كعكة نفايات .. وجيل شبابي يؤرّق زعامات ميتة

حجم الخط
0

اعتاد اللبنانيون، لا سيما في السنوات الأخيرة على تخلّف نظامهم السياسيّ لسبب أو لآخر عن احترام المواقيت والمواعيد الدستورية، فمدّد المجلس النيابي لنفسه مرتين، المرة الأولى بدعوى حاجته إلى وقت
إضافي لقانون الانتخاب المأمول، وكي ينتخب رئيسا للجمهورية، والمرة الثانية بدعوى اخفاقه في هذين الأمرين. كذلك لم يراع الوقت الدستوري المتصل بالرئاسة الأولى، الشاغر منصبها منذ عام ونصف.
وحده ملف بيئي أساسي هو ملف إدارة عملية تجميع ومعالجة النفايات لم يخلف وعداً، إذ كان معروفاً للقاصي والداني ان مطمر الناعمة لن يعود قابلاً على تقبل المزيد من شاحنات القمامة لطمرها، بعد 17 تموز/يوليو
الماضي، هذا في وقت تشهد فيه هذه المنطقة عملية طمر مخربة للبيئة ومسمّمة للسكان.
اعتقد اللبنانيون في الأيام الأولى انّهم أمام مشكلة تدوم أياماً معدودات، لكن عدم تمكن الحكومة الحالية من إيجاد معالجة سريعة للموضوع أدى إلى تفاقمه، هذا في وقت بدت فيه الأركان الأساسية في الحكومة تتوقع
ان تبقى النقمة الشعبية محصورة في تنازع، أو «ترافض» المناطق اللبنانية المختلفة رمي النفايات فيها، وإيجاد مطمر بديل للناعمة على أرضها. بالتوازي، استفحلت في البلاد، عملية الطمر العشوائي هنا وهناك، في ما يقترب في أحيان كثيرة من مرتبة «جرائم بيئية موصوفة».
في البدء، حمّلت الأكثرية الحكومية التيار الوطني الحر مسؤولية تعطيل عملها وبالتالي كف يدها عن معالجة في وقتها لموضوع النفايات، وبدا الرأي العام ميالاً إلى ذلك، ولما انطلقت حملة «طلعت ريحتكم»
لم يكن الأمر ليوحي بأنها قادرة على تحريك قوة احتجاجية في المركز اللبناني، وأخذ على الحملة جملة» تخبيصات» في الشعار والأداء، أو في غياب سرعة البديهة عندما أطلّ العميد شامل روكز من سيارته في
بداية تحرّكاتها محيياً الجمهور، فبدت كما لو أنها تأخذ طرفاً في ما يناقض تنديدها، من موقع المجتمع المدني، بكافة الأركان المشاركين في الحكومة أو بما يسمّى «الطبقة السياسية».
يبقى ان حملة «طلعت ريحتكم» امتلكت منذ البدء عناصر قوة أساسية، منها طبعاً تشكل قسمات وعي جيل شبابي جديد ناقم على الأوضاع السياسية والاجتماعية في لبنان، ويثيره استهتار القوى الأساسية في 8 و14 آذار مجتمعة بأي احتكام إلى الناس، وهو احتكام كان مؤمنا جزئياً، سواء في مشهد التظاهرات المتواجهة للفئتين الآذاريتين، أو في صناديق الاقتراع، ثم انتفت آخر معالم هذا الاحتكام.
أيضاً أجادت الحملة الربط بين ملف يعني صحة وسلامة اللبنانيين، ولا يمكن التأجيل فيه، وهو ملف النفايات، وبين جبل الفساد المريع، الذي يظهر جلياً في هذا القطاع بالذات، حيث أعلى كلفة لمعالجة النفايات من قبل شركة خاصة في العالم، وتخريب اجرامي للبيئة وتسبّب بمقتل الآلاف من السكان على مدى السنوات. هذا الربط بين العجز الحكومي وبين استفحال الفساد لم يرق لدى بعض كوادر 14 آذار التي لا تفهم حركة نقابية للموظفين أو العمال ولا حركة مطالبة بايجاد حل لكارثة النفايات إلا بعد حل مشكلة سلاح حزب الله، هذا السلاح الذي تساكنه في الحكومة، نفسها والذي لم تخرج في تظاهرة واحدة ضده منذ آذار 2011.
بالتوازي، فان كوادر أساسية في «انتفاضة الاستقلال»، وفي صناعة وهج 14 آذار 2005 سارعت إلى تأييد التحرك أو الالتحاق به تدريجياً، وبالتوازي مع تجذره، وكذلك حصل في بيئات 8 آذار، ليصار إلى حديث،
متسرّع بعض الشيء، عن تجاوز الثنائية الآذارية. متسرّع لأنه صحيح وخاطئ. فقوى 8 آذار لا تزال في مكانها، في موقفها الداعم للنظام السوري وسياساته الدموية، لكن ما حصل هو انهيار 14 آذار نفسها، وانشطارها بين «14آذار – المسخ» التي لم تجد ما تعبّر عنه حيال مشهد آلاف اللبنانيين المنتفضين سوى الاستعارة اليمينية المتطرفة لشعارات معاداة الشيوعية القديمة، وبين الاستقلاليين – الاجتماعيين – البيئيين- الشبابيين، ان صح التعبير، الذين هم من أكثر المؤيدين للثورة السورية في لبنان، وأكثر المؤيدين للمحكمة الدولية والمناهضين لهيمنة حزب الله على البلاد، لكنهم يدركون، أنّه لا يمكن بالبساطة تأجيل كل قضايا الفساد إلى ما بعد حل مشكلة سلاح حزب الله، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقطاع النفايات. يمكن ان يتعايش البلد مع فراغ رئاسي أو حكومي، ومع سلاح فئوي تغلبي، ومع حدود وطنية غائبة، لكنه لا يمكن ان يتعايش ببساطة مع مشكلة لا حل لها طالما الصيغة الحاكمة لإدارة الشأن العام هي بهذا العداء للطبقات الشعبية، وبهذا الاستهتار المريع بصحة الناس وسلامتهم، وهذه التغطية أو التورط في عملية تخريب البيئة وتسميم المياه «سرطنة» السكان.
القوة الاحتجاجية تواجه بتحديات كثيرة، لكنها تستمد قوتها من ان السلطة الحاكمة عاجزة عن القيام بأي معالجة حقيقية لقطاع النفايات، وحتى تقسيم كعكة الزبالة بين المتمولين المحسوبين على الجهات النافذة سياسياً ومالياً، وبكلفات خيالية، وابهام الشروط البيئية، لم يكن إلا سبباً لتوسع الاستياء الشعبي.
بقايا 14 آذار الرسمية تدمن في هذه الأثناء نظرية المؤامرة بشكل هستيري. تتحدث عن المتظاهرين كـ»باسيج» و»فرس» وهلمجرا. في الوقت نفسه التحرّك يعاني من مشكلتين، واحدة تتعلّق بردّات فعل ناشطي
المجتمع المدني غير القادرة على استيعاب عملية توسع المشاركة الشعبية خارج إطار ترسيمة الطبقة الوسطى المدنية، وثانية تتعلّق بمحاولة بعض القوى السياسية والأمنية تشويه التحرّك بالشبيحة.
لا يزال مبكراً معرفة من سيخرج خاسراً من لعبة الشارع أكثر من سواه بين الزعامات السياسية اللبنانية التي ظهر فتور الولاء الشعبي لها حتى في البيئات المحسوبة عليها، في مقابل ظهور جيل شبابي لبناني بات
واضحاً في التصرّف كما لو ان الزعامات السياسية الرئيسية باتوا أعداء وطنيين له، وهذا بحد ذاته يحمل في طيه جمرة ثورية .ما من شأنه تقوية الحراك هو هذا الهلع الذي تعيشه أركان السلطة من الطابع الاجتماعي للاحتقان الشعبي الاستهدافي لشخصياتها بشكل جذري، غير مسبوق بهذه الحدة، وانفلات صراع أجيال اعتقدت السلطة بأنه غير مطروح وبأن كل «لورد طائفي» يورث تاجه في ربعه والسلام. الجدار الاسمنتي الذي بني حول السراي الحكومي ارتد سلباً على من أمر به، وكذلك القمع، علما ان القوى الأمنية اللبنانية غير مؤهلة جدياً لـ»مكافحة الشغب»، ويمكن لأي مواجهة تمتد لأيام أن تفتح الخيار على احتمال تدخل عسكري في الأزمة، وهذا، في شرقنا العربي كما في سواه، غير مستبعد بعد احتقان متداخل بين أزمة دستورية حادة وبين أزمة فساد وعجز غير مسبوقة. يبقى الموقف الغامض، موقف حزب الله. والموقف شبه المتوقع، ان تطلب الأكثرية الحاكمة معونة حزب الله في مواجهة التحدي الذي تواجهه في الشارع، وهي عندما تصف أبواقها المتحركين بـ «الباسيج» لا تفعل سوى توجيه استرحام لحزب الله بأن أدركنا. وكل هذا يقوي الشعور بأن الشباب، غير المستعد للتكلم بالسياسة بشكل حصيف، يفهم جيداً أنه اذا كان يواجه زعامات خبيثة، فهو يواجهها موميائية، ميتة. هذه هي قوة «طلعت ريحتكم» وأخواتها حالياً.

وسام سعادة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية