بغداد ـ «القدس العربي»: تتبادل الأجناس والأنواع الأدبية أدوارها، ففي وقت صعود جنس الشعر أهملت الأجناس الأخرى، غير أن فن القصة القصيرة ظل موازياً للشعر بعد أن تداخلت الفنون الإبداعية على إثر كتاب جينيت «مدخل لجامع النص»، إلا أن هذا الأمر لم يبق طويلاً بعد ماراثون كتابة الرواية، لتكون هي النوع الأكثر إنتاجاً.
غير أن كتَّاب القصة؛ رغم انتقال أغلبهم لكتابة الرواية، بدأوا مرة أخرى بالعودة لهذا الفن، خصوصاً بعد حصول القاصة إليس مونروا على جائزة نوبل للآداب. وهو ما دفع الملتقى الثقافي في الكويت، وبالتعاون مع الجامعة الأمريكية لإطلاق جائزة (الملتقى) للقصة القصيرة، التي وسموها بالعالمية اقتداءً بالبوكر.
بعد هذه التحولات، هل يمكن أن نرى ازدهاراً جديداً لهذا الفن؟ وهل سنرى تقنيات مغايرة يمكن أن تلفت الأنظار لها بعد إهمالها مقابل فنون سردية أخرى؟
القاص يتجدد
القاص الأردني محمود الريماوي يعتقد أن فن القصة في عالمنا العربي ما زال على قدرٍ من الازدهار. لكنه يصطدم بضعف إقبال دور النشر على إصدار كتب قصصية، علاوة على ما أصاب مقروئية القصة من انخفاض، نتيجة الاهتمام الطاغي بفن الرواية، والاهتمام الأخير تشارك فيه مؤسسات ثقافية، ونقاد (رغم قلة عددهم) ومحررون ثقافيون، وأحياناً نوادٍ اجتماعية. ويضيف الريماوي أن ثمة مواهب جديدة تتفتح، وقاصين متمرسين يواصلون الإبداع القصصي وبوتائر مختلفة. بيد أن المشكلة تكمن في ما يمكن احتسابه فوضى النشر التي أتاحتها الشبكة العنكبوتية، وغياب ملحوظ لدور النقاد، وهي ظاهرة بدأت واستشرت منذ مطلع الألفية الثالثة. وهناك انكفاء الاهتمام في كل بلد على منتوجه الخاص به.
أما عن التقنيات الجديدة، فيشير الريماوي إلى أن الباب مفتوح دائماً للتجديد والإضافة، والأمر ليس مرهوناً بظرف طارئ. على سبيل المثال شاعت دعايات ذات طابع نقدي تمجّد نمط الأقصوصة «القصة القصيرة جداً» وكأن هذا النمط أو اللون سيكون بديلاً ووريثاً للقصة بحجمها المعهود، والحصيلة كانت استسهال الكتابة، والتسابق نحو ما بدا «موضة حديثة» ما أدى إلى ظهور مواهب قليلة في المحصلة.
مؤكداً أن الشكلانية؛ سواء كانت تقليدية أو محدثة، عمرها قصير، كما أن التقنيات الجديدة تتفتح على أيدي المبدعين بدون وصفات مسبقة وكليشيهات جاهزة، بل في معترك التجربة ومعمعانها. فالحداثة في نهاية الأمر هي حرية المبدع، وهي المرونة الفائقة التي يتمتع بها. وحجم القصة لا يمكن أن يكون معياراً للحكم عليها.
فضائل الاستغناء
في حين يبين القاص المغربي أنيس الرافعي أنه لا يمكن الجزم بإمكانية عودة التوهج والألق السريعين للفن القصصي، بفعل ظهور جائزة عربية أو عالمية، إذ ثمة معطيات أخرى ذات صلة وطيدة بارتقاء واندحار الأجناس الأدبية هي التي تتحكم في أمر من هذا القبيل. كما يجب ألا نغفل خصوصية الجنس القصصي نفسه، وطبيعة مرجعياته الوجودية والفلسفية والجمالية، التي تجعله يحرص على وحدته ويمجد عزلته. يعاند الظهور ويبتعد ما أمكن عن مساقط الضوء. فالقصة القصيرة تحصّنت دائماً بفضائل الاستغناء، وتأبّت على التسليع أو التسويق. «صحيح، أنها لاحت شاحبة وفاقدة للزهو خلال العقود الأخيرة، بل الأدهى من هذا وصمت بكونها يائسة وخاملة ومظلومة ومغبونة ومهمشة ومقصية وكاسدة ومكسورة الخاطر، لكن أليست صورة الضحية هاته جزءاً لا يتجزأ من مازوشية القصة القصيرة، التي تحتّم على عشاقها ممارستها مثل عقيدة منبوذة، كما لو كانوا ينتمون إلى سلالة ملعونة أو أقلية أدبية». ويوضح الرافعي أن الجوائز تخلق «الحالة القصصية» فقط، وما يحف بها من ذيوع إعلامي واهتمام دور النشر، لكنه لا يعتقد أنها كفيلة بإعادة الروح لطفلة الأدب المشاغبة مثلما كان الشأن في فترتها الذهبية خلال ستينيات القرن المنصرم.
ويضيف: طبعاً، الفن القصصي يحبل دائماً بالجديد، إذ توجد طرق محدودة لكتابة القصة القصيرة وفق سلم أنطولوجي وضعه أساتذة هذا الفن، لكن في المقابل الأساليب لا حصر لها. أملي أن تساهم الجوائز التي ظهرت مؤخرا، في الكشف عن المواهب الرفيعة لكتاب القصة العربية القصيرة، وأن تسلط الضوء على الكدح السردي المتميز الذي مارسوه في خفاء من فرط إيمانهم بالإخلاص لحيز القصة القصيرة. من دون شك الجائزة ستميط اللثام عن كل هذا، وستساهم في تحسين جودة النسل القصصيّ.
الإخلاص للقصة
الكاتبة العراقية منال الشيخ تعد الانتباه للقصة القصيرة أمراً رائعاً. غير أنها أيضاً ترى أن من المؤسف أن هذا الجنس الأدبي توارى في الظل أمام سطوة الرواية والشعر. مع أن القصة القصيرة ما زالت من الأجناس الأدبية الراقية في الغرب، بل تكاد أهميتها تضاهي أهمية الرواية. بسبب توجه معظم الكتاب إلى الشعر والرواية مؤخراً متتبعين الذوق القرائي وسوق المبيعات والجوائز، فقد بتنا لا نعرف كتاباً حقيقيين لهذا الجنس الأدبي، عدا أسماء قليلة ظلت مخلصة له تعود إلى كتابته بين الحين والآخر، كاستراحة من كتابة الرواية.
«دور الجوائز كما نعرف هو وسيط مساعد لتسليط الضوء على العمل وإيصاله لأكبر شريحة من القراء، وهذا بحد ذاته أمر جيد يتمناه أي كاتب إبداع، ولكن لا أعتقد أنه عامل أساسي في اجتهاد الكاتب باستخدام تقنيات جديدة للكتابة، كما لا أظن أنها ستطور من قدرة الكاتب على تفهم هذا الجنس الأدبي الخاص». مبيّنةً أن الموهبة هي الدافع الأول لذلك والرغبة الملحة لكتابته، ومع افتقار موهبة القص لا تعتقد الشيخ أن الجائزة ستولد لديه الاجتهاد. حتى لو تشجع وظل يكتب سيحس القارئ بفطنته أن العمل مكتوب من أجل الجائزة وليس من أجل فن القصة.
وتتمنى الشيخ أن يستمر القاصون في الكتابة بدون التفكير في الجائزة لديمومة هذا الفن، ولا بأس بالتفكير بها بعد الانتهاء من المشروع. لأننا بذلك سنحافظ على إخلاصنا لهذا الفن الإبداعي الجميل الذي يمنحك مساحة مغايرة جداً في طوي الحكايات من زوايا تختلف تماماً عن الرواية.
القاص المغربي مصطفى النفيسي يرى أن مسار الكلمات يتعرج حينما يريد الحديث عن القصة، يصبح حلزونياً ومليئاً بالنتوءات المليئة بصهيل الريح. يصبح هذا الكلام عصيا إذن كالقدوم الأول إلى الحياة؛ دهشة وآلاما. القصة هي الحياة بشكل ما إذا أردنا تجاوز ارتباكات اليومي ونشاز نعيق البوم عندما يشتد الازدحام في ساحات القلق والارتياب. القصة تتكفل بسد فراغات وجود هش وشفط دهون عالم تكبر وحشيته مثلما تكبر براعم الغيم في أبريل. القاص يكتب ليحصن نفسه بمتاريس الانزياحات والمجاز. يكتب كي لا يصبح غنيمة سائغة لمصاصي الدماء المعاصرين. إنه يكتب ليجعل تلابيب أحلامه محصنة في نصوص بحجم الزنابق في حديقة جارنا المسيجة بإحكام.
ويتساءل النفيسي: هل يكتب القاص ليحول نفسه إلى جثة تتجول في ثنايا نصوصه متكبداً الانتظارات العسيرة التي تشبه المرور في مفازات الكرانيت؟ هل يكتب القاص كي يبقى وحيداً في انتظار خبر نعيه؟ هل يدبج نصوصه ليخلع على نفسه نياشين الخيبة؟ ويجيب عن أسئلته هذه: لا يمكن الادعاء بأن القاص لا يريد أن يفشي أسراره على رؤوس الملأ. فقصصه هي تعبيرات وجهه وبطاقة هويته الأثيرة لديه، التي يريد أن تصل بسرعة للآخرين، بل هي تهمته التي يريد أن يضبط متلبساً بها في كل ترجلاته عن الصمت وفي أسفاره العاجلة نحو غابة الكتابة، حيث يختبئ مخفياً خفقات قلبه داخل حياة أشبه بباذنجان شتوي. «إذا أردنا أن نكون أكثر وضوحاً: هل يسعى القاص فقط إلى كسب الاعتراف أم أنه يريد أن يزرر قمصان قصصه بجوائز تجعله أكثر تداولا وأكثر انتشاراً؟ هل الجوائز منصفة لعطاءات القاص؟ هل يمكن لهاته الجوائز أن تعيد الاخضرار لشجرة القصة؟».
وينهي النفيسي كلامه قائلاً: ما يعانيه القاص هو صعوبة الانتشار في عالم لا يعير أي اهتمام للكتاب والكتابة. لذلك فأن يسعى القاص إلى نشر نصوصه فهو بمثابة توجه نحو الظهور. ولكن هل الجوائز هي أقصى ما يريد أن يحصل عليه القاص؟
صفاء ذياب