كتاب يحرضون على قتل المتظاهرين وآخرون يطالبون بتطهير مصر من الخونة

حجم الخط
4

القاهرة ـ «القدس العربي»: كل يغني على ليلاه في مصر هذه الأيام، فبينما الرئيس في أوروبا على أمل ان يستمد ظهيراً دولياً لحكمه، الذي يفتقر للكثير من التعاطف الخارجي، ورغبة في حصد استثمارات لدعم الاقتصاد الوطني المتردي، تبدو مصر على فوهة بركان، حيث الانقسام الشعبي يتزايد على أثر رفض الإخوان ومن والاهم الاعتراف بالحقائق الموجودة على الأرض..
مبارك ينتظر حكم المحكمة.. والرئيس المعزول محمد مرسي ورفاق دربه في الزنازين لا يكفون عن رفع أكف الضراعة إلى السماء، أن تنجح «انتفاضة الشعب المسلم» التي يراهن الإخوان ومن والاهم عليها في إعادة الأمور لنصابها من جديد، وهي الأمنية التي يسخر منها معسكر 30 يونيو/حزيران الممسك بمقاليد الأمور، معتبرين أن تميمة الحظ متمثلة في شعبية رئيسهم، الذي قاد محمد مرسي للسجن، هي مفتاح العبور للبقاء في الحكم إلى ما شاء الله.. غير أن الكثير من الشواهد تشير إلى أن الأيام المقبلة على مصر تمثل خطراً على الجميع، وأنه لا ناجي من مفاجآت الأقدار، طالما أن كلا الفريقين متشبث بموقفه ويرفض الجلوس إلى طاولة المصالحة، التي باتت قدراً لا مفر منه، كي تعرف سفينة الوطن طريقها لشاطئ الأمان. المؤيدون للنظام باتوا على قناعة بأنه لا سبيل سوى المضي في طريق المواجهة للنهاية لاستئصال خطر «الآخر»، فيما الإخوان لازالت كلمات مرشدهم التي أطلقها قبل أن يمضي لغياهب السجون، التي استلهمها من النص القرآني «سيهزم الجمع ويولون الدبر» لازالت تصدح في آذانهم، واثقين في نصر الله. وبالأمس كانت مصر على موعد مع «انتفاضة الشباب المسلم» التي يراهن أنصار الرئيس محمد مرسي وحلفاؤهم بأنها ستحدث تحولاً في الصراع مع الدولة التي قامت على رفات حكمهم. يثقون في أن السماء تقاتل معهم، فيما المعركة على الأرض تبدو لصالح الجيش والشرطة وآلة إعلامية تعرف من أين تؤكل الكتف، تمضي غير عابئة إلا بالتحذير من مخاطر الإرهاب والتكريس لمزيد من الفرقة بين أخوة الوطن الذين يأكلون من رغيف واحد ويشربون من نهر واحد.. هذا النهر الذي بدا أمس خائفاً من انسداد مجراه، بعد أن تعثرت كافة دعوات المصالحة وبزوغ نجم الإرهاب متمثلاً في توالي التفجيرات هنا وهناك على مدار الساعة. هذا الإرهاب الذي هو خطر على الجميع.
وفي صحف أمس الجمعة باتت مصر وكأنها ذاهبة لحرب على عدو غير مرئي.. المانشيتات زادت من حجم المخاوف لدى عموم الفقراء الذين يسألون الله كل صباح رغيف خبز لا مقعدا في البرلمان وحذاء لا سيارة فارهة ولحافا لبرد الشتاء، وليس السفر إلى منتجعات البحر الأحمر الدافئة.غير ان أحلام السواد الأعظم من المصريين ذهبت في مهب الريح بعد أن وجد هؤلاء أنهم مسيرون لا مخيرون لمعركة قد تمتد لسنوات مقبلة كما يقول حال تلك الصحف.. «الأخبار» قالت.. الرصاص الحي على المتظاهرين..» وعلى هديها سارت باقي الصحف القومية «الجيش والشرطة استعدا للمواجهة».. «إطلاق النار على الخارجين ضد الشرعية» «إنها الحرب ضد الخونة».. أما الصحف المستقلة حليف النظام الأشد تأثيراً ففتحت نيرانها الحية: «لا تخرجوا من بيوتكم..المتظاهرون يريدون حرق الوطن.. قاتلوهم .. حرب التطهير بدأت.. الأزهر كان حاضراً بقوة حيث أطلق رصاصه مبكراً.. المتظاهرون يقاتلون تحت راية الفتنة.. الإفتاء تابعت.. خونة يعادون الله ورسوله..» وإلى التفاصيل:

أمريكا تقتل متظاهريها ايضاً

لو خرج اليوم عشرة أشخاص.. في مظاهرة يحملون فيها السلاح على الدولة، ويمارسون العنف في حق الناس، ويحرضون عليه، فسوف نُفاجأ بأن الإدارة الأمريكية تخرج علينا ببيان، ثم لا تجد حياء في أن تطالبنا فيه بأن نلتزم ضبط النفس مع المتظاهرين المسلحين، وأن نراعي معهم حقوق الإنسان، وألا نمارس معهم عنفاً، تلك كلمات تفوه بها سليمان جودة خصم الإخوان اللدود في «المصري اليوم» متابعاً: «لا مانع عندي في أن نفعل هذا كله، وما هو أكثر منه، وأن نمتثل لما تريده منا إدارة أوباما في هذا الاتجاه، بشرط وحيد هو أن تتصرف هي بالمنطق نفسه مع متظاهريها الأمريكان، لا أن تطلق عليهم الرصاص الحي، ثم تحرضنا في الوقت ذاته، على أن نكون رحماء مع الذين يرفعون السلاح في وجوهنا. ويستشهد جودة بوقائع محددة ومسجلة بالصوت والصورة، للشرطة الأمريكية في مدينة فيرغسون، التابعة لولاية ميزوري، في أغسطس/آب الماضي، حين سقط شاب أسود صريعاً برصاص ضابط أبيض! متسائلاً:ماذا حدث وقتها؟ خرج أهالي الشاب الأسود، والمتعاطفون معه، والذين حزنوا عليه، في مظاهرة ينددون من خلالها بما أصاب الشاب، فما كان من الشرطة في المدينة إلا أن استخدمت معهم، ليس فقط الرصاص الحي، وإنما راحت تطاردهم بأسلحة لا يتم استخدامها في العادة إلا في الحروب! نعم يستخدمونها في الحروب وحدها! ويؤكد الكاتب ان الشرطة الأمريكية تلاحق المتظاهرين هناك بأسلحة الحروب».

هي الحرب إذن

لا هي معركة حريات، ولا قانون التظاهر حاضر، ولا عدالة اجتماعية ستكتب بمداد أحمر على اللافتات.. هكذا صراحة يعلنها حمدي رزق في «المصري اليوم»: «قندهار الثانية» لا تقبل بغير الدماء، يريدون قتل «علي» من جديد، يرفعون المصاحف خدعة، هذا يوم رفع المصاحف في وجوه الذين آمنوا وقالوا إنّا مصريون. طالبوا دماء، لا تخوضوا معهم في دماء الأبرياء، كفاية دم، أرض المحروسة اترعت من الدماء، معركة 6 إبريل/نيسان مع الدولة مفهومة، معركة الاشتراكيين الثوريين جد مختلفة، معركة إثبات وجود 25 يناير/كانون الثاني لا تخفى عليكم، لكن «قندهار الثانية» ضد الجميع، لن ينجو من تكفيرهم مسلم موحد، ولا مسيحي صالح. ويواصل الكاتب هجومه على الداعين لانتفاضة الشباب المسلم: قندهار الثانية صيحة تكفير ليست صيحة تكبير… فارق كبير بين من يسعى إلى توكيد الحريات، ومن يسعى إلى سفك الدماء، فارق كبير بين من يرفع الدستور طالبا الحريات، وبين من يرفع المصحف في وجه من يرفع الدستور، يكفره بدستوره، ويحكم فينا ضيق فهمه للكتاب الكريم. ولو قلامة ظفر قصفت اليوم، المصحف منها براء».

السيسي كان في أوروبا عندما اندلعت الانتفاضة

حرص عدد من الإعلاميين الذين يحلو لهم أن يثيروا الرعب بين الجماهير على التحذير من مخاطر انتفاضة الشباب المسلم أمس الجمعة، وهو ما تبدده مشاعر كتاب آخرين رأوا في سفر الرئيس خلال زيارة خارجية دليلا على أن مصر في الطريق للاستقرار، كما يشير محمد عبد الهادي علام رئيس تحرير «الأهرام» الذي يرى أن رحلة الرئيس لأوروبا كلها فوائد: «حققت الرحلة الأوروبية الأولى للرئيس عبد الفتاح السيسي، التي قادته إلى روما والفاتيكان وباريس، الكثير من أهداف المرحلة الحالية في عملية إعادة البناء في مصر، التي تبحر في محيط مضطرب إقليميا، وفي ظل تحديات داخلية لا يمكن إنكارها. حفاوة الاستقبال في العواصم الغربية الثلاث تعطى ملمحا عن النجاح في هزيمة الصورة السلبية التي سعت التنظيمات المشبوهة إلى فرضها بعد ثورة الشعب في 30 يونيو/حزيران، وهو جهد غير عادي تٌوج بالزيارات الرئاسية الأخيرة ومنطلق من اللحظة الأولى من عرض حقائق ما يجري على الأرض في البلاد، وتأكيد أن مصر تخوض حربا على الإرهاب، نيابة عن كل المجتمعات المتحضرة، وتسعى لحماية الدولة من غلاة التطرف وخطف الدين لمصالح السياسة، وهو ما اختبرته أوروبا بوضوح في صعود الجماعات المتطرفة في العراق وسوريا وليبيا وامتلاكها ترسانات أسلحة غير مسبوقة في تاريخ تلك التنظيمات الدموية، وقيامها بمجازر أحدثت شرخا عميقا في الضمير العربى والأوروبي والعالمي، ولم يعد أمام الحكومات التي تنتهج خيارات السلم والتعايش سوى التكاتف لوقف فيروس التطرف الذي نشأ في معامل الغرب أولا، ووصل إلى قمة عنفوانه، بفضل أخطاء قاتلة في سياسات الحكومات الغربية. ويرى الكاتب ان جولة الرئيس الأوروبية ناجحة ووضعت كثيرا من الأمور في نصابها، وأثبتت أن مصر هي حجر الزاوية في إعادة الاستقرار للمنطقة».

الإعلام حريص على بقاء دولة مبارك

«لماذا يصر الإعلام المصري على أن يحشد أمامنا كل يوم صور واشباح ورموز العهد البائد في إلحاح غريب.. إن هذا الغزل المشبوه بين الإعلام والعهد البائد، يؤكد أن مصر لم تتغير، وأن رجال الأعمال الذين نهبوا أموال هذا الشعب في زواج باطل بين رأس المال والسلطة، قد خرجوا من السجون، ولا أحد كما يشير فاروق جويدة في «الأهرام» يعلم مصير محاكماتهم او نتائجها.. يتبادلون المواقع الآن على الفضائيات ومواقع النت .. والسؤال هنا.. لأي شيء يمهد هؤلاء، وهل هم عائدون، وأين القضايا التي حوكموا فيها والأحكام التي صدرت ضدهم؟ إن عودة هذه الأشباح يثير تساؤلات كثيرة لدى المواطن المصري» .. والسؤال الأخطر الذي يطرحه جويدة: «أين جهاز الكسب غير المشروع وأين عشرات، بل مئات القضايا التي شملت اتهامات صريحة بنهب المال العام والاعتداء على أموال هذا الشعب.. أين القضاء من هذه الاتهامات، ولماذا أغلقت الدولة هذه الملفات..؟ نحن لا نطالب بمحاكمات وأحكام ظالمة ولكننا فقط نطالب باسترداد أموال الشعب المنهوبة. أين الأموال التي نهبها المسؤولون السابقون من الوزراء وكبار المسؤولين، وما هو مصير الأحكام التي صدرت ضد هؤلاء، وأين أباطرة الحزب الوطني وأين جرائم الفساد السياسي والزواج الباطل..؟ هذه الملفات جميعها تم إغلاقها لأسباب غير واضحة». ويشدد الكاتب على حق هذا الشعب في أن يعرف مصير أمواله التي نهبها هؤلاء. إن صمت الحكومة عن هذه الجرائم يطرح الكثير من الهواجس والظنون.. وهل من حق الحكومات أن تفرط في أموال الشعوب».

الاعتراف بنبوة النبي محمد شرط دخول الجنة

ونذهب بالمعارك الصحافية بعيداً، حيث ألقى سعد الدين الهلالي استاذ الفقه بجامعة الأزهر قنبلة مفادها، ان نطق شهادة لا إله الا الله وحدها طريق الدخول للجنة، وهو ما أثار غضبا في أوساط علماء الدين. ونترك محمد فوزي يرد على الهلالي في «الشعب»: «هذا أمر كارثي يجب أن يحاسب عليه، فتعالوا نقرأ تلك الايات والأحاديث بدقة لنكتشف أن أول أساس من أسس الإسلام هو شهادة، أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان) رواه البخاري ومسلم. وهنا نقرأ في كلام الله عز وجل في مقارنه بين المؤمنين والكافرين في نقطه الإيمان بالرسل كلهم بدون ادنى استثناء»إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151) وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152)» الآيات 150-152 من سورة النساء.. يضيف الكاتب هنا توضيح أنه من قواعد الإيمان أن نؤمن بكل الرسل والأنبياء وكل الكتب السماويه الصحيحة (قبل التحريف) وبالطبع بالقرآن الكريم «قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) « الآية 136 سورة البقرة ثم نقرأ هنا الأمر بطاعة الرسول الكريم في قوله تعالى»يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)»الآيه 59 سورة النساء وهنا كما يقول الكاتب التأكيد مرة أخرى بنبوة ورسالته (صلى الله عليه وسلم) وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين «مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40)» الآية 40 سورة الأحزاب.

سقوط النظام بانتهاج السلمية
حفاظا على الأنفس والأموال

ونتوجه نحو متفائل بعودة الرئيس مرسي لسدة الحكم محمد حشلة في «الشعب»: «نظرة الباحث المدقق لا تخطئ أبدا أشراط تصدعه وانهياره، فمن ناحية كان عجز الإنقلابيين عن إدارة الدولة بعد إقصاء الرئيس مرسي لا تخطئه العين، وفي كل يوم يزيد عجزهم وفشلهم عن اليوم السابق، بما لا يمكن تداركه، وآية ذلك إحساس القائمين على البلاد بالخوف من الغد فلا يكون لديهم خيار سوى تأمين ذلك الغد المجهول بالمال خارج البلاد حفاظا على أنفسهم وأسرهم ما زاد من التضخم وارتفاع سعر العملات الأجنبية لشحها من السوق، وبدت واضحة هستيريا البيوعات العقارية لأراض على السواحل وعلى تخوم القاهرة، وبدا مضحكا في شهور الانقلاب الأولى أن تطلب السعودية قائمة بالاحتياجات المصرية لتشتريها للحكومة، بعد أن علمت أن جل مدفوعاتها التي تحاول أن تخفف من خلالها الغضب الشعبي في الداخل تدخل جيوب القائمين عليها. يضيف الكاتب: فوق الأعباء الاقتصادية المستحيلة فإن معركة الموارد البشرية للانقلابيين أصبحت مثارا للتندر والتفكه، ففوق ما تمثله خطب قائد الانقلاب من مادة فكاهية يومية بدءا بالفلاتر ومرورا بإشارة رابعة، فإن الوزراء والمحافظين ومن دونهم ليسوا قادرين على إدارة المرفق العام، وهو ما أصاب البلاد بحالة من الوهن. يضيف محمد: قد يظن البعض ممن شاهد أحداث سبتمبر/أيلول 2001 أن الانقلاب سيسقط كما سقط برج التجارة مرة واحدة، وهذا التصور مستمد من وحي كلمة السقوط، ولكن الحقيقة أن الانقلاب قد اتخذ من برج إيفل نموذجا أقرب للتمثيل، فهو يميل ويميل حتى يصل إلى نقطة الإعوجاج الحدي فيسقط عندئذ دفعة واحدة، وآية طول زمن سقوطه هي انتهاج السلمية في مقاومته حفاظا على الأنفس والأموال أيام الانقلاب أصبحت معدودات».
من أين تعلم الإعلاميون البذاءة؟

يتعجب المرء من هؤلاء الإعلاميين الذين يظهرون على الفضائيات ويكيلون السباب المتدني للمختلفين معهم في الرأي، ويزداد العجب حين نسمع أحد مقدمي البرامج يتلفظ بعبارات مستلة من أكثر القواميس بذاءة، وهو يصف أحد الذين لا يتفقون معه في الرأي! والسؤال الذي يطرحه ناصر عراق في «اليوم السابع» من أين جاء هذا المذيع ليسطو على الشاشة وينفث في وجوه مشاهديه كل هذا القاموس البائس من الألفاظ، حتى لو كانت شتائم هذا المذيع موجهة ضد المعادين للدولة المصرية وللشعب؟ فالمذيع المهذب يمكنه أن يقطع رقاب الذين يسبوننا بكلمات راقية، كما يقول الكاتب: فاللغة العربية تحتشد بمفردات لا حصر لها لو أمكن توظيفها في النقد والسخرية، من دون اللجوء إلى العبارات الخشنة المقززة! المشكلة أن الناس صارت لا تفرق بين الانتقاد الحاد الذي يحافظ على رقة اللغة وسحرها، وبين السباب الذي يتكئ على أكثر الألفاظ فحشا ورداءة. وإذا كان أحد المتاجرين بالدين يقول على الهواء مباشرة في زمن مرسي «النبي كان بيشتم عادي»، وهو افتئات على رسولنا الكريم صاحب اللسان العف، فما الحجة لدى واحد ينتمي لثورة 30 يونيو/حزيران، يستخدم أردأ الكلمات العامية ويصف بها المختلفين معه! هناك أكثر من تفسير يوضح لنا كيف صارت البذاءة عنوانا لعصر، وليس لطبقة غير متعلمة فقط، فالبذاءة تعبير عن انحطاط أخلاقي طال جميع الطبقات في بلادنا بكل أسف، إلا من رحم ربي، فالذين يملكون السلطة والمال والنفوذ يمارسون البذاءة من باب الغطرسة. أما الذين خاصمهم الدهر فيعبرون عن إحباطهم بإطلاق الشتائم أي أن هناك نوعين من البذاءة.. بذاءة الكبار أصحاب السلطة والسلطان، وبذاءة الصغار المحرومين من نعيم الدنيا، وهكذا ينتمي مقدم البرامج إياه إلى الفئة الأولى التي تلوث آذان المشاهدين بعباراتها المزعجة!».

حوار بين إبليس وشيطان في فندق أنيق

ونتحول نحو هذا الحوار الافتراضي من وحي محمد حبيب نائب مرشد الإخوان السابق في «الوطن»: تواعد إبليس مع الشيطان، صديقه الحميم، على لقاء في أحد الفنادق الفخمة ذات الـ5 نجوم بوسط المدينة، وذلك لمناقشة ومتابعة بعض الأمور المهمة.. وصل إبليس أولاً وقبل الموعد بقليل، تجاوز باب الفندق وانتهى إلى مقعده، وما هى إلا لحظات حتى أقبل الصديق، وبعد أن صافحه جلس إلى جواره.. ابتدره إبليس قائلاً: مالي أراك تلهث؟ الشيطان: جئت من فوري بعد أن انتهيت من مهمة كبيرة، وخشيت أن أتأخر عليك.. إبليس: أبداً.. أبداً.. لقد جئت في موعدك تماماً، كعهدي بك دائماً.. الشيطان: أنت تعلم يا عزيزي أهمية الوقت – أقصد اللحظات- بالنسبة لنا، فهي ذات قيمة كبرى عندنا.. إبليس: طبعاً.. طبعاً.. وأرجو أن تكون قد أنجزت مهمتك بحذافيرها.. الشيطان: شعارنا من قديم الأزل هو «الإنجاز والإتقان»، و«لا تؤجل عمل اللحظة إلى اللحظة التي تليها».. إبليس: بالمناسبة، ما تقييمك للمرحلة الحالية؟ الشيطان (متهللاً ومبتسماً): أبشر أيها الصديق العزيز.. الأوضاع في معظمها مفرحة.. فالفوضى عارمة في كل مكان، بحيث لا يُعرف للبلد رأس من ذنب.. بنو آدم في حالة من الانقسام والتشرذم والسخط وعدم الرضا بشكل يبعث على السرور.. أولاد «مبارك» فرحون متهللون، يظنون أن عهدهم أوشك أن يعود.. الحديث عن الإرهاب والقتلى الذين يتساقطون يشرح الصدر.. نزيف الأسفلت شيء «يرد» الروح، والاشتباكات في الجامعات بين الأولاد المهاويس والأمن شيء مبهج.. نحمد الله أنه لم يخلقنا آدميين.. إبليس: هذا يثلج صدورنا، ويبعث الأمل في نفوسنا.. نحن نريد أن نرى الفشل يلاحق بني آدم في كل مكان يصلون إليه وكل عمل يقومون به، بغض النظر عن تدخلنا من عدمه».

مصر تحتاج لصانع ألعاب

أين صانع الألعاب في كل المجالات من أجل إحراز هدف تصعد به مصر في أي مجالات غير كرة القدم، التي انتكسنا فيها، وسنظل، طالما الإدارة بالعقلية نفسها، والأسلوب نفسه. سؤال وجيه لمحمد فتحي في «الاخبار» الذي لديه العديد من مبررات التفاؤل فقد فرح بمبادرة (اسمعونا.. فيه أمل) التي تدعو لنشر الأمل من خلال المبادرات الموجودة على أرض الواقع، وبزيارة الكاتب لمصانع الهيئة العربية للتصنيع وجد نفسه مطمئناً لمستقبل هذا الوطن، وخرج الكاتب بنتيجة، مفادها أن في هذا البلد من يريد أن يخدمها ويبنيها، لكنه جالس على الدكة، يراقب ما يحدث في صمت، أو يعمل (مع نفسه) من دون توجيه أي اهتمام به، لتصبح محصلة ما يفعل اكتئابا مؤجلا سيشعر به بعد قليل، لأن (تشبيكاً) مهماً لم يحدث.. وأما السؤال فهو: كيف انهار الأمل عند كثير من الناس وتحول إلى عدم ثقة في أي شيء، وتشكيك دائم في كل شيء؟ ويؤمن الكاتب بعدم مصداقية المسؤولين في هذا البلد (فتش عن التصريحات المكررة والمعتادة بلا نتائج)، وبالتجارب السيئة التي قدمت من قبل فجعلت رصيد الاكتئاب أكبر من رصيد الأمل لدى البعض (جهاز الكفتة نموذجاً)، وبالتسويق السياسي الذي لا نجيده (هل ركز الإعلام على نتيجة زيارات الرئيس بدلاً من تركيزه على تجمع الناس للغناء له ونزوله لتحيتهم)، وبإدارة الأزمات التي لا نعرف عنها شيئاً. ويخلص فتحي إلى ان مصر بلا نموذج في أي شيء، وإن وجد النموذج فهو إما مسافر، أو لا يسلط الضوء عليه بسبب إعلام الخناقات و»الشو» والبحث عن سبق على جثة الوطن وتصفية الحسابات».

مبارك الذي أفسد البلاد والعباد يحلم بالبراءة

بغض النظر عن الحكم الذي ستصدره محكمة جنايات القاهرة في حق مبارك ومن معه، سيظل الرئيس الأسبق في عهدة التاريخ حاكمًا مستبدًا وفاسدًا، كما يشير إبراهيم منصور في «التحرير»: «لقد أضاع مبارك على مصر استعادتها قوتها ونفوذها لتصبح قوة مهمة إقليمية، بل ودولية خلال الثلاثين عامًا من حكمه. وأضاع على مصر أن تكون دولة ديمقراطية تعتمد تداول السلطة وتقدم نموذجًا للدولة الحديثة للقوى الإقليمية، لكنه أصر على تقزيم البلد من أجل مصالحه الخاصة، كما أضاع مبارك على مصر أن تكون قوة اقتصادية فاعلة من خلال التنمية، بدلًا من الاقتصاد الريعي والأسود، الذي كان يقدم به ومساعدوه من المنافقين والموالسين نسب نمو وهمية لاقتصاد لم يكن لها تأثير على المواطنين. كما منع مصر من أن تكون دولة لها تقديرها ويسمع لها بتاريخها وجغرافيتها وبشرها، إلا أنه كان يسعى إلى تمكين ابنه من السلطة من بعده.. فكان يقدم تنازلات من أجل ذلك. ويمضي الكاتب في إحصاء كوارث مبارك: أضاع على مصر الكفاءات المهمة في كل المجالات، فمنهم من هاجر أو قُضي عليه لسيطرة العملة الرديئة من الكفاءات «المديوكر» أو عديمي الكفاءة ليقودوا البلاد. لقد أضاع مبارك على البلاد ثروتها لا المادية فقط، بل والبشرية أيضًا. يتابع منصور: لقد أضاع مبارك على البلاد قطاعها العام الذي فضَّل أن يبيعه بأبخس الأثمان لكي يحصل هو وحاشيته على العمولات والإكراميات. لقد أضاع مبارك على البلاد أموالها لصالح مجموعة من رجاله ورجال أعمال ابنه ليزيدوا ثراءً من أموال الشعب».

السطحية المحتفى بها

وننهي جولتنا في عالم الصحافة المصرية لهذا اليوم في «الشروق» عدد أمس الجمعة ومقال الكاتب عمرو حمزاوي الذي يقول فيه: « كأن تغييب المعلومات والحقائق وفرض الصوت والرأي الواحد ليس بكافيين لإبعاد المواطن في مصر عن المتابعة الواعية للشأن العام، ولشل قدرته على ممارسة الاختيار الحر الرشيد (إن أتيحت له فرصته)، فيجهز الترويج المستمر للتعميمات الكاسحة وغير الموضوعية بشأن أحوال المجتمع والدولة والحكم والسلطة، وللخوف من الآخر الغربي ولنظريات المؤامرة وللصور النمطية السلبية عن المختلفين مع التيار السائد، وعن المغردين خارج السرب على القليل المتبقي من المعرفة والعلم والعقل والإبداع وينزع عن الكثير منا تقديس الكرامة الإنسانية واحترام الحقوق والحريات وقيم العدل والمساواة.
وحين يقبل على الاضطلاع بترويج التعميمات ومقولات الخوف، مفكرون ومثقفون يتورطون في منافسة إعلاميين موجهين من قبل مؤسسات وأجهزة السلطة التنفيذية، وحين يتسابق أكاديميون من حملة الشهادات العليا على صياغة نظريات المؤامرة الكونية، وعلى تثبيت الصورة النمطية المجردة من الرشادة عن غرب يتآمر دوما علينا ــ وبغض النظر عن الالتقاء الواضح في بعض المصالح الاستراتيجية الكبرى، بين حكوماته وبين منظومة الحكم/ السلطة في مصر ــ وعلى تعميم الهوس والجنون في المجال العام عبر تصنيف أصحاب الرأي الآخر كأعداء وإنزال عقاب التخوين والتشويه الجماعي بهم، وحين يفقد بالتبعية الإنتاج الفكري والثقافي والأكاديمي موضوعيته ورصانته وقراءته النقدية ﻷحوال المجتمع والدولة والحكم والسلطة، أو حين يحتفى بالسطحية «كواقعية تؤيدها معلومات مصدرها الوحيد مؤسسات وأجهزة الدولة»، وبالانعزال الحضاري «كخصوصية مصرية»، نصبح إزاء كارثة محققة تتجاوز تداعياتها السلبية الحاضر الذي يبرر به للسلطوية ويطغى به الأمني على كل ما عداه، وتغتال به السياسة إلى مستقبل سيصعب به تمكين القطاعات الفكرية والثقافية والأكاديمية وبالقطع وسائل الإعلام من التعافي السريع إن استعدنا مسار تحول ديمقراطى وسيادة قانون وعدالة انتقالية.
فكيف لمفكرين ولمثقفين وﻷكاديميين يروجون اليوم للتعميمات ولمقولات الخوف أن يسترجعوا ذاكرة المعرفة والعلم والعقل والإبداع والبحث الجاد عن المعلومة والحقيقة والتعبير الحر عن الرأي، إن تبدلت الأحوال مستقبلا وغابت التوجيهات القادمة من أعلى ولم يعد شرط النجاة من القمع والحصول على العوائد متعلقا بالانصياع لإرادة الحكم/السلطة؟ كيف لهم أن يديروا البوصلة ويغيروا الدفة باتجاه الحرية مستقبلا، وتوالي التوجيهات وتراكم لحظات الانصياع اليوم يرتبان تعطيل الضمير والعقل؟ ألا يستحيل على من يتقدم الصفوف لصياغة نظريات المؤامرة وصناعة الصور النمطية السلبية وتعميم الهوس والجنون مغادرة هذه الخانات الظلامية والتخلص من اعتياد التأييد الأحادى للحكم/ السلطة والسطحية والانعزال الحضاري وإعمال الضمير والعقل؟ ألا يستحيل نفسيا وذهنيا على من يجرم الحرية اليوم الحياة في ظلها غدا، وعلى من يهمش المعرفة والعلم والعقل أن يكتشف دورهم الضروري لصون الكرامة الإنسانية، وعلى من يريد إخضاع المواطن والمجتمع واختزال الدولة في مؤسسات وأجهزة أن يدرك أن فقط المواطن الحر ومجتمع الحرية والسلم الأهلي والتسامح ودولة العدل وسيادة القانون والحقوق والحريات هم من يصنعون التقدم؟ لا، ليس لهم هذا ولن يقدروا عليه، وهنا ميزة إضافية أخرى لاستمرار وجود المختلفين مع التيار السائد والمغردين خارج السرب ولإصرارهم على عدم الانحناء أو التخاذل أو الانسحاب من الشأن العام».

حسام عبد البصير

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية