«ما يحتاج للتوثيق والأرشفة هو يوميات المواطنين في هذه المدن وليس العسكرة والسياسة». هذه العبارة هي لكاتب السيناريو الفلسطيني السوري العائد حديثاً إلى دمشق بعد نزوح مؤقت إلى القاهرة. ليست هذه العبارة جديدة تماماً، إنها بشكل من الأشكال لسان حال الكثير من الكتّاب الذين اضطروا للبقاء في سوريا في الظروف القاهرة التي نعرفها جميعاً، والتي ربما تحتاج إلى أبطال حقيقيين لمواجهتها. هذا بالذات ما يدفع المرء لتفهّم كثير من النظريات التي تنشأ تحت القصف.
لكن هل حقاً لا نحتاج إلى توثيق يوميات «العسكرة والسياسة»؟ وهل وراء يوميات الناس، في تسوقهم، وحركتهم لقضاء حوائجهم متخطّين هذا العدد الهائل من الحواجز، متأملين السماء المليئة بالطائرات، والأفق المغطى بالدخان الأسود، والبيوت المهدمة أو الأحياء المسدودة بأكياس الرمل، وواجهات المحال الملونة بألوان العلم، هل وراء ذلك كله غير السياسة والعسكر؟ نفهم تماماً هذه المحاولة في الوقوف على الحياد، ومحاولة الكتابة عن الألم لا عن أسبابه، لذلك تكثر الكتابة، حتى في فضاء الميديا الاجتماعية، عن انقطاع التيار الكهربائي، وانتقاد غياب السلع أو غلاء أسعارها، إلى سواها من الانتقادات لتصرفات يمكن تسجيلها ضد مجهول.. لكن ما يصعب هضمه أن تقال عبارات، كالآنفة الذكر، بهذا الترفع، على أساس أن لدى الكاتب أموراً جليلة ومهمات أصعب من الحديث عن «العسكرة والسياسة».
بالنسبة لكتاب السيناريو التلفزيوني في سوريا ليس هذا الترفع، وهذا الحياد، مجرد غياب عن الوعي، إنه عمل متقصد لأناس يريدون أولاً على مستوى السيناريو أن يقدموا أشياء لا ترفضها شركات الإنتاج، ومختلف المحطات التلفزيونية، مع الحساب لمستجدات السياسة التي تتبدل كل يوم، وثانياً يريدون أن يتصرفوا في موقفهم تجاه «العسكرة والسياسة» بحيث يتركوا طرقاً للعودة، وللشغل.
حسن سامي يوسف، هو بالذات من أبرز كتاب الدراما الذين شجعوا الكاميرا للذهاب بعيداً في الواقعية، إلى الأحياء العشوائية على سبيل المثال، لا نريد شيئاً منه الآن سوى أن يسجل بأمانة أحوال تلك العشوائيات. في الواقع نريد ما هو أقل من ذلك بكثير: إذا أردت أن تعود إلى هناك بعد نزوح، إذا أردت أن تعمل وتسترزق لا تحاول أن تفسّر ذلك بنظريات ومفاهيم، حول ما يحتاج إلى توثيق وما لا يحتاج. خذ حصتك واصمت. على الأقل لا تعلن ما يخالف ثقافتك قبل ضميرك.
باسم ياخور في ساحات القتال
نقلت صحف صورة للممثل السوري باسم ياخور قالت إنها من ساحة العباسيين وسط دمشق، الساحة اللصيقة بحي جوبر الدمشقي حيث تدور أعنف المعارك أخيراً، بل حيث يقصف الحي يومياً بعدد كبير من الغارات. حسب الصحف نفسها فإن ياخور أرفق الصورة بعبارة «تحية للغاليين.. من ساحة العباسيين»، ما يؤكد أن الصورة، ولا الفعل برمته عفو الخاطر، بل هي طريقة للقول إن المكان بــــات آمناً، وأنها «خلصت». لا جديد في هذه العبارة، فهي تقال من أربع سنوات بـــلا كلل، الـــجديد هو استقتال الفنانين على هذا الظهور في المناطق شبه المشتعلة، مؤكدين نشوتهم واستمتاعهم بمشاهد القصف على الجوار، الأحياء التي يفترض أن لهم فيها إخوة من أبناء جلدتهم، وهم يرون بأعينهم على الشاشات كيف أن غاراتهم تقتل مدنيين. ماذا أصاب الفنانين السوريين؟ لما سرّ كل هذا العطش إلى الدم؟!
صحافية منقبة في الرقة
في برنامجها «مراسلون» تناولت قناة «فرانس24»، في حلقة من إعداد ليانا صالح، تجربة السورية رزان التي عادت منقبة من تركيا إلى مسقط رأسها الرقة، التي تخلصت من حكم النظام السوري لترزح تحت نير «داعش». رزان صوّرت، بكاميرا مخفية في حقيبتها، أحوال المدينة بالتفصيل. دوريات «داعش» التي تضغط على أنفاس الناس في الطرقات، خوف الناس الظاهر في العيون، توهانهم، الأطفال الذين تحدثوا عن تجربتهم في تعلم الموسيقى قبل «داعش» وافتقادهم إلى ذلك تحت حكمها، المطعم الإغاثي، السلاح الذي يحمله الزوج والزوجة الداعشيان على حد سواء، الرواتب التي يتقاضونها، جنسياتهم، إجبار النساء على ارتداء النقاب، وتجربة رزان نفسها في إجبارها عليه، كل ذلك صورته الشابة السورية بجرأة تذكّر بجرأة مواطنيها السوريين الذين نقلوا أحداث الثورة السورية في وجه النظام، وقدّموا نموذجاً رائعاً من صحافة المواطن. لكن السؤال اليوم؛ إذا كان «داعش» من أعداء النظام السوري ومؤيديه، كما يزعمون، أين هي مبادراتهم الصحافية على الأرض في كشف وفضح «داعش»، أم أن صحافيي النظام وإعلامييه لا يراسلون إلا من على ظهر الدبابة، أو من قلب طائرة الهليوكابتر!؟
العودة إلى المدرسة
كان ينبغي أن يكون موسم العودة إلى المدرسة موسماً إعلامياً خاصاً بالنسبة للسوريين والفلسطينيين في غزة خصوصاً، فما لم تتمكن غزة من قوله تحت القصف بات يمكن قوله الآن. الحرب ليست قصفاً، أو عدد طلعات جوية، وصواريخ، وأعداداً مبهمة للضحايا. هي أولاً حرب على حكايات الناس وقصص عيشهم، وإذا كانت متعلقات الأطفال التي تبقى في أرض المعركة، تحت القصف وبين الأنقاض، تعتبر مؤثرات دعائية قوية بحيث أن هناك دائماً من استخدمها بشكل مفتعل، تماماً كما فعل النظام السوري حين أراد أن يسبغ على بعض التفجيرات بعداً أكثر تأثيراً فدسّ تلك المؤثرات بشكل متعمد في موقع التفجير، كما كشفت كاميرا لتلفزيون النظام نفسه ذات مرة، فإن من باب أولى أن يوظّف الضحايا قصصهم في شرح قضيتهم.
لو يروِي السوريون والفلسطينيون قصص موسم «العودة إلى المدرسة»، من عاد ومن لم يعد، وهل وجد الأطفال مدارسهم في الأساس، أي كتب يدرسون، ماذا يقول الأطفال عن رفاقهم الغائبين، أي أثر لغيابهم لدى أهليهم ومدرسيهم، ماذا عن المدارس في أماكن اللجوء، لغات الأطفال الجديدة؟!.. الخ.
الموسم الإعلامي لم ينقض بعد، وقصص السوريين والفلسطينيين كذلك.
«جيوبوليتيك» في «سوبر ماركت»
عماد فوزي الشعيبي، المحلل والسياسي والباحث الأكاديمي السوري، هو آخر ما يود الناس مشاهدته في الـ»سوبر ماركت». لقد حدث ذلك بالفعل في برنامج يحمل اسم «جيوبليتيك» على قناة «تلاقي» الفضائية السورية الخاصة، هذه التي أنشئت بعد الثورة السورية لتلافي المنع بحق زميلاتها، لتلتحق إلى ساحة المعركة صوتاً رديفاً ونصيراً لإعلام النظام.
الشعيبي، وهو هنا ليس مجرد ضيف بل مقدم البرنامج، ينزل الدرج الالكتروني لـ»السوبر ماركت» وهو يتحدث عن «نهج البلاغة» للإمام علي، الخليفة الرابع، (كرم الله وجهه)، وعن الفارق بين الوجدان السياسي والفعل السياسي، وعن آلة الحكم، وسواها من مصطلحات يصعب أن تصغي إليها وأنت في سوق. فكيف إذا جاءت على لسان الشعيبي، محلل النظام الفصيح الذي يصعب هضمه أينما حلّ. وما المحسنات التي أضافها معدو البرنامج سوى محاولة لقبوله.
لكن إحساساً ما يدفع إلى القول إن فريق البرنامج قد أجبر على استضافة الشعيبي، ولم يجد سبيلاً إلى التخفيف من ثقله إلا بالتشويش عليه. هنا استخدام البرنامج الدرج الالكتروني النازل (المعنى هنا ضروري)، مع عزف البيانو بلا انقطاع، والاحتفاظ بضجة المارة في السوق كمؤثر صوتي لا غنى عنه. مع كل ذلك، آخر ما يود الناس مشاهدته في السوق، وفي أي مكان: عماد فوزي الشعيبي.
٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى