كتاب «وليم حاوي القائد الشهيد» يثير أسئلة جديدة: هل قُتل قائد الأمن الكتائبي لمحاولته تجنب مجزرة تل الزعتر عام 1976؟ أم سقط برصاص «المعركة»؟

حجم الخط
0

هل اغتيل قائد جهاز الامن في حزب الكتائب اللبنانية وليم حاوي على احد مداخل مخيم تل الزعتر في لبنان، في صيف عام 1976، لانه كان يحاول منع حدوث مجزرة ضد المقاتلين الفلسطينيين المستسلمين، وان رصاصة قتله أتت من جهة رغبت بحدوث مثل هذه المجزرة؟ أو انه سقط برصاصة احد القنّاصة المدافعين عن المخيم والرافضين الاستسلام؟
هذا من أهم ما يمكن التساؤل عنه في قراءة لما وراء السطور في كتاب بعنوان: «وليم حاوي، القائد الشهيد»، لكاتبته ليلى حاوي ذود، ابنة وليم حاوي الوحيدة، والذي صدر مؤخرا في لبنان عن»دار درغام» في بيروت شاملاً صورًا ووثائق تاريخية عن حاوي وحزب الكتائب وحقبة المنتصف الاول من تسعينات القرن الماضي في لبنان، حتى نشوب الحرب الاهلية اللبنانية ومراحلها الاولى.
ولعل ما يكسب الكتاب اهمية ان رئيس الجمهورية اللبناني السابق امين الجميل، احد ابرز المرشحين للعودة الى الرئاسة اللبنانية، كتب مقدمته التي قال في احد مقاطعها: «كنا معًا، الشيف وليم (حاوي) وانا في المعركة الدائرة حول مخيم تل الزعتر صيف عام 1976 نحاول بشتى الطرق تلافي الكارثة المؤكدة اذا ما تُركت الامور لاندفاعها الذاتي. لقد سقط المخيم عسكريًا، فبقي ان نسهر على عملية ترحيل المسلحين، بعد القاء سلاحهم، بالسرعة اللازمة منعًا لاعمال الثأر والانتقام التي لا بد ان تكون دامية. وتلك كانت خطيئة «الشيف وليم» يوم 13 تموز/يوليو وهو يؤدي دوره الانساني في رعاية المستسلمين وضمان سلامتهم. فكان ان يد الغدر لم ترع للانسانية حرمة ولا للمعروف جميلا فسقط برصاصة قناص على مذبح الشهامة التي كانت احدى سمات شخصه، ان لم تكن السمة الاهم».
وتقول المؤلفة في القسم الاول من الكتاب بعنوان «وليم حاوي الانسان» ان وليم حاوي كان صديقًا لمؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي انطون سعاده، لانهما انتميا الى بلدة واحدة (ضهور الشوير في قضاء المتن) وان صداقتهما حيكت على مدى الايام والسنين، وان وليم تعلّم اللغة الالمانية على يد انطون سعاده التي كان يُدرّسُها، لرغبة حاوي بقراءة كتب بالالمانية عن صناعة المرايا التي كانت تشكل باب رزقه وقطاع عمله. وتضيف بان سعاده حاول ان يبث فكرة القومية السورية لدى وليم وباقي افراد آل حاوي (اخوته) الذين كانوا يملكون مصنعًا للزجاج. وكان سعاده يتجادل مع وليم واخوته حول هويتهم الوطنية، محاولاً اقناعهم بانهم ينتمون الى الهوية السورية القومية رغم كونهم لبنانيين، في جلسات اجتماعية. وتضيف قائلة: «ان معظم اهل بلدة ضهور الشوير كانوا يتعاطفون مع الحزب السوري القومي الاجتماعي، وان وليم حاوي انتمى الى الشوير وقيمها عاطفيًا وانسانيا، ولكنه رفض اعتناق المبادئ السياسية لحزب سعاده».
ويشار الى انه عندما احتلت القوات الكتائبية ضهور الشوير في مرحلة من مراحل الحرب اللبنانية، دافع وليم حاوي عن اهل بلدته، ووفّر لهم ما استطاع توفيره من الحماية اللائقة، وقد كرّموه في ما بعد باطلاق اسمه على الشارع الرئيسي في البلدة، لدى استقبال جثمانه بعد اغتياله.
وتؤكد ابنته ان والدها لم ينزلق يوما الى اعمال متطرفة، بل كان متزنًا متمسكًا بالتقاليد العائلية والدينية والاخلاقية والانضباطية في التصرف، ولم تكن لفظة «انا» في قاموسه ولم تهمّه الشكليات والاغراءات المادية.
ولعل القسم الشديد الاهمية في الكتاب هو ذلك الذي يشير الى رفض وليم حاوي للطائفية، وتأكيده لعلمانية حزب الكتائب من منطلقه الشخصي، ومحاولته تجاوز المارونية السياسية، فحاوي انتمى دينيا الى طائفة الروم الارثوذكس، وهو رأى بان الدين يؤخذ من وجهتين، الاولى طائفية تؤدي الى التعَصب والاقتتال، وهي مرفوضة برأيه، لانها تشكل خطرًا على لبنان، أما الثانية فهي تعبير عن روحية سامية تدعم الشعوب والدول وخصوصية الشعب اللبناني والتعددية في لبنان ولا يراها متناقضة مع مفهوم الدولة العلمانية. ويقول عن ذلك، حسب المؤلفة، الوزير السابق ابراهيم نجار، ان حاوي حاول تطعيم الكتائب بالطوائف الاخرى، وكان الوحيد الذي باستطاعته ان يقول «لا» للرئيس والمؤسس للحزب بيار الجميل.
وتشير المؤلفة الى ان اعضاء المكتب السياسي في الحزب كانوا يتخوفون منه ويحاولون التفاهم معه عند عرض وجهات نظرهم قبل عرضها على الرئيس بيار الجميل.
ووصل نفوذ حاوي في الحزب، حسب المؤلفة، الى انه طالما حمّل بيار الجميل مسؤولية الضعف والتراخي في بعض الاحيان تجاه ولديه امين وبشير ولعله اكثر من هاجمهما على تصرفاتهما الخارجة عن الانضباط الحزبي، فمصالح الحزب برأيه كانت تتقدم على المصالح الفردية. فالكتائب، برأي وليم حاوي، هي للبنان وليس لعائلة الجميل. وكان بيار الجميل يثق بوليم حاوي الى درجة انه دعمه في معظم قراراته حتى في قرار حاوي في احدى المناسبات، في منتصف الستينات، طرد بشير الجميل من الحزب لفترة محدّدة بسبب تجاوزه النظام والهرمية في اتخاذ القرارات. بيد ان امين الجميل، حسب الكتاب، حافظ على التوازن القائم بين والده ووليم حاوي، واعتبر ان حاوي هو صديق العائلة القديم والاقرب الى عائلة الجميل. وعلى الرغم من النزعة الاستقلالية لامين الجميل في موضوع قيادة قوات الكتائب في المتن، فان قيادة الامن هناك ظلت محصورة مئة في المئة بيد وليم حاوي، وكان امين يوافق على كل قرار امني يتخذه وليم وينسّق معه. وتستشهد ليلى حاوي بقولٍ لامين في هذا المجال: «كنت اعتبره دائمًا السيد والقائد وصاحب السلطة في الامن الكتائبي وان كلمته كانت الكلمة الاخيرة في هذا المجال».
وتعتبر ليلى حاوي ان مثل هذا الوضع لم يكن قائما بين وليم حاوي وبشير الجميل، بل اختلفت النظرة وتباين النهج واتّصفت العلاقة بطابع اكثر حدّة وحذرًا (ص 66). وتؤكد ان والدها كان مؤمنًا بالتراتبية والانضباطية التي تؤمن وحدة الحزب، غير انه في علاقته ببشير، اصطدمت هذه الانضباطية بطبيعة مختلفة عن طبيعتها، بل هي على نقيضها عندما انطلقت الى الساحة الكتائبية شخصية لا تتوافق مع النهج التنظيمي للممارسة الحزبية، كما رآها وليم حاوي، وتلك الشخصية هي بشير الجميل، الشاب المندفع بطاقة مشتعلة وحيوية تتخطى قدرة التقليديين على استيعابها وضبطها، لذلك تحكمّ الحذر بالعلاقة بين الرجل المتزن الصامت الذي يخفي انفعالاته والشاب «المتهور» الذي يرى الانظمة الحزبية قيودًا تحدّ م طموحاته وتقيّد حرياته.
وتضيف قائلة: «كانت هناك مجموعة من القضايا التي شكلت محاور ساخنة بين وليم حاوي وبشير الجميل ابرزها عدم الانضباط الحزبي، التفرد بالقرار، الوراثة في زعامة الحزب وقيادته، التهور والانفعال في التنفيذ والنظرة الشمولية المختلفة حول القضايا العامة.» (ص 67).
وبدأ صراع بين القائدين وليم وبشير، حسب المؤلفة، خفيًا وحذرا اول الامر ثم تحول الى مواجهة في نهاية الدرب… وقد انعكس سلبًا على العلاقة بين بيار الجميل ووليم حاوي، في بعض الاحيان.
وكان وليم يصف بعض تصرفات بشير بـ»الولدنات» غير المنضبطة. ووقف بالتالي في وجه طموحات بشير في تولي المراكز الحزبية الحساسة. وبعد تمرد قام به بشير من دون العودة الى قرارات الحزب، اضطر وليم حاوي، حسب المؤلفة، الى اصدار قرار بفصله من الحزب بتاريخ 18|9|1966 لمدة ثلاثين يوما. وايدّ بيار الجميل هذا القرار، ورفض التدخل لصالح ابنه على اعتبار ان الامر يتعلق بانضباطية الحزب. كما اعتبر امين الجميل انه كانت لدى اخيه بشير «طروحات تختلف عن طروحاتنا، وفلسفة خاصة تصطدم مع فكر وليم الذي كان اقرب الى تفكيري وفلسفتي».
ويعترف احد قادة الكتائب المقربين من بشير (الفرد ماضي)، في موقف له بأن «مجموعة بشير كانت تؤمن بالتغيير السريع في الحزب لمواكبة التطورات المتسارعة، ووقع الخلاف مع القيادات التقليدية، ولكي نغيّر كان علينا ان نستلم قيادة مجلس الامن في الحزب في اوائل السبعينات، وهنا بدأ الخلاف بيننا وبين «الشيف وليم». كان بشير يسعى الى تأسيس جيش مستقّل بقدرات خاصة، بينما كان وليم يسعى لتأسيس قوة عسكرية في ظل الدولة، حسب هذا التوجه.
غير ان الخلاف بين بشير ووليم بقي ظاهريًا، رغم انزعاج بشير من فكرة النظام والانضباط التي تمسك بها وليم، واكتشف بشير انه يصعب عليه ازاحة وليم، الذي ترك في تاريخ الكتائب محطات مهمة جدا. وذلك لم يمنع بشير من الاعداد للتنظيمات الشبابية العسكرية خارج تقليدية الحزب، فقرر التحرر من ضغوط المكتب السياسي، ومن رقابة قائد القوى النظامية وليم حاوي وراح، حسب المؤلفة، يتصرف كما يحلو له وصار اتباعه يخرجون عن اوامر «الشيف وليم» وحاول بشير السيطرة فبدأ يُسقط مواقع الحزب السياسية، مما دفع نائب رئيس الحزب آنذاك جوزف شادر الى التصريح قائلاً: «ارفعوا عنا هذا الولد». ولكن المؤلفة تشير الى ان قوة الشيوخ تراجعت في مواجهة موجة الشباب في الحزب. وانقلب بعض الشباب على منهجية وليم حاوي الصارمة ومالوا الى تنحيته بعدما اتهموه بالفردية والجهل في تنظيم الامور العسكرية. وقرر بيار الجميل تعيين ابنه بشير نائبًا لرئيس المجلس الحربي، رغم تذمر البعض، وصار معظم افراد هذا المجلس يميلون الى موقف بشير ويتلقون الاوامر منه من دون العودة الى المكتب السياسي، فانتقلت السلطة العسكرية اليه، مع ان بشير كان يطمح الى تعيينه رسميًا رئيسًا للمجلس الحربي، حسبما قال الكتائبي البارز جوزف ابو خليل. ولم يصل بشير الى هذا المنصب إلا بعد مقتل الشخص الذي كان يحتل هذا الموقع، ألا وهو وليم حاوي، في عملية اغتيال على مدخل مخيم تل الزعتر.
وهكذا، فمع ان ليلى حاوي ذكرت في مواقع اخرى من كتابها ان الجبهة الشعبية -القيادة العامة وجهت تهنئة الى مقاتلي تل الزعتر على اغتيالهم وليم حاوي، ورغم نشرها نسخًا من الوثائق عن هذه التهنئة الصادرة من قائد الجبهة احمد جبريل ونسخًا من مراسلات بين المقاتلين في المخيم وحلفائهم في الخارج، فان الاسئلة تبقى مطروحة حول من اغتال وليم حاوي ولماذا؟
في الفصل الخامس والاخير من الكتاب، تشير ليلى حاوي الى ان والدها استشهد بسبب شجاعته وميله الى الوجود في مقدمة مقاتليه وايمانه بانه لن يموت قبل ان تأتي ساعته، وان وليم كان يتقدم من بناية الى اخرى تستسلم وترفع العلم الابيض في مخيم تل الزعتر برفقة قادة آخرين، وانه كان يُسرع قبل الآخرين ليتدارك القتل الانتقامي، وليتجنب القتل الوحشي المجاني حتى لو عرّض حياته للخطر، فأصابته رصاصة قناص. ومع أن رفاقه نصحوه بالالتفاف على البنايات المستسلمة من الوراء، فانه اصر على الدخول من الامام لضرورة السرعة. ويقول احد مرافقيه آنذاك ان الرصاصة التي قتلته كان مصدرها الجهة الفلسطينية، وانها اصابته في رأسه. وتقول المؤلفة انه بعد مقتل والدها تردّدت روايات بان وليم حاوي لقي مصرعه على يد احد الكتائبيين الخونة، ضمن صراع نفوذ شهده المجلس الحربي بين جناح الشيوخ وجناح الشباب فيه، وأن الرصاصة التي قتلته جاءت من الوراء. وفتح تحقيق في الامر غير ان النتيجة لم تظهر. كما تستشهد الكاتبة بما قاله مراسل صحيفة «الواشنطن بوست» جوناثان راندل في كتابه «حرب الالف سنة» بان موت وليم حاوي كان مناسبًا جدًا لطموح بشير بان يصبح القائد العسكري للكتائب، وباخرين اشاروا الى ان تجاوزات ميدانية ارتُكبت من سائر الجهات المتقاتلة في لبنان بعد غياب حاوي، ولعل هذا كان المطلوب من اغتياله!
يبقى، حسب قولها، ان الاثباتات حول من قتل وليم حاوي ما زالت غير متوافرة، او انها فُقدت حتى الساعة.
وتستشهد ليلى حاوي بما قاله النائب والوزير الكتائبي السابق ادمون رزق في هذا الصدد: «لو ان روح وليم حاوي بقيت، بعد اغتياله، في القوى النظامية الكتائبية لما وصلنا الى هنا. هو زرع جهازًا يحمي ويدافع لا لكي يعتدي ويقتل ويضرب. ربما اليد الغريبة التي كانت «تدفش» المؤسسة الى العنف هي نفسها التي قتلت وليم حاوي لإلغاء وجوده على رأس هذا الجهاز كعنصر تهدئة وانضباط». لذلك فبرأيه شكّل اغتياله مفصلاً مرعبًا في مجرى الحرب اللبنانية. وتوافق المؤلفة على هذا الموقف قائلة انه بعد اغتيال والدها تغيّرت الامور مع تسلم القيادة الشبابية الامن في الحزب، فهذه القيادة تجاوزت الطروحات الميثاقية وتعاطت مع الاوضاع بقيم مختلفة وممارسات بديلة فاقامت مبدأ استحالة العيش مع الآخرين.

٭ كاتب لبناني

سمير ناصيف

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية