كفى بك داء ألاّ تكون «صديقا لإسرائيل»!

لم يكن أمام الزعيم العمالي جيرمي كوربن بدّ من فصل صديقه الشخصي ونصيره السياسي عمدة لندن السابق كن ليفنغستون من حزب العمال في أعقاب تصريحاته التي حاول فيها، الخميس، الدفاع عن البرلمانية ناز شاه التي كانت قد فصلت هي نفسها من الحزب بعد أن تبيّن أنها نشرت على صفحتها في الفيسبوك عام 2014 (قبل أن تصير عضوا في مجلس العموم) رسما لحدود دولة إسرائيل الحالية ملصقا فوق خارطة للولايات المتحدة تحت عنوان يقول: «حل للنزاع الفلسطيني-الإسرائيلي: إعادة توطين إسرائيل في الولايات المتحدة»، وأضافت ابنة الشمال الانكليزي معلّقة: «(هكذا) تحل المشكلة».
ومعروف عن ليفنغستون عدم القدرة على ضبط لسانه عن قول الحقائق المزعجة بالنسبة لمعظم النخبة السياسية البريطانية. ولكن الجديد هذه المرة أنه حاول الدفاع عن زميلته، فإذا به يصير هو المتهم الأول! حاول الدفع بأن ناز شاه ليست، مثلما انبرى الجميع لاتهامها في جوقة إجماع معهودة، «معادية للسامية» (وهل هناك تهمة سواها؟!). أراد أن يشرح أن زميلته لم تفعل سوى انتقاد سياسات إسرائيل، فإذا به يقول: «فلنتذكر أنه عندما فاز هتلر بالانتخابات عام 1933، كانت سياسته آنذاك تتمثل في (تأييد) تهجير اليهود إلى إسرائيل. لقد كان يدعم الصهيونية – كان ذلك قبل أن يجنّ وينتهي به الأمر إلى قتل ستة ملايين يهودي».
ذلك هو ليفنغستون. مزعج على الدوام. بل وممقوت حتى داخل حزبه. إذ رغم أنه عضو في حزب العمال منذ شبابه الباكر، فقد بذلت حكومة توني بلير «العمالية» أواخر التسعينيات جهدا جهيدا لإحباط مسعاه للفوز بمنصب عمدة مدينة لندن. ذلك أن بلير ورهطه (وفي مقدمهم صفيّه ومستشاره بيتر ماندلسون الملقب بـ»أمير الظلام») قد استولوا على الحزب، منذ وفاة زعيمه جون سميث عام 1994، فاختطفوه (بمثلما تختطف الطائرات) إلى وجهة يمينية سياسيا ونيوليبرالية اقتصاديا اسمها «حزب العمال الجديد»، أي أنهم حولوه إلى نسخة أخرى من حزب المحافظين لا همّ لها إلا أن تكون ماكينة حصاد انتخابي تفوز بأصوات «الشعب التاتشري». وقد نجح بلير في ذلك نجاحا بالغا جعله يحظى بإعجاب الجيل الجديد من ساسة حزب المحافظين.
أما ليفنغستون فقد ظل – مثله في ذلك مثل البرلماني المخضرم دنيس سكينر ذي الأصول البروليتارية، والسياسي الراحل توني بن الذي «خان» طبقته الأرستقراطية، وزعيم حزب العمال السابق مايكل فوت، وسواهم من ذوي المبادىء) – وفيّا لحزب العمال الأصلي، أي الحزب الأصيل المنحاز لقيم اليسار السياسية والأخلاقية. وقد نشأ الرجل نشأة يسارية معززة بحسّ عالمثالثي أساسه التضامن مع حركات التحرر الوطني في مختلف أنحاء العالم. وقبل شهور استمعت له في الإذاعة يروي فصولا من سيرته اعتمادا على اليوميات والمذكرات التي احتفظ بها منذ أيام الشباب، فتبين أن الجزائر، الحاصلة حديثا على الاستقلال، قد كانت من أول البلدان التي زارها في إطار رحلة شبه بوهيمية (بسبب قلة ذات اليد) في القارة الإفريقية.
وبحكم الوفاء للمبادىء، فإن ليفنغستون لا يزال ثابتا في دعمه للقضية الفلسطينية ثبات النخبة السياسية البريطانية بأسرها في «صداقتها» لإسرائيل. ولعل «أصدق» من حاورتهم البي بي سي هو ذلك المخطط الاستراتيجي السابق لحزب العمال الذي عيّر ليفنغستون بأنه «ليس صديقا لإسرائيل»! ما أقسى هذا الهجاء! لم يبق لمن عيّر ليفنغستون المسكين إلا أن يقول: «كفى بك داء سياسيا أن تحرم نفسك من صداقة إسرائيل!». وبما أن الصداقة درجات، فها إن الكتاب الذي أصدره توم باور أخيرا قد روى لنا بالتفصيل كيف أن توني بلير صار مندوب مبيعات عسكرية لإسرائيل في إفريقيا!
أما مسألة هتلر، فقد علق عليها أحدهم بأن متحف الهولوكوست في الولايات المتحدة يقول على موقعه في الانترنت: «إن أكثر من ستين ألف يهودي ألماني هاجروا أثناء الثلاثينيات إلى فلسطين. وقد فعل معظمهم ذلك بموجب اتفاقية الترانسفير التي عقدت بين ألمانيا والسلطات اليهودية في فلسطين والتي سهلت الهجرة اليهودية إلى فلسطين». بينما علق آخر بأن ليفنغستون «مخطىء. ذلك أن الصهيونية هي التي دعمت هتلر. حسبك الرجوع إلى الاتفاقية التي عقدتها منظمة شترن الصهيونية الإرهابية مع هتلر لتهجير اليهود إلى فلسطين».

٭ كاتب تونسي

كفى بك داء ألاّ تكون «صديقا لإسرائيل»!

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية