رعب الاقتناص: أيام والرجل المسجى في فراشه يصارع الموت إثر طعنة من رمح وعروسه الشابة الجميلة هلعة لا تعرف ماذا ستفعل هي وطفلتها الرضيعة إذا ما مات، والنساء والأطفال لا يرثن من الزوج شيئاً.
ستعود إلى قبيلتها أم سيرمي عليها أحد إخوته ثوبه لكي يستأثر بها، قالت لها العرافة إنه سيموت لا محالة، العيون ترمقها متفحصة، الشهوة تفضح رغبتهم حتى قبل أن يفارق أخوهم الحياة، تتمنى أن تستطيع الهرب قبل أن يمسك بها أحدهم لكنها لا تريد أن تترك زوجها في محنته، في بطن الليل وبعد أن هجعت القبيلة تكتشف موت الزوج تلملم جراحها وتكتم صراخها وتتسلل متشحة بسواد الليل، حاملة رضيعتها تتلفت حولها خائفة من ذئب أو قاطع طريق، تعبر الفيافي وصخور الجبل الوعرة حتى وصلت إلى قبيلتها بالفعل والضوء يشق السماء ويفضح السر. وأسألكم كم امرأة استطاعت الهرب حتى لا يرثها ابن الزوج فوقعت فريسة للأخ؟ وكم غيرها لم تستطع الإفلات؟
هكذا عاشت جداتنا رعب الاقتناص باعتبارهن موروثات يطمع الابن أو الأخ في مهرهن، الحق الوحيد لهن في الإرث من الزوج، وإلا أصبح هذا الإرث لمنفعة قبيلتها كما يقول الطبري. كان المنطق الذي يقوم عليه عدم توريث المرأة والأطفال يعود إلى أنهم لا يشاركون في الحرب أو العمل، وبالتالي لا تحق لهم الثروة ولهذا حين نزلت سورة النساء، الآية السابعة «للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا». قاوم الرجال تنفيذ هذه القوانين الجديدة متمسكين بما اعتادوا عليه من عادات قبلية قبل الإسلام. لكن النساء اللاتي رأين في النبي (ص) مساندة حقيقية قاومن ظلم الرجال وأصررن على تطبيق ما جاء في الآيات الكريمة، وبدأت الحكاية بأم «فجة» وهي امرأة من الأنصار لها خمس بنات مات زوجها ومنعها أخوه من الحصول على نصيبها الذي حددته الآيات، جاءت إلى النبي (ص) قائلة مات زوجي ومُنعت من ميراثه، وأنصفها الرسول، فلم تنقطع قوافل النساء إليه يطالبنه بحقوقهن أو يشكين إلى زوجاته، خاصة أم سلمة، التي لعبت دورا كبيرا في توصيل رأي نساء المدينة إلى الرسول، وجاءت قصة «كبشة» لتشعل نار المشاكل بين الرجال المسلمين، إذ مات زوجها وأراد ابن قيس بن الأصلت أن يتزوجها وأن يمنعها من الزواج ممن تريد، رجوعاً إلى العادات القبلية التي تعطي لابن الزوج الحق في زوجة أبيه، وإن كان طفلا تنتظر الزوجة حتى يكبر ويأخذها لنفسه أو يعطيها لغيره.
شكت «كبشة» إلى الرسول، وكان الرسول معتاداً أن ينتظر، لا يبدي رأيا إلا بعد تفكير طويل، ونزلت الآية 19 من سورة النساء «يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا». حسمت الآية القضية واستطاعت «كبشة» الحصول على مالها ورفضت الزواج من ابن قيس بن الأصلت، والتعويل عليه. ومن أشهر حكايات المقاومة هذه قصة جابر بن عبدالله وكانت له ابنة عم عمياء قبيحة ورثت عن والدها ثروة كبيرة، ولم يقبل جابر أن يزوجها لأحد طمعا في ثروتها، فلما توافد عليها الخطاب ذهب إلى الرسول (ص) قائلا: أفتاة عمياء وقبيحة يكون لها حق بالإرث. رد عليه الرسول «نعم وبشكل مطلق» هكذا حدد الله نصيب المرأة من الميراث بجميع التفاصيل، سواء كانت أما أو زوجة أو ابنة وحيدة أو مع أشقائها وهو ما كان مستحيلا لقرون من قبل.
عدت إلى تلك الأحداث كي أجيب على السؤال الذي يلح على ذهني عن أسباب كل هذا العنف ومبرره واتهامات العمالة للغرب والتكفير بلا هوادة، التي تبدأ كلما دعت الضرورة الاجتماعية إلى النظر في مناقشة بعض مشاريع القوانين التي تخص المرأة على وجه الخصوص.. وقد تقلب المجتمع بعد رحيل الرسول وظهرت عشرات التغيرات واختفت في مجتمعات كثيرة حقوق النساء، حتى أن النساء في صعيد مصر لا يستطعن الحصول على ميراثهن، رغم القوانين المدنية الموجودة حتى الآن.
هذا الظلم سببه ضعف الدولة وخوفها من إثارة القلاقل وعدم قدرتها على فرض القانون. ومع هذا أصبح التطور في المجتمع المصري وبعض المجتمعات العربية ملزما بتغير بعض ما كان يعتبر ثوابت في فترة من الفترات، اعتمادا على قواعد شرعية معروفة لكن متى تظهر هذه القواعد، ولماذا يؤخذ بها في فترة ولا يؤخذ بها في فترة أخرى؟
تغيرت قوانين المسلمين عشرات المرات، على مدار التاريخ منذ وقع الحادث الشهير الذي رفض فيه عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قطع يد السارق في أيام المجاعة قائلا الحاجة مقدمة على النص.
نحن الآن وفقا للقانون المدني في معظم الدول الإسلامية لا نقطع يد السارق، ولا ينزل أحدنا إلى الأسواق ليشتري عبدا وجارية هو في حاجة إليهما. فعلنا هذا بالقانون المدني وقد خلق الله الإنسان وهو العليم القدير، يعلم أنه سيصل إلى هذه النتيجة بدون أن يعتبر أنه يخالف نصا قرآنيا. وأعطينا لليتيم في مصر الحق في ميراث جده وجدته، استنادا إلى نافذة الهبة المفتوحة لتحل المشكلة، بعد أن كان اليتيم لا يحصل على مليم واحد من أموال جده وجدته، لأن أحد أبويه مات قبل الجد والجدة. وكان اليتيم قبل هذا القانون الذي صدر عام 1946 بفتوى من الأزهر يصبح معدما وتذهب التركة إلى الأعمام والعمات والأخوال والخالات، الذين هم على قيد الحياة.
هنا الحاجة أوجدت الحل حتى أن معظمنا لا يعرف بعد أكثر من نصف قرن بوجود هذه المشكلة، فقد تقبلها المجتمع واستمر في طريقه، ونسيها تماما. ومع هذا مشكلة الحفيد هذه تحل في كل دولة عربية بطريقة مختلفة، لكن فتوى الأزهر اعتمدت على الوصية. ومازالت بعض الدول الإسلامية والعربية تمنع ميراث الحفيد للجد لأنهم محجوبون عن الأرث من جدهم بأعمامهم.
ومازالت البحرين تتمسك بأن يكون للمرأة ولي في زواجها مهما بلغ عمرها في حين تتجاوز القوانين في معظم الدول هذا الشرط. وأسألكم: هل كان خافيا علينا قرار الرسول عليه الصلاة والسلام: بتطليق المرأة التي كرهت زوجها، قائلا ردي عليه حديقته؟ كنا نعرفه لكن لم يتحول إلى قانون الخلع في مصر إلا بزيادة تفاقم مشكلة حصول المرأة على الطلاق، وتصدي بعض الفقهاء لها، وهو ما أوجد الحل في مصر من داخل الإسلام. الدول العربية الأخرى حلت المشكلة بطرق مختلفة أيضا وبفتاوى إسلامية أيضا. ففي تونس يمنع القانون منذ عام 1956 تعدد الزوجات، ويعطي للمرأة حق الطلاق. وهذه القوانين المتقدمة طبقت في ثلاث دول هي اليمن والعراق وتونس، وكان الرجل العراقي لا يستطيع الزواج من أخرى حتى تسمح له المحكمة بشرط أن تكون الزوجة عاقرا أو مريضة مرضا لا شفاء منه، ثم تغير القانون العراقي بعد الحرب العراقية الإيرانية وسمح بتعدد الزوجات، بل وشجعه بسبب كثرة عدد الشهداء من الشباب ( حتمية مجتمعية).
هذا معناه أن قوانين الأسرة بشكل عام تخضع للتأثير المتبادل بين الأنساق الاجتماعية والسياسية والدينية، وهي تتغير وفقا لظروف كل بلد وقد اعتمدت معظم التجديدات في هذه القوانين على آراء واجتهادات عدد من الشيوخ أمثال كل من الشيخ مصطفى المراغي وعبد الوهاب خلاف ومحمود شلتوت ومحمد أبو زهرة علي الخفيف والإمام محمد عبده وغيرهم، وقاد هذا التغيير رجال قانون عظماء استجابوا لحاجة المجتمع.
الحوار يعرفنا أكثر بديننا، ويفتح أمامنا الأبواب لحل مشاكلنا المعاصرة، خاصة أن أكثر من ثلث المجتمع المصري تعوله نساء وحيدات. الحوار ليس معناه الاعتراض على النصوص القرآنية، ولا الأخذ عمال على بطال بمقولة عمر بن الخطاب الحاجة مقدمة على النص، لكن معناه أن نحدد ما معنى كلمة حاجة، فالمجتمع لن يمر بمجاعة كل يوم، بل يمر بتغيرات فهل هذه التغيرات تستوجب التغيير؟ هذا هو السؤال. فالتغيرات الاجتماعية أدت إلى فصم العلاقات ولم يعد الرجل هو المسؤول الوحيد عن الإنفاق، وباتت معظم الأسر في حاجة إلى قوانين جديدة تنصفها وتحقق لها حياة مستورة وعادلة، في ظل ما يحدث الآن في العالم كله.
كاتبة مصرية
هالة البدري