاورة لكازاخستان هو في الدرجة الاولى بسبب مشروع أنبوب غاز ضخم ينطلق من هذه الدولة إلى تركيا ثم البحر الابيض المتوسط، و«يحرر» اوروبا من الاتكال على استيراد الغاز من روسيا. وهذا المشروع يفيد، حسب الكتاب، جورجيا، تركمانستان، كازاخستان، اوزبكستان وبعض الدول العربية. وكانت شركة «بريتيش بتروليوم» (BP) ستنفذ مشروع الانبوب الضخم هذا، علما ان توني بلير هو احد اعضاء المجلس الاستشاري لهذه الشركة ويعتبر من قبلها وكأنه ممثل رسمي لبريطانيا في المجلس.
ويتطرق الفصل السابع من الكتاب إلى علاقة توني بلير بالزعيم الليبي الراحل العقيد معمر القذافي. فيبدأ المؤلفون هذا الفصل بالاستشهاد بقول لوزير الخارجية والدفاع البريطاني السابق مالكوم ريفكند حول دور بلير كمبعوث للرباعية فيقول ريفكند «لم تتواجد اي مهمات لتوني بلير كمبعوث للرباعية في الذهاب المتكرر إلى ليبيا للقاء العقيد القذافي بعد انتهاء مهمته كرئيس للوزراء وتعيينه مبعوثاً للرباعية الدولية. ان هذه الزيارات شجعت القذافي على الاعتقاد بأن الدول الغربية لن تعاقبه على اي تجاوزات قد يرتكبها ضد الشرائع الدولية وفي التعامل مع خصومه في ليبيا. ربما كان الدافع وراء زيارات توني بلير لليبيا النفط، وربما كان يقوم بوساطة لشركات النفط الامريكية او المتعددة الجنسية التي كانت قلقة من تقدم دور شركات النفط الاوروبية عليها في مجال الاستثمار في النفط الليبي». كما تساءل ريفكند قائلاً: «هل كانت دوافع بلير مرتبطة بمصالح مؤسسته ام بمصالح مؤسسة «جي. بي. مورغان» ام «بريتيش بتروليوم»؟
كما يطرح الكتاب سؤالاً حول اسباب حصول خمس أو ست زيارات بريطانية إلى ليبيا قبل الافراج عن الليبي عبد الباسط المقرحي المتهم بتفجير لوكربي (تفجير طائرة ركاب TWA فوق اسكتلندا) وعن لقاءات بين اجهزة الاستخبارات الامريكية والبريطانية مع سيف الاسلام القذافي (نجل معمر القذافي) قبل الافراج عن المقرحي.
ويطرح الكتاب قضية توقيف القائد الليبي المعارض عبد الحكيم بلحاج وتعذيبه وزوجته وغض النظر عن هذا الامر من قبل الاستخبارات الاجنبية التي ساهمت في تسليمهما الى النظام الليبي السابق بعد اعتقالهما خارج ليبيا.
ويتساءل المؤلفون لماذا غطى بلير ووزير خارجيته جاك سترو هذه الممارسات للمسؤول الاستخباراتي البريطاني السابق مارك آلن الذي عمل لاحقاً كموظف لدى شركة «بريتيش بتروليوم» (BP).
كما يتساءل المؤلفون عن سبب وساطة بلير لدى جورج بوش الابن لتخفيف العقوبة المالية التي كان على ليبيا أن تدفعها ليس فقط لضحايا اسقاط طائرة (TWA) في لوكربي بل لضحايا اسقاط طائرة (UTA) الفرنسية وجمعهما في دفعة واحدة بلغت 1.5 مليار دولار على حساب اهالي ركاب (UTA).
ويشير الكتاب إلى ان بلير استمر في تأييد القذافي عندما حدثت الثورة ضده في ليبيا ونصحه بعدم الرد بعنف على الثوار، ولكن هذا الامر لم يساهم في ترطيب العلاقة اللاحقة بين مؤسسة بلير وبين القيادات الليبية في مرحلة ما بعد القذافي.
وفي الفصل التاسع من الكتاب، يتطرق المؤلفون بالتفصيل إلى دور الوزير السابق ستيفن بايرز، المقرب جداً من بلير، والذي استقال من منصبه واصبح معاوناً لبلير في مؤسسته الخاصة، وإلى علاقة بايرز بشركة «سي سي سي» المملوكة من جانب رأسمال عربي وإلى تسهيل بايرز، بايعاز من بلير، لاعمال هذه الشركة في العالم، وخصوصاً في كازاخستان كما يشيرون إلى تحول بايرز ووزيرة التعاون الدولي السابقة ليز سيمونز إلى مستشارين لهذه الشركة وإلى دعمهما للشركة عندما رُفعت دعاوى ضدها.
وفي الفصل التاسع ايضاً، يشير المؤلفون إلى النظام الحالي ومن الرئيس السوري الحالي، قبل انطلاق الحراك السوري الشعبي ضد النظام وخصوصاً لجهات نافذة اقتصادياً في ذلك البلد ومرتبطة عائلياً بالرئيس السوري.
David Hencke, Nick Kochan, Francis Beckett:
Blair Inc.: The Money, the Power, the Scandals.
John Blake Publishing,
London 2016
288 pages.
سمير ناصيف