«كراهية الإسلام» لفخري صالح… تمثيل استشراقي معاصر

حجم الخط
1

في كتابه الصادر مؤخراً عن الدار العربية للعلوم ناشرون بعنوان «كراهية الإسلام» يسعى الناقد والكاتب فخري صالح إلى اكتناه النموذج الخطابي لقيم التمثيلات التي تستند إلى الإسلام، بوصفه ظاهرة متعددة المنازع والتمظهرات، التي تتحدد بالإسلام السياسي، والإسلام المعرفي، والإسلام التاريخي عبر مقاربة تطال ثلاثة مفكرين أو مثقفين من مرجعيات مختلفة، بيد أنهم يتفقون على مقولة «الإسلام الخطير» الذي يهدد النموذج الغربي المستقر والآمن.
في كتاب فخري صالح ثمة عنوان أولي «كراهية الإسلام»، وفيه يختزل مزاجاً عالميا كامناً في سلسلة الخطابات الصادرة عن الغرب، الذي فقد نموذجه العدائي بتلاشي المنظومة الشيوعية، فكان لا بد من استنفار الخصائص المؤسسة لقوى تستنهض تراكمات المعرفة والنماذج الاستخباراتية الاستشراقية مدعومة بآلة إعلامية ضخمة، أسست لسلسلة من الحروب التي خاضتها القوى الاستعمارية الجديدة، ونعني الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان والعراق، غير أن هذه الحرب لم تكد تضع أوزارها حتى توالت أفعال الردود، من قبل الهوامش التي سعت إلى تفكيك منظومة الخوف، ولتهاجم المراكز الحواضرية، وبين هذا وذاك… نشأت خطابات تسعى إلى تصنيف الظاهرة، وإدراجها في خانة التعريف التاريخي، أو الجيوسياسي لفهم تداعيات الحدث وأسبابه، أي أن ثمة فعلاً من التمثيل الخطابي الذي يسبق أو يسير بموازاة الفعل العسكري؛ ولهذا تتخذ دراسات بعض الباحثين قيمتها من كونها تستهدف وضع تفسيرات لمعنى التاريخ، ومساراته، وبهذا ننتقل في تحليلنا إلى العنوان الفرعي «كيف يصور الاستشراق الجديد العرب والمسلمين؟»، إذ ينحاز إلى تبني مقولة الاستشراق، ولكنه الاستشراق المعاصر، فالهدف لم يتبدل، ونعني إصدار منظومة من التمثيلات التي تطال الإسلام من خلال الاتكاء على التوصيف الصّوري اللغوي لظاهرة بالغة التعقيد نتيجة الإرث التاريخي، والاختلاف والتباين في تعريف ماهية الإسلام وتمثيلاته، وتحديداً في الدوائر الغربية المعرفية التي لم تزل على غيها، ومن ذلك خلق منظومة التجانس والتماثل التي تطال كل ما هو إسلامي، على الرغم من الادعاءات التي تظهر في تحليلات بعض المفكرين الغربيين، ومنهم النموذج الأول برنارد لويس حيث يلجأ فخري صالح لتفحص تكوينه المعرفي والذاتي بغية الوقوف على اختبار مكونات الإسلام من وجهة نظر هذا المفكر، الذي أسهم بوضع جملة من المسوغات للغزو الذي قامت به الولايات المتحدة للعراق وأفغانستان، وهنا يقع فخري صالح على مفاصل الارتباك المنهجي، الذي وسم كتابات برنارد لويس تجاه الإسلام، الذي انطلق حسب تحليل فخري صالح من إشارات تستند إلى قيمة النموذج الاقتصادي الغربي، الذي استطاع أن يتخلل أنماط الوجود العربي الإسلامي الذي لم يعد قادراً على الانفكاك من هذا الارتباط العضوي والبنيوي مع الغرب. ومن جهة أخرى ينفي لويس التطابق بين الإسلام التاريخي والإسلام المعاصر أو الحديث، حيث يقر لويس بقيم مثالية الأول أو المتقدم، في حين أن الإسلام الحديث شهد انتكاسات حضارية جعلته في وضعية لا تؤهله لتبني بعض النظم الغربية، ومنها على سبيل المثال الديمقراطية، التي يرى لويس أن تطبيقها يمكن أن يؤدي إلى نتائج كارثية، فيما لو فرضت فرضاً على المنطقة العربية الإسلامية.
يرى لويس أن من أسباب كراهية الغرب المشكلة اليهودية، ولاسيما الدعم الأمريكي لإسرائيل، غير أن هذا من وجهة نظره ليس مبرراً كافياً أو مقنعاً لهذا القدر من العداء تجاه الغرب، إنما ثمة عامل آخر، ويتحدد بحسد المسلمين وغيرتهم من النموذج الغربي، وبوجه خاص ما يتمتع به من ديمقراطية، وبمعنى أشمل نمط الحياة القائم على قيم الغرب، ما أدى بدوره لاستشعار العرب الدونية الحضارية، كما يوضح فخري صالح الذي يمارس بدوره تحليلاً ثنائي المستوى لخطاب برنارد لويس، ونعني المعرفي التفسيري والسياقي، وهنا نتصل بمعالجة مراكز الخطابات، وما تنطوي عليه من تناقضات، وهذا يتحقق عبر تقييم الفراغات التي تملأ خطابات برنارد لويس الذي يلجأ إلى تغليف أقواله بحقائق مغلوطة تجاه العرب والمسلمين، أو لي عنق الحقيقة بهدف الاستجابة لمقولات استشراقية كامنة في الوعي الغربي، ولعل أهمها عداء الإسلامي لظاهرة الحداثة، وانهيار المنظومة القومية مقابل تقدم النموذج القبلي الذي يعني ضعف مفهوم الدولة التي نشأت بعيد الاستعمار، بالتجاور مع ضعف القوة العقلية بوصفه نموذجا يقود إلى الحضارة، ومع أن هذا ربما ينطوي على كثير من التجني، غير أننا لا نعدم واقعية خطابه في بعض المواقع قياساً على ما نشهده في الوقت المعاصر، وهذا ما يوافقه فخري صالح، غير أنه يعود إلى تفكيك خطاب لويس، ولكن من خلال تبني أو البحث عن مسوغ أو مبرر آخر بخصوص الوهن والأزمة الحضارية التي يعاني منها العرب والمسلمون، وتتلخص بالاستعمار كما يقول في ص (48) ، فبرنارد لويس الذي ولد لعائلة يهودية أشكنازية ما هو إلا نتاج منظومة استعمارية، كما أنه مدين في جزء من تاريخه، وتكوينه الثقافي للإمبراطورية البريطانية العظمى التي لم تتخل عن تكريس دورها المشبوه في الرقعة العربية، فخلف قيم المعرفة ثمة معرفة لصالح السلطة كما يجسدها برنارد لويس.
يُعنى الجزء الثاني من الكتاب بتحليل خطابات صموئيل هنتغتون وأفكاره الذائعة الصيت حول صدام الحضارات الذي شكل مرجعية لبعض الساسة في الولايات المتحدة، ونعني المحافظين الجدد، وهكذا يعود فخري صالح لإدراج ظاهرة هذين المثقفين في خدمة السياسة، أي المعرفة لصالح السلطة، وهذا ما يشخصه صالح بالحديث عن خروج هؤلاء المثقفين من الدائرة الأكاديمية إلى الدائرة السياسية، كما جاء في ص (69). ولعل مقولة هنتنغتون لا تخفى على الكثيرين، فهي تهدف إلى خلق نموذج عدائي للغرب خاصة بعد زوال المنظومة السوفييتية، فكان لا بد من اختلاق العدو أو خطر جديد ممثلاً بالمسلمين، بالإضافة إلى الصينيين، غير أن هذا الصراع ليس صراعاً اقتصاديا أو أيديولوجيا حسب، إنما هو صراع يقوم على العوامل الثقافية، ولاسيما حين يتزامن مع ضعف الدولة، فتنشأ وتنمو الصراعات بالتوازي مع انتشار الإجرام واللاجئين والنازحين، ولعل هذا يكاد يصدق إلى حد ما، لا سيما في ظل الظروف التي نعانيها حالياً نتيجة ضعف الدولة، أو تفكك منظومات الدول، حيث بدت هشة، فهي سرعان ما انهارت نتيجة ضعف المؤسسة والقيم التي تتبعها، أو تنتهجها، وهذا ما يدفعني إلى التسليم بصحة تفسيرات هنتنغتون إلى حد ما، فلا شك في أن ثمة إشكاليات تتعلق باستقبال العرب للحداثة، وكيفية التعامل مع التغريب على مستوى الفهم والممارسة، فموقف هنتنغتون يصل إلى أن هذا التوصيف سوف ينتج، أو أنتج ردة فعل على هذا الوضع الحضاري السلبي المنهزم، ولهذا فإن ثمة حاجة لاستعادة النموذج الإسلامي الماضوي كما نقرأ في الكتاب.
في الجزء الثالث من الكتاب ثمة توقف تحليلي يطال النموذج الثالث، ونقصد الكاتب والروائي ف. س نايبول، وبوجه خاص كتاباته بمظهريه الفكري والإبداعي، وتحديداً ما يتعلق منها بتمثيل الإسلام الذي يحيله فخري صالح إلى التكوين العرقي والتاريخي والثقافي لنايبول- حائز جائزة نوبل- والمقيم في ترينداد، مع الإشارة إلى أن أصوله تعود إلى الهند، ولكن بحكم تعلمه، وإقامته في إنكلترا، فإن التكوين المعرفي واللغوي والثقافي لهذا الكاتب قد تشبّع بثقافة إنكليزية خالصة، مما يعني أن ثمة موجهات لتفكير نايبول ونهجه الذي يتصل بجزء كبير منه بمرجعية استعمارية إنكليزية واضحة، وهذا يستجيب لنهج الدول الاستعمارية القائم على خلق نخب وطنية متعلمة، تدين بالولاء للإمبراطوريات الإمبريالية بوصفها نماذج حضارية.
من أهم أفكار نايبول مقولة الادعاء بأن الإسلام يفتقر إلى أرض ثقافية؛ ولهذا يتوقع انهياره. لا شك في أن هذا التحليل كما يحلل فخري صالح جاء نتيجة سيطرة حنين مزمن يسيطر على نايبول، ولكن للماضي الاستعماري، فثمة رغبة لاستعادة الوجود الاستعماري الذي كان يعني – من وجهة نظر نايبول- مجالاً قيمياً حيث كان يسود النظام مقابل الفوضى، وفي هذا الوضع أستعين بمقولة فرانز فانون حول وجود نموذج استعماري للنظام مقابل الفوضى التي تسم عالم المستعمرات السابقة، بيد أن هذه الفوضى ليست سوى نتاج نهج تخريبي قام به الاستعمار. نايبول ما زال يرى أن رحيل الاستعمار تسبب بانهيار منظومة القيم، أو النظام، ما أتاح إلى تشكل تطلعات جديدة بدأ يقودها الإسلام الذي يرى فيه نايبول نموذجا تاريخياً مستمراً من الإقصاء لثقافات أخرى، وهنا يحلل نايبول ظاهرة انتشار الإسلام الذي عمل على كسر الثقافة الهندية، وتبديد قيمها، ولا سيما الهندوسية المتسامحة، فمع قدوم الإسلام وانتشاره في عدد من المناطق الشرق آسيوية التي زارها نايبول المرتحل بهدف اكتناه التموضع الجغرافي التاريخ والثقافي للإسلام، وما أحدثه هذا الزحف من تحولات على البنى الاجتماعية والاقتصادية لسكان تلك الدول، وبهذا فإن الإسلام تماثل مع التحولات التي نتجت بفعل الاستعمار، فالعالم الأفريقي والآسيوي بعد الإسلام قد فقد خصائصه المميزة، بل إنه ذاب في منظومة جديدة لا تمت بصلة مع الأرض، ولا حتى معتقدها، وهنا يصرح نايبول بأن الإسلام قد دمر الحضارة الهندية كما الإندونيسية، وغيرهما. لا بدّ أن نايبول ينطلق من فضاء مؤثث بالتأثيرات الغربية، وقيمه الاستعمارية، كما أن ثمة تطلعات تحمل طابعاً ذاتياً مشوهاً لرؤية الإسلام بالصورة التي يريدها نايبول، الذي ينعت في الكتاب بأنه إمبريالي، وكما نلاحظ فإن فخري صالح قد التزم بمنهجية تفكيك التأثيرات الخطابية الذهنية لنايبول، وبوجه خاص النموذج التمثيلي القائم على الرغبة بخلق خطاب يتسم بمعرفة دقيقة نتيجة الارتحالات التي قامت بها هذا الأديب إلى بعض المناطق التي يتواجد فيها الإسلام، أو التي أحدث فيها تحولاً حضاريا، ولكن هذا برمته كما يعلل فخري صالح يبدو نموذج لاستمرار النهج المعرفي الاستشراقي، ولكن المفارقة تكمن من أنه قد أتى من لدن رجل ينتمي إلى المستعمرات السابقة، أو رجل قد تشبع بكراهية للإسلام الذي جعله وحدة متجانسة، وأسقط عليها منظوراً ذاتياً، مع قصور واضح في فهم كافة الجوانب الحضارية للإسلام، وقيمه المعرفية والتاريخية، وهذا ما يدفعنا إلى تأمل ومقارنة خطاب نايبول بخطاب برنارد لويس الذي يقر بالقيم الحضارية للإسلام عبر التاريخ، وتحديداً إبان ازدهاره في القرون التي خلت، غير أنه يجعل حداً فاصلا بين الإسلام الحضاري والإسلام الجديد (السلبي) الذي يقنـــــع بأقنعة جديدة، تقترب من جعله نموذجا للشر، في حين أن نايبول يبدو أشد راديكالية في التعاطي مع الإسلام، كونه قد خلع عليه رؤية سلبية شـــــاملة، في حين أن هنتنغـــــتون سعى إلى خلق عدو جديد لاستنفار النزعة العدائية الغربية التي توجت بسياسات المحافظين الجدد الذين سعوا إلى محاربة من أراد أن يعيد البشرية إلى الخلف.
لا شك في أن هذا الكتاب، أتى ليقدم فهماً لأنماط التفكير، وأنساقه لدى ثلاثة من أبزر المثقفين القائمين في الغرب عبر تبني استراتيجية فكفكة التمثيلات والتصورات المعرفية والذهنية بالتوازي مع اختبار المرجعية الذاتية التي تسم أفكار هؤلاء المثقفين، بغية فهم آلية إنتاج الكراهيات التي اتسعت واتسعت حتى أصبحت قيمة خطابية حتى أنها شرعت في تغذية الكراهية في جميع انحاء عالم، بل تسعى إلى إقامة حدود فاصلة بين الثقافات والشعوب، ولعل هذا ما يفسر تنامي ظاهرة انتشار الحكومات اليمينة المتطرفة في أوروبا، علاوة على تبوؤ ملياردير شعبوي كاره للإسلام، والآخر، ونعني دونالد ترامب رئاسة أقوى دولة في العالم.

٭ كاتب فلسطيني أردني

«كراهية الإسلام» لفخري صالح… تمثيل استشراقي معاصر
محاولة لتفسير صعود اليمين في االغرب
رامي أبو شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية