كذبة الإغلاق

حجم الخط
0

40 كيلو متراً طوله، 12.5 كيلو متر عرضه، 365 كيلو متراً مربعاً مساحته ونحو مليونين هم سكانه ـ هذا هو قطاع غزة باختصار. إذا كانت هذه هي المعطيات، وهي معروفة للجميع، فكيف تتجرأ غزة على أن تستفز المرة تلو الأخرى إسرائيل العظمى؟
أتصور وضعا معاكسا، خيالي حقا: اسرائيل وغزة تتبدلان بينهما المواقع. وحسب هذا السيناريو الخيالي، فان مساحة القطاع هي اسرائيل، المساحة الحالية لاسرائيل هي «فلسطين»، فهل اسرائيل الصغيرة «الغزية»، كانت ستتجرأ على مهاجمة «فلسطين»؟ هل كانت تتصور أن تستفز المرة تلو الاخرى من هي أقوى منها وأكبر منها عشرات الاضعاف، وان تكرس لهذا الغرض كل مقدراتها؟
وإذا كانت تفعل هذا، أفلن تتعرض لوابل من الشجب من الاسرة الدولية لاستفزازها العدو واطلاق الصواريخ نحوه، نار قذائف الهاون والطائرات الورقية الحارقة، تحفر أنفاق الإرهاب، تبعث بالقوة بآلاف المتظاهرين إلى الجدران كي يقتل ويجرح العديد منهم؟ أفلا يكون القناصة من «أرض فلسطين» سيطلقون النار بلا تمييز على جموع «الاسرائيليين» المهاجمين على الجدار، من دون خوف من اجتماعات للأمم المتحدة وتنديدات منها.
بالطبع، لو كانت اسرائيل ـ ويا له من سيناريو هذا! ـ تقع في غزة، ما كان لكل هذا أن يحصل، بقدر ما يتعلق الامر بها. المنطقة التي تحت سيطرتها كانت ستزدهر، وتتفتح، وتصبح إقليما سنغافوريا. هكذا كانت ستتصرف كل أمة طبيعية، محبة للحياة. ليس هكذا الفلسطينيون في قطاع غزة، الذين جل اهتمامهم هو القتل، الدمار والحرق.
فضلا عن ذلك، لو كانت مساحة اسرائيل كمساحة غزة، ولو كانت معطياتها مثل معطيات غزة اليوم، لكانت هجمات العرب عليها أشد بكثير من تلك التي يتجرأون على تنفيذها هذه الايام. فقد كان سيكون أسهل عليهم الوصول إلى طرفها وشطبها من على وجه الارض. يحتمل أن يكون حلمهم الاعظم يتحقق. والعالم كان سيسكت.
غزة الحقيقية، الواقعية، غزة اليوم، تتمتع بتفوق خاص لا تتمتع به اسرائيل: الأسرة الدولية تقف في معظمها خلفها، تدعمها، تبرر سلوكها الحماس، تندد باسرائيل المرة تلو الاخرى، تعرضها كجذر الشر لكل المشاكل في الشرق الاوسط. فالاكاذيب التي تنشرها حماس تتبناها أجزاء واسعة من الاسرة الدولية، وليس فقط العربية ـ الإسلامية. الكذبة البارزة في الايام الاخيرة هي كذبة الاغلاق او الحصار.
في 2008 أودعنا، بشكل سائب من جانبنا، في أيدي الفلسطينيين في القطاع كل المنطق، نقية من المستوطنين، ولكن البكاء والعويل في ساحات غزة، رفح والشجاعية لم يتوقفا. فقد أُضيف إلى الادعاء المتكرر حول «الاحتلال المتواصل» ذريعة جديدة: الاغلاق الخانق. ما كان يمكن أن يكون حدود سلام وتعاون، حدوداً مفتوحة نسبيا، تسمح لجماهير غزة بأن تأتي وترتزق في اسرائيل، تحولت إلى منطلق لعدوان لا يطاق. رغم الجدار الفاصل، تنقل اسرائيل إلى الغزيين ـ في الايام العادية ـ مئات الشاحنات في الشهر، وفيها كل ما يطلبون ويحتاجون. ولكن حماس، تنكل ايضا بانبوب الحياة هذا. من الافضل لها مليونا فم جائع. إذا كان هناك اغلاق إسرائيلي، فإن حماس تتحمل كامل المسؤولية عنه.
ولكن ليس اسرائيل فقط هي التي تحاذي القطاع: كما هو معروف في الطرف الجنوبي له حدود مع مصر، ويطرح السؤال: أين مصر في صورة هذا «الاغلاق»؟ لماذا لا يحرك المصريون، الذين يحترمهم الفلسطينيون، ساكنا من جانبهم بالتخفيف من ضائقة الحياة لاخوانهم في القطاع؟ لماذا، لغرض التغيير، لا تجرى مفاوضات في مدن أوروبا ضد «الاغلاق المصري» على القطاع؟
ان كذبة الاغلاق تصرخ إلى السماء. في أروقة الأمم المتحدة، في أوساط اللطفاء في الغرب، منظمات المقاطعة واللاسامية، تستقبل هذه الكذبة بتفهم لدرجة التشبيه البائس بالاغلاق على اليهود في الغيتوات على الارض الاوروبية. مثلما في موضوع «حق التظاهر»، الصواريخ، الانفاق والطائرات الورقية، هكذا أيضاً «الاغلاق». بعض الدول التي ترى نفسها متنورة، تتبنى دعاية الفظاعة الفلسطينية في هذا الموضوع أيضاً، ربما كي تنظف ضميرها الملطخ منذ أكثر من 70 سنة.
وإسرائيل؟ عليها أن تزيد اعلامها ومكافحتها للاكاذيب وللطائرات الورقية التي تطلق ضدها.

معاريف 18/6/2018

كذبة الإغلاق
لماذا لا يحرك المصريون الذين يحترمهم الفلسطينيون ساكناً لتخفيف معاناة غزة؟!
يوسي أحيمئير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية