كثرة أهل الأدب في تونس وقلّة أدب أصحابِ السلطة

حجم الخط
1

تونس ـ «القدس العربي» عبدالدائم السلامي «جاء وزير الثقافة»، «قال وزير الثقافة»، «أمضى وزير الثقافة»، «أوصى وزير الثقافة»، «ذهب وزير الثقافة»؛ هذه هي دائرة الأفعال التي تتصرّف مع كلّ وزير ثقافة في تونس، أمّا بقيّة أفعال اللغة العربية فلا تتصرَّف إلاّ مع بِطانةِ هذه الوزارة (من البَوَّاب إلى صاحب الجَنابِ) الذين وُجدوا بها قبل أن يولَدَ الشعب التونسيّ، وما يزالون إلى الآن فاعلين فيها أفعالاً حُرّةً؛ يتحكّمون في دواليبها الأدبية والفنية سِرًّا وعلانيّةً، من دون أن يمسَّ مناصبَهم تغييرٌ أو تبديلٌ رغم ما عرفته تونس من تغييرٍ لوزراء الثقافة وتبديلٍ لألوانهم الحزبية (ستة وزراء ثقافة في ستّ سنوات)، ومن دون أن تُصِيبَهم آلامُ العُصْعُصِ لكثرة جلوسهم على الكراسي التي نبتوا فوقها فنبتت فيهم.
والغريب في أمر هؤلاء أنه لم يشملهم قانونُ الإحالة على المعاش، ذاك الذي تسمّيه إداراتُنا الحكومية «قانون الإحالة على شرف المهنة»، وهي تسمية تُنبئُ بسوءِ نيّةِ الدولة إزاء مُوَظَّفيها، حيث لا ترى فيهم خلال فترة عملهم سوى مجموعة حُقراء، فلا يبلغ الواحد منهم مرتبة الشرف إلا بعد أن تُحيلَه وجوبًا على المعاش، ويكون حينها كثيرَ المعاطِبِ النفسية والجسدية والاجتماعية، فلا يتمتّع بفَيْءِ شَرَفِه إلا لفترة وجيزة ثم يترك الدنيا.
وهذه الصورة تصدق وتلخّص حالَ المبدع التونسيّ الآن، حيث يدخل الدنيا ممتلئا «بأحلام الصبايا» على حدّ عبارة الراحل أولاد أحمد ليخرج منها أعْرَى مِن حيَّةٍ، وبين فعليْ الدخول والخروج يعيش فترة تهميش ممنهج عمادُه التجويعُ والإقصاءُ والإهمالُ والنسيانُ. ولعلّ من أجلى صور هذا الواقع ما عاشه الشاعر رضا الجلالي الذي مات في العراء، وما يعيشه الآن الشاعر رحيّم الجماعي الذي أصدر خمسة كتب شعرية ولا يملك بيتًا يُؤوي إليه ابنتَه الوحيدةَ، ولا موردَ رزق يضمن به كرامته الاجتماعية ويحمي جسده من الهُزال، ويصون يدَه عن السُّؤال. وهو الأمر الذي دفعه إلى أن يضحّي بجسده من أجل حماية فكره، فدخل في إضراب جوع أمام مقرّ وزارة الثقافة تعبيرًا منه عن فقدانه الثقةَ في كلّ مسؤول ثقافي طيلة ربع قرن من ممارسته الكتابةِ.
وقد اتصلت «القدس العربي» بالشاعر رحيّم الجماعي حول هذه المسألة فأفادها بأنّ إضراب الجوع وجد صدًى لدى وزير الثقافة الجديد محمد زين العابدين (وهو الذي صدرت في شأنه عريضة أمضاها مجموعة من المثقّفين التونسيّين رافضين توزيره بوصفه «كان من بين أبواق البروباغندا الفكرية للرئيس بن علي من خلال كتاباته ومحاضراته»)، حيث زاره في بيته وأعلمه بأنه جاء إلى وزارة الثقافة ليرفع الظلم عن الكُتّاب والفنانين ويمنع إهانتَهم، ووعده بتمكينه من «منحة كاتب» ونشر مخطوطات كتبه الشعرية الثمانية عشر.
وإذا أردنا توصيف حال المشهد الثقافي التونسي ـ من دون تجنٍّ منّا ـ قلنا إنه يتوزّع على فئتيْن من المبدعين: فئة أولى كُبرى تضمّ عددا كبيرا من أدباء تونس وفنانيها، وهم الشباب الذين يقودون الآن مسيرة الإبداع بعزيمة صادقة على حفر صخرة واقعهم الاجتماعي ليتفجّر منها ماء الكتابة والفنّ، ولا ينالون من جهدهم الفكريّ إلا التبخيسَ من قبل وزارة الثقافة ومؤسّساتها التي لا يعنيها من الأدب إلا خدمة قليلي الأدب فيها. وفئة ثانية صغرى تضمّ المُكرَّسين من الكتّاب والفنّانين والجامعيّين الذين نسجوا علاقات خاصة ببطانة وزارة الثقافة، فشبعوا من أموال الشعب التونسيّ، وما يزال بهم جوعٌ كافرٌ إلى الأوسمة والتشريفات والسفرات والجوائز والمشاركة في الندوات المحلية والخارجية رغم انقطاع إنتاجهم الإبداعيّ منذ زمن بعيد. فلا تراهم إلا في الصفوف الأولى في كل مناسبة ثقافية يبتسمون ابتساماتهم الصفراء ويقبضون من تحت الطاولة امتيازات ويحصلون على صفقات لا يعلم تفاصيلَها الوزير ذاته وإنما تعلمُها بِطانتُه (ولعلّ من أمثلة ذلك ما قيل عن وجود شبهة فساد في صفقة إنجاز تمثال الشاعر أولاد أحمد). وفيما عدا تكفّل وزير الثقافة الجديد برفع المظلمة عن الشاعر رحيّم الجماعي، وهو إنجاز ربّما يؤشّر في حال تَحَقُّقِه على تحوّل نوعي في التعاطي التونسي مع الشأن الثقافي، فلا أحد من أصحاب وزارة الثقافة يستطيع إنكارَ فشل دورات معرض الكتاب السابقة التي تُهدى فيها الإدارة وَفْقَ قانون «شُوفْ الوُجوه وفَرِّقِ اللحمَ»، حيث حوّلها مُديروها إلى «عرس عائلي» يدعون إليه أصدقاءهم التونسيّين والأجانب ممّن يُجيدون الرّقص الثقافي وآلية «بيزنس إذ بيزنس. ولا يقدر واحد منهم على القول بنجاح مهرجان قرطاج الغنائي أو السينمائي، أو ادّعاء الإحاطة بالكاتب التونسي وتمكينه من حقوقه الوطنية وتسهيل حركته الثقافية، بل إني أزعم أنّهم لا يعترفون أصلا بالمنجز الثقافي التونسيّ، ويسعون إلى تقزيمه. يحدث كلّ هذا من دون أن يقدر وزير من وزراء الثقافة على وضع حدٍّ لصنوف الظلم التي ترقى في كثير من حالاتها إلى مراقي الجريمة الوطنية، بل قُلْ إلى مراقي الإرهاب الثقافي. ألا يُعدُّ جريمةً أن تتخلّى الوزارة عن دعم الكتابِ الثقافي التونسي دعما محتَرَمًا يقي صاحبَه من اللجوء إلى دور النشر الخاصة التي تمتصّ دمَه من دون رادع تشريعيّ يحمي حقوق التأليف والنشر؟ أليس من الجريمة ألاَّ تحتضن وزارة الثقافة مجموعات موسيقية شبابية لم تجد من فضاءٍ لعزف موسيقاها سوى أرصفة الشوارع على غرار مجموعة «الفنُّ سلاح» التي اعتقل الأمن أفرادها ومنعهم من العزف في شوارع العاصمة؟ هل يعود هذا الأمر إلى ضعف الوزير، ومن ثمة إلى ضعف الدولة التونسية الثورية التي أعلن رئيس حكومتها الجديد مبدأ محاربة الفساد؟ هل هو نتاج زهدِ المثقّفين في الدنيا وانشغالهم بإبداعاتهم؟ ألا يؤثّر هذا الوضع في صورة المنتج الثقافي التونسيّ وقيمته الفنية في الداخل والخارج؟ الأسئلة المتصلة بإهانة الثقافة التونسية كثيرة وباقية، والإجابات عنها ليست سوى وعود قليلة الرُّعود ووقتية دائما.

كثرة أهل الأدب في تونس وقلّة أدب أصحابِ السلطة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية