كتاب ماجد الغرباوي عن الشيخ النائيني… مقاربة «إسلام الضعفاء»

حجم الخط
0

يقارب ماجد الغرباوي في كتابه عن الشيخ محمد حسين النائيني، نظريته القائمة على التنوير. ففي الكتاب الذي حمل عنوان «الشيخ محمد حسين النائيني منظر الحركة الدستورية» يقنعنا المؤلف بما يتفرد به الشيخ عن سواه من معاصريه لا سيما الكواكبي، في مساهمته في التشريع المدني والنهوض بتنظيم الحياة السياسية، حيث أنه يشترط ليكون الحكم ناجحا ثلاثة مبادئ هي:
1- الحرية بمعناها الأنطوقي، وتعني تحديدا تحرير الأمة من الجائرين.
2- المساواة: ويعبر عنها بمفردة «السوية» ويشرطها بالدستور. حيث دمج التوعية بالتفكير واللامتناهي.
3- الشورى: وعرفها أنها هي حقيقة الأمة الدستورية. حيث كان قانعاً بتكليف المعاني المعاصرة لبعض بقايا النظام الإسلامي.
ومع أن الغرباوي انتبه للتشابه بين النائيني والكواكبي لم يتكلم عن أسباب ذيوع شهرة «الطبائع» مقابل خفوت صيت «تنبيه الأمة» للنائيني. هل يعود ذلك لقوة كاريزما الكواكبي أم لقوة حججه وبراهينه؟
لا أعتقد أن الحكاية لها علاقة بالمنطق ولكن بالظروف.
فالكواكبي عاش 47 عاما (1855- 1902) تنقل فيها بين مصر والشام. يعني كان يعبر الحاجز بين القارات. مقابل 76 عاما (1860- 1927) للنائيني. في منطقة جيوبوليتيكية متشابهة، ولو أنها تشمل أعراقا مختلفة. فالحاجز العرقي ليس له شأن بنظر بروباغاندا الإسلام وبظروف مجتمع متخلف يرزح تحت فكرة أممية الرسالة المحمدية أو عولمتها.
ناهيك عن موت الكواكبي وهو في مطلع شبابه، وغالبا هذا النوع العصابي الذي يموت في منتصف العمر يلاقي الشهرة والاهتمام
لقد كان الكواكبي حائراً ومن الشخصيات القلقة، ولديه فراغات تحتاج لتفسير وإعادة تركيب، فهو من عائلة حلبية معروفة لكن بخلفيات هاشمية، وينتسب الى شجرة العائلة لعلي بن أبي طالب كما يؤكد علماء الأنساب. ولذلك كان يعتد بنسبه أولا ثم بواقعه الاجتماعي. بعكس النائيني الذي كان على شاكلة الأفغاني، من الأعيان المحليين، ومن طبقة لها نفوذ وقريبة من أهل الحوزة.
بمعنى آخر الكواكبي من الشجرة نفسها، والنائيني من تفكيرها ومذهبها فقط. ولعب ذلك دورا أساسيا في العلاقة بالمكان والتركيبة الطبقية.
ويرى الغرباوي أن النكسة التي لحقت بالإسلام عن طريق «التماس مع الغرب»، هي شكل آخر من أشكال الوعي. فالحرب كانت البوابة إلى يقظة العقل من سباته. لقد واجهت الميتافيزيقا القومية الإصلاحيبن المحافظين، ودخلت أزمة الهوية أو مشكلة الحضارة في خلاف مع أزمة العقل أو مشكلته مع الروح. وبعد أن كنا نبكي شهداء 6 أيار/مايو ضحايا الاستبداد العثماني بدأنا نبكي شهداء الحركات الإسلامية أمثال سيد قطب كما ذكر الغرباوي في أكثر من موضع، مع أنه لم يجزم أن قطب ومعلمه حسن البنا من الإصلاحيين.
ولا أستطيع أن أجد أي صيغة للمصالحة بين حماس الغرباوي لمشروع الخميني وعلي شريعتي وتعاطفه مع البنا وقطب، فالطرفان أنداد في ثورة يقابلها تصحيح للإصلاح. توجد عدة نقاط إضافية نسجلها لمشروع الغرباوي النهضوي، فهو ليس داعية للتجديد وتفكيك الاستبداد، ولكنه قارئ لهذه الاتجاهات، ولو تتبعت قراءته للنائيني ثم الشيخ فضل الله النوري لا يمكنك القفز فوق ملاحظتين:
إنه يتابع سيرورة الإصلاح ما وراء الهلال الخصيب وامتداداته وراء الخليج العربي وحتى القفقاس وروسيا. وهذه الدائرة بالنسبة إليه مثل «هالة النور» التي تحيط برأس السيد المسيح في أيقونات الكنائس.
إنه يرى في تلك المنطقة رأساً لأيديولوجيا الشهادة والتضحية في سبيل إسلام الضعفاء. إسلام غير قريشي ومع ذلك يرتكز على دعامات هاشمية، بحيث تتجاور النظافة في الشخصية والمقاصد مع العمل في تحقيق الذات، ولذلك فإنه يقتبس مرارا من كانت، ويرفد العقل العملي بالعقل الصافي ضمن ازدواجية متكافئة أو تعادلية تحقق له التوازن في الحياة والطهارة في الجوهر. وينظر لحركة المشروطة أو أنصار الدستور على أنها صراع بين روسيا والإنكليز على ثروات العراق وإيران. وليس وعيا مدنيا يبشر بيقظة حضارية من خلال بوابة الدين.
وأخيرا يشير إلى دور البنية التحتية في تحقيق التقدم والإصلاحات للقضاء على الاستبداد والتخلف، ويرى أن عدم تطابق المصالح بين أعضاء الكتلة الواحدة عكس عدم فهم لدور الطبقات الاجتماعية في تخليص الروح من قيودها.
ولم يبق على الغرباوي لتقديم قراءة أيديولوجية لسقوط حركة الدستوريين، إلا أن يبدل بعض المفردات كالأشراف والميسورين بالطبقة الأرستقراطية، والمكاسب والمغانم بفضل القيمة، إلخ.. ولكن لأنه لا يميل للمفردات الأيديولوجية فقد كتب مرثية لدستور ولد ليموت. فالدستور جاء ليحمي البؤساء لا يمكن أن يطبقه أبناء إقطاعيين وطبقات منتفعة من الاستبداد أمثال محمد ولي خان، كما ورد على لسان الغرباوي. بمعنى أن الدستور لا يعيش بلا دستوريين، وهذا خطأ استراتيجي متكرر في كل حضارتنا الضعيفة والمهزوزة منذ عصر اليقظة القومية وحتى اللحظة الراهنة.

** صدر الكتاب عن «دار العارف» في بيروت

كاتب سوري

صالح الرزوق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية