كرامة الكرة في تونس

حجم الخط
3

ظهرت في ثوب الرياضة قبل أن تجلبها ريح السياسة فتثير قدرا واسعا من الاهتمام والانشغال داخل تونس. إنها الأزمة الكروية المفاجئة مع الاتحاد الأفريقي لكرة القدم.
فبعد الهزات التي حصلت بنزول أشباح من جبال الشعانبي، لم يعرف لهم أصل أو فصل وتنكيلهم بجنود وأمنيين وقتلهم، على اعتبار انهم «طاغوت» ثم اغتيال بعض السياسيين بشكل استعراضي مريع وتهديد مسار الديمقراطية والتشويش على خط سيره، بدعوى مخالفته الشرع مثلما ادعت بعض الجماعات، وبعد صدمة الرعب من تنظيم «داعش» الذي بث الرعب وكشر عن أنيابه في أكثر من موضع في الخارج، وبات مثلما تقول الصحافة في تونس على مرمى حجر من الحدود وجاهزا للانقضاض على البلد في أي لحظة، وبعد كل ما فعله المهربون والسماسرة ومصاصو الدماء وحماة الدولة العميقة وفلولها، من الوقوف صفا واحدا كالبنيان المرصوص أمام ثورة أجهضت ودفنت في المهد بهدوء وصمت مريب، جاء الدور على أعداء جدد للكرامة الوطنية للصعود إلى الواجهة ولعب أدوار «الكومبارس» بدلا من الأعداء التقليديين الذين عرفهم التونسيون في مشاهد درامية عالية الجودة، بدأت بما وصف حينها بالهجوم «السلفي» على إحدى قاعات السينما في العاصمة، وظهور شاب وهو يحاول إنزال الراية التونسية من فوق مبنى كلية الآداب قبل أن تعيدها إحدى الطالبات إلى موضعها وتتحول بتصرفها الشجاع الى بطلة وطنية، ثم انتهت مع الأيام إلى حديث مبهم وفضفاض عن استعادة الدولة لهيبة سرقت منها في غفلة، وصارت في الأخير لا تعني شيئا آخر على الإطلاق سوى رسالة اعتذار تطلب لأجل عيون الكرة، وبسببها لا لأجل أحد اخر سواها.
يعود أصل القصة الجديدة إلى خلاف «كروي» حاد نشب بين اتحاد كرة القدم المحلي والاتحاد الأفريقي للعبة، إثر خسارة الفريق التونسي في مباراة ربع النهائي امام فريق غينيا الاستوائية، البلد المنظم لنهائيات كأس افريقيا بعد «تواطؤ مسبق ومفضوح من الحكم» مثلما رأى التونسيون. لكن اللافت في الأمر هو أن الاحتجاجات لم تقتصر فقط على الصحف ووسائل الإعلام المحلية التي قادت هجوما لاذعا وقويا على المسؤولين في الاتحاد الافريقي، وصل حد وصف رئيس الاتحاد بـ»اللص» الذي سرق انتصار تونس، بل امتدت لتشمل مسؤولي الاتحاد المحلي للكرة بعد تلقيهم ما بدا ضوءا أخضر من السلطات لتشديد اللهجة والتشهير بما لحق الفريق التونسي من ظلم صارخ وتحيز من جانب المسؤولين الأفارقة لصالح الفريق الغيني. فقد أبلغ الناطق الرسمي باسم رئاسة الجمهورية وكالة الأنباء الرسمية بأن رئيس الدولة اتصل إثر المباراة برئيس البعثة الرياضية التونسية، وهو ايضا رئيس الاتحاد المحلي للكرة «للاطمئنان على أحوال البعثة وإبلاغ عناصر المنتخب الوطني تقديره لما بذلوه من جهد وما برهنوا عليه من عزيمة، من أجل تشريف سمعة تونس والرياضة التونسية، رغم ما تعرضوا له من عقبات غير رياضية مؤسفة». ووفقا للتصريح ذاته فقد أوصى رئيس الدولة «بالعمل عبر كل الوسائل الرياضية والقانونية على الدفاع عن حقوق الرياضة التونسية والرياضيين التونسيين في المسابقات الأفريقية حتى لا يهضم جانب تونس في أي من المحافل الرياضية». بعد ذلك لم يعرف ما إذا كانت الرسالة القوية وشديدة اللهجة، كما وصفت، التي وجهها رئيس الاتحاد المحلي إلى رئيس الاتحاد الأفريقي قد صبت مزيدا من الزيت على النار، بفعل تصرف فردي غير مدروس، أم كانت تطبيقا أمينا ودقيقا لوصايا السلطات وتوجيهاتها.
المهم في الموضوع أن الرسالة أثارت غضب الاتحاد الأفريقي وجعلته يصدر قرارا بإيقاف كل «نشاط قاري لرئيس الاتحاد التونسي إلى حين تقديم اعتذار عما صدر عنه او تقديم اثباتات ودلائل على اتهاماته الموجهة إلى الكونفدرالية الأفريقية»، ومنح الاتحاد التونسي مهلة تنقضي أواخر مارس المقبل، لتقديم تلك الإثباتات، وإلا «سيتم حرمان الفريق التونسي من المشاركة في بطولة افريقيا عام 2017 «. لكن الأهم من ذلك هو أن الخلاف خرج عن دائرة الرياضة ليصبح ملفا سياسيا بأبعاد داخلية، وحتى إقليمية أيضا. فقبل أن تتطور الامور من نزاع رياضي بحت إلى مسألة كرامة وطنية تهم كل التونسيين مثلما صارت تقدم اليوم ظهرت تصريحات غريبة وغير مسبوقة لوزير الرياضة التونسي في صحيفة «التونسية» قال فيها، «إن بلاده تعرضت لظلم كبير من الاتحاد الافريقي تحت رئاسة عيسى حياتو، الذي يمارس التمييز العنصري ضد منتخبات شمال افريقيا». قبل أن يضيف بأن» المغرب ومصر والجزائر وليبيا نددت بما حصل للمنتخب التونسي، وهي على قناعة بأن عرب افريقيا مستهدفون، لذلك ربما نتفق في ما بيننا على الانسحاب من الاتحاد الافريقي لكرة القدم، وهذا قد يشكل ضربة موجعة لحياتو وجماعته أمام انظار العالم». الوزير أضاف أيضا في التصريح ذاته «بأن تونس قد تنسحب وتكتفي باللعب في إطار محلي، لأن سيادتها ومكانتها أهم من عضوية الاتحاد الفريقي للكرة، ومن كأس افريقية تلعب في الكواليس». والنبرة العنترية نفسها لم تغب كذلك عن المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس الاتحاد المحلي للكرة، إذ وصل به الأمر حد القول على الملأ، وبالفم المليان، بأنه «لن يعتذر حتى لو تم ترحيله الى غوانتنامو» في إشارة الى تمسكه برفض طلب الاعتذار الذي وجهه له المسؤولون عن الكرة الافريقية.
الكلمات النارية والاحتجاجات المدوية التي رافقتها دفاعا عن شرف البلاد وكرامتها التي ديست، مثلما صور البعض على ملعب كرة قدم، أطلقت موجة من التعاطف الشعبي على صفحات التواصل الاجتماعي، التي تلقى في الغالب متابعة من الشباب. فالموقف الذي أخذته السلطات يبدو بنظر الكثيرين شجاعا وحازما وضروريا للثأر لما لحق البلاد من ظلم وإهانة، وهو المنطق نفسه الذي حرك مجموعة من قراصنة المواقع الإلكترونية للاعلان عن اختراق موقع تابع لحكومة غينيا الاستوائية، ووضع صورة لعلم تونس ونشيدها الرسمي على صفحاته، ودفع اخرين الى الاعتداء اللفظي والبدني على طلاب ومقيمين أفارقة في تونس، لا لشيء سوى أن لون بشرتهم جعلهم في نظر المعتدين متهمين ومتواطئين بالضرورة في الإهانة الكروية التي لحقت تونس.
ردود الأفعال الرسمية وحتى الشعبية على نزاع كان من المفترض ألا يخرج عن دائرة الرياضة، حجبت في المقابل قضايا مسكوتا عنها مثل، دور الإعلام في تأجيج المشاعر وتوجيه الرأي العام والانسياق الغريب وغير المفهوم للسلطات مع موجات التعصب والشوفينية التي ظهرت على السطح تحت مبرر الدفاع عن كرامة الوطن ومصالحه العليا. المثير في الأمر أيضا هو أن هذا الانسجام في المواقف بين الآلة الإعلامية والسلطة السياسية ظل منعدما ومفقودا في السنوات الأخيرة كلما تعلق الأمر بتلك الكرامة الوطنية بالتحديد. فلا أحد في تونس باستطاعته أن يعرف أو يحدد بالضبط ما الذي تعنيه كرامة زئبقية تغير لونها وطعمها باستمرار بحسب الأهواء والمصالح وتلوح ثمينة حينا ورخيصة أحيانا اخرى. فالجوعى واصحاب البطون الخاوية ينشدونها باستمرار والمترفون وفقراء العقول لا يرغبون بالتنازل عنها أو التفريط فيها. من أجل ذلك ربما تحاول السلطات بشكل موارب وخفي أن تستبدل الذل والهوان الذي تلقاه من السادة الكبار البيض في الضفة الشماليــــة للمتوسط بعزة وكرامة موهومة مع الإخوة الصغار في الجوار والجنوب، ويحاول المعدمون خوض غمار حرب يومية طاحنة لكسب لقمة عيش تحفظ ما تبقى من أثر انساني. والمؤسف في ذلك هو أن منطق الدولة لا يسمح بالمصارحة المطلوبة ومنطق الشعوب لا يقدر على الوصول إلى المعرفة اللازمة والضرورية وبين الاثنين تظل الكرامة كرة تتقاذفها الأرجل بوعي أو بلا وعي، في لعبة مجنونة حامية الوطيس لا قيمة بالنهاية فيها سوى لتلك المستديرة التي خطفت العقول والقلوب وأغرت الكل بملاحقتها بشغف وتعصب بالغين.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية