كتّاب عرب: فن القصة هو الأكثر مقاومة لعوارض الأنواع الأدبية

حجم الخط
0

بغداد‭ ‬ـ‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭: ‬تتبادل‭ ‬الأجناس‭ ‬والأنواع‭ ‬الأدبية‭ ‬أدوارها،‭ ‬ففي‭ ‬وقت‭ ‬صعود‭ ‬جنس‭ ‬الشعر‭ ‬أهملت‭ ‬الأجناس‭ ‬الأخرى،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬فن‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة‭ ‬ظل‭ ‬موازياً‭ ‬للشعر‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تداخلت‭ ‬الفنون‭ ‬الإبداعية‭ ‬على‭ ‬إثر‭ ‬كتاب‭ ‬جينيت‭ ‬‮«‬مدخل‭ ‬لجامع‭ ‬النص‮»‬،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬طويلاً‭ ‬بعد‭ ‬ماراثون‭ ‬كتابة‭ ‬الرواية،‭ ‬لتكون‭ ‬هي‭ ‬النوع‭ ‬الأكثر‭ ‬إنتاجاً‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬كتَّاب‭ ‬القصة؛‭ ‬رغم‭ ‬انتقال‭ ‬أغلبهم‭ ‬لكتابة‭ ‬الرواية،‭ ‬بدأوا‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬بالعودة‭ ‬لهذا‭ ‬الفن،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬حصول‭ ‬القاصة‭ ‬إليس‭ ‬مونروا‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للآداب‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الملتقى‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬الكويت،‭ ‬وبالتعاون‭ ‬مع‭ ‬الجامعة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لإطلاق‭ ‬جائزة‭ (‬الملتقى‭) ‬للقصة‭ ‬القصيرة،‭ ‬التي‭ ‬وسموها‭ ‬بالعالمية‭ ‬اقتداءً‭ ‬بالبوكر‭.‬

بعد‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬ازدهاراً‭ ‬جديداً‭ ‬لهذا‭ ‬الفن؟‭ ‬وهل‭ ‬سنرى‭ ‬تقنيات‭ ‬مغايرة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تلفت‭ ‬الأنظار‭ ‬لها‭ ‬بعد‭ ‬إهمالها‭ ‬مقابل‭ ‬فنون‭ ‬سردية‭ ‬أخرى؟

القاص‭ ‬يتجدد

القاص‭ ‬الأردني‭ ‬محمود‭ ‬الريماوي‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬فن‭ ‬القصة‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬على‭ ‬قدرٍ‭ ‬من‭ ‬الازدهار‭. ‬لكنه‭ ‬يصطدم‭ ‬بضعف‭ ‬إقبال‭ ‬دور‭ ‬النشر‭ ‬على‭ ‬إصدار‭ ‬كتب‭ ‬قصصية،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أصاب‭ ‬مقروئية‭ ‬القصة‭ ‬من‭ ‬انخفاض،‭ ‬نتيجة‭ ‬الاهتمام‭ ‬الطاغي‭ ‬بفن‭ ‬الرواية،‭ ‬والاهتمام‭ ‬الأخير‭ ‬تشارك‭ ‬فيه‭ ‬مؤسسات‭ ‬ثقافية،‭ ‬ونقاد‭ (‬رغم‭ ‬قلة‭ ‬عددهم‭) ‬ومحررون‭ ‬ثقافيون،‭ ‬وأحياناً‭ ‬نوادٍ‭ ‬اجتماعية‭. ‬ويضيف‭ ‬الريماوي‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬مواهب‭ ‬جديدة‭ ‬تتفتح،‭ ‬وقاصين‭ ‬متمرسين‭ ‬يواصلون‭ ‬الإبداع‭ ‬القصصي‭ ‬وبوتائر‭ ‬مختلفة‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬احتسابه‭ ‬فوضى‭ ‬النشر‭ ‬التي‭ ‬أتاحتها‭ ‬الشبكة‭ ‬العنكبوتية،‭ ‬وغياب‭ ‬ملحوظ‭ ‬لدور‭ ‬النقاد،‭ ‬وهي‭ ‬ظاهرة‭ ‬بدأت‭ ‬واستشرت‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة‭. ‬وهناك‭ ‬انكفاء‭ ‬الاهتمام‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بلد‭ ‬على‭ ‬منتوجه‭ ‬الخاص‭ ‬به‭.‬

أما‭ ‬عن‭ ‬التقنيات‭ ‬الجديدة،‭ ‬فيشير‭ ‬الريماوي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الباب‭ ‬مفتوح‭ ‬دائماً‭ ‬للتجديد‭ ‬والإضافة،‭ ‬والأمر‭ ‬ليس‭ ‬مرهوناً‭ ‬بظرف‭ ‬طارئ‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬شاعت‭ ‬دعايات‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬نقدي‭ ‬تمجّد‭ ‬نمط‭ ‬الأقصوصة‭ ‬‮«‬القصة‭ ‬القصيرة‭ ‬جداً‮»‬‭ ‬وكأن‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬أو‭ ‬اللون‭ ‬سيكون‭ ‬بديلاً‭ ‬ووريثاً‭ ‬للقصة‭ ‬بحجمها‭ ‬المعهود،‭ ‬والحصيلة‭ ‬كانت‭ ‬استسهال‭ ‬الكتابة،‭ ‬والتسابق‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬بدا‭ ‬‮«‬موضة‭ ‬حديثة‮»‬‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬ظهور‭ ‬مواهب‭ ‬قليلة‭ ‬في‭ ‬المحصلة‭.‬

مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬الشكلانية؛‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬تقليدية‭ ‬أو‭ ‬محدثة،‭ ‬عمرها‭ ‬قصير،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التقنيات‭ ‬الجديدة‭ ‬تتفتح‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬المبدعين‭ ‬بدون‭ ‬وصفات‭ ‬مسبقة‭ ‬وكليشيهات‭ ‬جاهزة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬معترك‭ ‬التجربة‭ ‬ومعمعانها‭. ‬فالحداثة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الأمر‭ ‬هي‭ ‬حرية‭ ‬المبدع،‭ ‬وهي‭ ‬المرونة‭ ‬الفائقة‭ ‬التي‭ ‬يتمتع‭ ‬بها‭. ‬وحجم‭ ‬القصة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬معياراً‭ ‬للحكم‭ ‬عليها‭.‬

فضائل‭ ‬الاستغناء

في‭ ‬حين‭ ‬يبين‭ ‬القاص‭ ‬المغربي‭ ‬أنيس‭ ‬الرافعي‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الجزم‭ ‬بإمكانية‭ ‬عودة‭ ‬التوهج‭ ‬والألق‭ ‬السريعين‭ ‬للفن‭ ‬القصصي،‭ ‬بفعل‭ ‬ظهور‭ ‬جائزة‭ ‬عربية‭ ‬أو‭ ‬عالمية،‭ ‬إذ‭ ‬ثمة‭ ‬معطيات‭ ‬أخرى‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬وطيدة‭ ‬بارتقاء‭ ‬واندحار‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل‭. ‬كما‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬نغفل‭ ‬خصوصية‭ ‬الجنس‭ ‬القصصي‭ ‬نفسه،‭ ‬وطبيعة‭ ‬مرجعياته‭ ‬الوجودية‭ ‬والفلسفية‭ ‬والجمالية،‭ ‬التي‭ ‬تجعله‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬وحدته‭ ‬ويمجد‭ ‬عزلته‭. ‬يعاند‭ ‬الظهور‭ ‬ويبتعد‭ ‬ما‭ ‬أمكن‭ ‬عن‭ ‬مساقط‭ ‬الضوء‭. ‬فالقصة‭ ‬القصيرة‭ ‬تحصّنت‭ ‬دائماً‭ ‬بفضائل‭ ‬الاستغناء،‭ ‬وتأبّت‭ ‬على‭ ‬التسليع‭ ‬أو‭ ‬التسويق‭. ‬‮«‬صحيح،‭ ‬أنها‭ ‬لاحت‭ ‬شاحبة‭ ‬وفاقدة‭ ‬للزهو‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬بل‭ ‬الأدهى‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬وصمت‭ ‬بكونها‭ ‬يائسة‭ ‬وخاملة‭ ‬ومظلومة‭ ‬ومغبونة‭ ‬ومهمشة‭ ‬ومقصية‭ ‬وكاسدة‭ ‬ومكسورة‭ ‬الخاطر،‭ ‬لكن‭ ‬أليست‭ ‬صورة‭ ‬الضحية‭ ‬هاته‭ ‬جزءاً‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬مازوشية‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة،‭ ‬التي‭ ‬تحتّم‭ ‬على‭ ‬عشاقها‭ ‬ممارستها‭ ‬مثل‭ ‬عقيدة‭ ‬منبوذة،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانوا‭ ‬ينتمون‭ ‬إلى‭ ‬سلالة‭ ‬ملعونة‭ ‬أو‭ ‬أقلية‭ ‬أدبية‮»‬‭. ‬ويوضح‭ ‬الرافعي‭ ‬أن‭ ‬الجوائز‭ ‬تخلق‭ ‬‮«‬الحالة‭ ‬القصصية‮»‬‭ ‬فقط،‭ ‬وما‭ ‬يحف‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬ذيوع‭ ‬إعلامي‭ ‬واهتمام‭ ‬دور‭ ‬النشر،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يعتقد‭ ‬أنها‭ ‬كفيلة‭ ‬بإعادة‭ ‬الروح‭ ‬لطفلة‭ ‬الأدب‭ ‬المشاغبة‭ ‬مثلما‭ ‬كان‭ ‬الشأن‭ ‬في‭ ‬فترتها‭ ‬الذهبية‭ ‬خلال‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬المنصرم‭.‬

ويضيف‭: ‬طبعاً،‭ ‬الفن‭ ‬القصصي‭ ‬يحبل‭ ‬دائماً‭ ‬بالجديد،‭ ‬إذ‭ ‬توجد‭ ‬طرق‭ ‬محدودة‭ ‬لكتابة‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة‭ ‬وفق‭ ‬سلم‭ ‬أنطولوجي‭ ‬وضعه‭ ‬أساتذة‭ ‬هذا‭ ‬الفن،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬الأساليب‭ ‬لا‭ ‬حصر‭ ‬لها‭. ‬أملي‭ ‬أن‭ ‬تساهم‭ ‬الجوائز‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬مؤخرا،‭ ‬في‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬المواهب‭ ‬الرفيعة‭ ‬لكتاب‭ ‬القصة‭ ‬العربية‭ ‬القصيرة،‭ ‬وأن‭ ‬تسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الكدح‭ ‬السردي‭ ‬المتميز‭ ‬الذي‭ ‬مارسوه‭ ‬في‭ ‬خفاء‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬إيمانهم‭ ‬بالإخلاص‭ ‬لحيز‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة‭. ‬من‭ ‬دون‭ ‬شك‭ ‬الجائزة‭ ‬ستميط‭ ‬اللثام‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬هذا،‭ ‬وستساهم‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬جودة‭ ‬النسل‭ ‬القصصيّ‭.‬

الإخلاص‭ ‬للقصة

الكاتبة‭ ‬العراقية‭ ‬منال‭ ‬الشيخ‭ ‬تعد‭ ‬الانتباه‭ ‬للقصة‭ ‬القصيرة‭ ‬أمراً‭ ‬رائعاً‭. ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬أيضاً‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬المؤسف‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الجنس‭ ‬الأدبي‭ ‬توارى‭ ‬في‭ ‬الظل‭ ‬أمام‭ ‬سطوة‭ ‬الرواية‭ ‬والشعر‭. ‬مع‭ ‬أن‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬من‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭ ‬الراقية‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬بل‭ ‬تكاد‭ ‬أهميتها‭ ‬تضاهي‭ ‬أهمية‭ ‬الرواية‭. ‬بسبب‭ ‬توجه‭ ‬معظم‭ ‬الكتاب‭ ‬إلى‭ ‬الشعر‭ ‬والرواية‭ ‬مؤخراً‭ ‬متتبعين‭ ‬الذوق‭ ‬القرائي‭ ‬وسوق‭ ‬المبيعات‭ ‬والجوائز،‭ ‬فقد‭ ‬بتنا‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬كتاباً‭ ‬حقيقيين‭ ‬لهذا‭ ‬الجنس‭ ‬الأدبي،‭ ‬عدا‭ ‬أسماء‭ ‬قليلة‭ ‬ظلت‭ ‬مخلصة‭ ‬له‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬كتابته‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر،‭ ‬كاستراحة‭ ‬من‭ ‬كتابة‭ ‬الرواية‭.‬

‮«‬دور‭ ‬الجوائز‭ ‬كما‭ ‬نعرف‭ ‬هو‭ ‬وسيط‭ ‬مساعد‭ ‬لتسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬وإيصاله‭ ‬لأكبر‭ ‬شريحة‭ ‬من‭ ‬القراء،‭ ‬وهذا‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬أمر‭ ‬جيد‭ ‬يتمناه‭ ‬أي‭ ‬كاتب‭ ‬إبداع،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬عامل‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬اجتهاد‭ ‬الكاتب‭ ‬باستخدام‭ ‬تقنيات‭ ‬جديدة‭ ‬للكتابة،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬أظن‭ ‬أنها‭ ‬ستطور‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬الكاتب‭ ‬على‭ ‬تفهم‭ ‬هذا‭ ‬الجنس‭ ‬الأدبي‭ ‬الخاص‮»‬‭. ‬مبيّنةً‭ ‬أن‭ ‬الموهبة‭ ‬هي‭ ‬الدافع‭ ‬الأول‭ ‬لذلك‭ ‬والرغبة‭ ‬الملحة‭ ‬لكتابته،‭ ‬ومع‭ ‬افتقار‭ ‬موهبة‭ ‬القص‭ ‬لا‭ ‬تعتقد‭ ‬الشيخ‭ ‬أن‭ ‬الجائزة‭ ‬ستولد‭ ‬لديه‭ ‬الاجتهاد‭. ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تشجع‭ ‬وظل‭ ‬يكتب‭ ‬سيحس‭ ‬القارئ‭ ‬بفطنته‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬مكتوب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الجائزة‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬فن‭ ‬القصة‭. ‬

وتتمنى‭ ‬الشيخ‭ ‬أن‭ ‬يستمر‭ ‬القاصون‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬بدون‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الجائزة‭ ‬لديمومة‭ ‬هذا‭ ‬الفن،‭ ‬ولا‭ ‬بأس‭ ‬بالتفكير‭ ‬بها‭ ‬بعد‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬المشروع‭.‬‭ ‬لأننا‭ ‬بذلك‭ ‬سنحافظ‭ ‬على‭ ‬إخلاصنا‭ ‬لهذا‭ ‬الفن‭ ‬الإبداعي‭ ‬الجميل‭ ‬الذي‭ ‬يمنحك‭ ‬مساحة‭ ‬مغايرة‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬طوي‭ ‬الحكايات‭ ‬من‭ ‬زوايا‭ ‬تختلف‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬الرواية‭.‬

القاص‭ ‬المغربي‭ ‬مصطفى‭ ‬النفيسي‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬مسار‭ ‬الكلمات‭ ‬يتعرج‭ ‬حينما‭ ‬يريد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬القصة،‭ ‬يصبح‭ ‬حلزونياً‭ ‬ومليئاً‭ ‬بالنتوءات‭ ‬المليئة‭ ‬بصهيل‭ ‬الريح‭. ‬يصبح‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬عصيا‭ ‬إذن‭ ‬كالقدوم‭ ‬الأول‭ ‬إلى‭ ‬الحياة؛‭ ‬دهشة‭ ‬وآلاما‭. ‬القصة‭ ‬هي‭ ‬الحياة‭ ‬بشكل‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬أردنا‭ ‬تجاوز‭ ‬ارتباكات‭ ‬اليومي‭ ‬ونشاز‭ ‬نعيق‭ ‬البوم‭ ‬عندما‭ ‬يشتد‭ ‬الازدحام‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬القلق‭ ‬والارتياب‭. ‬القصة‭ ‬تتكفل‭ ‬بسد‭ ‬فراغات‭ ‬وجود‭ ‬هش‭ ‬وشفط‭ ‬دهون‭ ‬عالم‭ ‬تكبر‭ ‬وحشيته‭ ‬مثلما‭ ‬تكبر‭ ‬براعم‭ ‬الغيم‭ ‬في‭ ‬أبريل‭. ‬القاص‭ ‬يكتب‭ ‬ليحصن‭ ‬نفسه‭ ‬بمتاريس‭ ‬الانزياحات‭ ‬والمجاز‭. ‬يكتب‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬غنيمة‭ ‬سائغة‭ ‬لمصاصي‭ ‬الدماء‭ ‬المعاصرين‭. ‬إنه‭ ‬يكتب‭ ‬ليجعل‭ ‬تلابيب‭ ‬أحلامه‭ ‬محصنة‭ ‬في‭ ‬نصوص‭ ‬بحجم‭ ‬الزنابق‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬جارنا‭ ‬المسيجة‭ ‬بإحكام‭.‬

ويتساءل‭ ‬النفيسي‭: ‬هل‭ ‬يكتب‭ ‬القاص‭ ‬ليحول‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬جثة‭ ‬تتجول‭ ‬في‭ ‬ثنايا‭ ‬نصوصه‭ ‬متكبداً‭ ‬الانتظارات‭ ‬العسيرة‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬المرور‭ ‬في‭ ‬مفازات‭ ‬الكرانيت؟‭ ‬هل‭ ‬يكتب‭ ‬القاص‭ ‬كي‭ ‬يبقى‭ ‬وحيداً‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬خبر‭ ‬نعيه؟‭ ‬هل‭ ‬يدبج‭ ‬نصوصه‭ ‬ليخلع‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬نياشين‭ ‬الخيبة؟‭ ‬ويجيب‭ ‬عن‭ ‬أسئلته‭ ‬هذه‭: ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الادعاء‭ ‬بأن‭ ‬القاص‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يفشي‭ ‬أسراره‭ ‬على‭ ‬رؤوس‭ ‬الملأ‭. ‬فقصصه‭ ‬هي‭ ‬تعبيرات‭ ‬وجهه‭ ‬وبطاقة‭ ‬هويته‭ ‬الأثيرة‭ ‬لديه،‭ ‬التي‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬بسرعة‭ ‬للآخرين،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬تهمته‭ ‬التي‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يضبط‭ ‬متلبساً‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ترجلاته‭ ‬عن‭ ‬الصمت‭ ‬وفي‭ ‬أسفاره‭ ‬العاجلة‭ ‬نحو‭ ‬غابة‭ ‬الكتابة،‭ ‬حيث‭ ‬يختبئ‭ ‬مخفياً‭ ‬خفقات‭ ‬قلبه‭ ‬داخل‭ ‬حياة‭ ‬أشبه‭ ‬بباذنجان‭ ‬شتوي‭. ‬‮«‬إذا‭ ‬أردنا‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭: ‬هل‭ ‬يسعى‭ ‬القاص‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬كسب‭ ‬الاعتراف‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يزرر‭ ‬قمصان‭ ‬قصصه‭ ‬بجوائز‭ ‬تجعله‭ ‬أكثر‭ ‬تداولا‭ ‬وأكثر‭ ‬انتشاراً؟‭ ‬هل‭ ‬الجوائز‭ ‬منصفة‭ ‬لعطاءات‭ ‬القاص؟‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬لهاته‭ ‬الجوائز‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬الاخضرار‭ ‬لشجرة‭ ‬القصة؟‮»‬‭.‬

وينهي‭ ‬النفيسي‭ ‬كلامه‭ ‬قائلاً‭: ‬ما‭ ‬يعانيه‭ ‬القاص‭ ‬هو‭ ‬صعوبة‭ ‬الانتشار‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬يعير‭ ‬أي‭ ‬اهتمام‭ ‬للكتاب‭ ‬والكتابة‭. ‬لذلك‭ ‬فأن‭ ‬يسعى‭ ‬القاص‭ ‬إلى‭ ‬نشر‭ ‬نصوصه‭ ‬فهو‭ ‬بمثابة‭ ‬توجه‭ ‬نحو‭ ‬الظهور‭. ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬الجوائز‭ ‬هي‭ ‬أقصى‭ ‬ما‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬عليه‭ ‬القاص؟

صفاء‭ ‬ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية