في أولى رحلات الجسر الجوي المخصص لإجلاء الرعايا المصريين من ليبيا فوجئ الصحافيون التونسيون الذين قدموا إلى مطار جربة بموقف مسؤول مصري، أصر على منع المرحلين من الإدلاء بأي حديث، أو تصريح لوسائل الإعلام.
ما أثار الصدمة والذهول هو أن الأعداد القليلة منهم، أي من المسافرين التي حاولت كسر التعليمات وخرق الحظر تلقت تهديدا حادا وغريبا على لسان المسؤول المصري ذاته، قال فيه بالمختصر المفيد ومن دون لف ولا دوران «لقد نقلنا شكركم للسلطات التونسية على حفاوة الاستقبال، ومن سيدلي بعد ذلك بأي تصريح أو كلام آخر للإعلام فلن يكون له مكان في الرحلة إلى مصر».
الإنذار القوي «للباشا» المسؤول جعل الكل يذعن للقرار على أمل إنهاء الرحلة بسلام ودفع الصحافيين إلى الاكتفاء بالتصوير والمتابعة عن بعد. لكن واقعة المنع من الكلام وتعطيل مهام الصحافة جعلت الحاضرين في برنامج حواري على إحدى القنوات التلفزيونية الخاصة، التي بثت مشهد المطار الغريب والصادم ينقسمون بين مؤيد للقرار وشاجب ومستنكر له، ولو على مضض واستحياء. وفي كلتا الحالتين كانت المبررات حاضرة بقوة على الجانبين معا فأمن الجالية المصرية التي ما يزال معظم أفرادها مقيمين بليبيا يفرض الحذر والتحوط من أي تصريح قد لا يكون مناسبا ويعرض سلامتها للتهديد، أو للخطر. وحرية الصحافة بالمقابل لا ينبغي أن تقف أمامها الموانع والحواجز مهما كانت مسمياتها.
أما الحسم بشكل قاطع وواضح وبلا مواربة وتحديد الخيارات بشكل دقيق وصريح لصالح هذه الجهة أو تلك فقد ظل مرتبطا إلى حد كبير بالانتماء السياسي أو الوظيفي للمشاركين في البرنامج، وهو الامر الذي يحصل غالبا في تونس كلما تقاطعت ضرورات الأمن في السرية والتكتم مع مصالح الصحافة في الإذاعة والنشر، مثلما حدث قبل يومين فقط من واقعة المطار، في أعقاب عملية قامت بها جماعة مسلحة في إحدى مناطق الشمال الغربي، وأودت بحياة اربعة عناصر من الحرس الوطني.
العملية لفها ستار كثيف من الغموض، وبدا توقيتها مريبا للجميع ودارت حولها أيضا اشاعات، بل تأكيدات من جانب البعض حول الاشتباه في وجود تواطؤ أو اختراق داخل المؤسسة الأمنية كان السبب المباشر والأساسي في حصولها، لكنها خلفت كذلك حالة من التوتر والغضب من جانب الأمنيين على أداء الصحافة وتغطيتها لمثل تلك الاحداث، وهو ما قاد البعض منهم للاعتداء جسديا ولفظيا على بعض الصحافيين، في سابقة وصفتها نقابة الصحافيين بـ»الخطيرة والممنهجة»، محذرة في بيان أصدرته بالمناسبة ذاتها من «خطورة عودة منظومة الاستبداد وقمع الحريات والتضييق على الصحافيين أثناء تأديتهم لعملهم».
لكن اللافت في الموضوع هو أن معظم التونسيين ظلوا حتى الان بعيدين عن ذلك الجدل البيزنطي العقيم، بين المتعلقين باهداب الحرية والمناصرين لسلطان الدولة. ولم تنفع التحذيرات المكررة للخبراء من أن الارهاب سينزل حتما من الجبال ويفتك بالكل، عسكريين ومدنيين بلا تمييز أو استثناء، وأن تنظيم «داعش» بات على الأبواب، ولم يعد يبعد مثلما يقول الخبراء ذاتهم سوى اربعين كيلومترا عن الحدود الجنوبية للبلد. فهناك احساس متزايد بأن قصة الإرهاب هي مجرد تصفية حسابات قديمة بين كبار الداخل والخارج، يضحى فيها بالحلقة الأضعف، أي عامة الناس من أجل تحقيق مكاسب سياسية على الارض. ما يعمق ذلك الشعور هو ألا وجود داخل تونس لتصور واحد وواضح لما يعرف بالإرهاب، بل يجري النظر له والتعامل معه بمنطق التجزئة والفرز، فتحذف مشاهد وتركب أخرى لمجرد التشهير بالخصوم والقضاء عليهم بوصمهم بالارهابيين أو المتسترين على الارهاب.
حالة الخلط بين المنافس السياسي والعدو القومي هي التي تجعل الكثيرين لا يفهمون مثلا كيف تقبل حركة النهضة الاسلامية كطرف فاعل ومؤثر داخل المشهد السياسي، ثم تظل عرضة للايحاءات المستمرة وحتى الاتهامات الصريحة والعلنية في بعض الأحيان بانها تقف وراء الارهاب، وانها كما يقول معارضوها هي التي جلبت تلك الافة إلى تونس، خلال سنوات حكمها القصيرة. التوافق الوطني الذي سمح للبلد بالعبور الآمن نحو مرحلة الاستقرار يظل هنا فاقدا للمعنى مادامت القضية لم تعد مجرد عداء ايديولوجي فحسب، بل «مسألة دم» مثلما يصفها الشيخ راشد الغنوشي، في حديث إلى صحيفة «العربي الجديد» قبل أن يضيف أن «الحديث عن الدم يعني انك قاتل أو مقتول وهو أعلى صور القطيعة… وعندما يعطى الصراع هذا البعد فهو يعني تأبيدا له وحكما على التونسيين بالفرقة والانقسام والتقاتل إلى الأبد».
ما يشير اليه الشيخ هو الاتهامات التي يوجهها اليسار بوجه عام لحركته بالوقوف وراء اغتيال بلعيد والبراهمي، التي تقف حجر عثرة امام وحدة وطنية صارت اليوم مطلوبة أكثر من أي وقت مضى، لاجل وضع استراتيجية أمن قومي يدعو لها الجميع باستمرار، لكن من دون الوعي التام والقبول الكامل باشتراطاتها. فكيف توضع مثل تلك الاستراتيجية في غياب الحد الادنى من الصفاء الروحي والذهني، وبوجود مشاعر ملتبسة من الاحقاد والضغائن وحالات اليأس القاتل والانتقام، وهل من الممكن والمعقول أن توجد من دون اهداف مشتركة يجتمع التونسيون حولها ومن دون رباط وثيق يشدهم إلى بعضهم بعضا؟
لا يستطيع الدستور ولا القوانين هنا أن يكون تلك الرابطة الطوعية والارادية المطلوبة، فالنصوص لا تغير العقول والنفوس بسرعة، بل العكس هو الذي يحصل في الغالب. ولاجل ذلك فان ما يقرر داخل اجتماعات اللجان والهيئات السياسية والدستورية يظل بمنأى عن الجمهور، مادام هاجس الشك والريبة هو السائد في نظرته للقادة والنخب، ومادام الجمهور يعيش في عالم آخر يبعد آلاف السنوات الضوئية عن عالم المثل الذي يتظاهر السياسيون دوما بوجوده. لقد كانت رؤية الزعيم الراحل بورقيبة هي أن استقلال تونس سيتم مع فرنسا وليس عنها»، وجعل ذلك التفكير من التونسيين رهائن دائمين لباريس. يمرضون اذا مرضت ويفرحون متى فرحت ويحزنون اذا ما رأوها حزينة. لا شيء يجعلهم يفكرون او يخططون للمستقبل مادامت هي تفكر وتخطط بدلا عنهم. وبقطع النظر عما خلفه الأداء السياسي للدكتور المرزوقي في السلطة من ردود ومواقف متباينة، فإن المرة الوحيدة التي طرحت فيها رؤية مغايرة للاستقلال كانت اثناء حكمه المؤقت والقصير.
لقد لفت انتباه التونسيين إلى أن العطش قد يصيبهم بعد سنوات قليلة من الآن ودعا في مايو من العام الماضي إلى إنشاء وزارة للبحر للحفاظ على ثرواته وتحسين وضع البحارة، وطالب بالتفكير بجدية في مسألة البذور التي تجعل استمرارالزراعة في تونس محل مساومات وضغوطات من الخارج.
لكن دعواته تلك لقيت سيلا جارفا من الهجومات الإعلامية وصلت حد التهكم عليه والتشكيك في قدراته العقلية. فليس مقبولا عند المهاجمين التحدث بذلك الشكل عن المستقبل، لأن ما يريدونه هو الكلام الناعم والمطمئن الذي يزيد الكسالى كسلا والنائمين في العسل مزيدا من النوم، مثل كلام سلفه الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي في التاسع عشر من الشهر الجاري، أمام السفراء الاجانب لما صرح «بان سنة 2015 ستكون سنة العمل والكد وايضا سنة الاستقرار وتثبيت سلطة الدولة واعادة الثقة في المؤسسات».
فهذه هي التوقعات الوحيدة التي يقبلها دعاة الاستراتيجية. أما كيف يحصل ذلك وبأي ثمن او شروط فهذا ما لا يجيبون عنه على الاطلاق تماما كالباشا المصري الذي يعرف أن مصلحة ابناء بلده المرحلين تكمن في الصمت ولا يستطيع أو يريد تفسير الأسباب وشرحها للصحافة.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية