هل تونس مخترَقة امنيا وانتهى أمرها؟
من تابع قليلا من وسائل الإعلام التونسية في الايام التي أعقبت الهجوم الإرهابي على متحف الباردو الأربعاء الماضي، لا شك أنه سمع الكثير من العتب على أداء السلطات المدنية والأمنية. بل وصل الأمر إلى جلد الذات أكثر مما يجب، بلا داعٍ.
جزء من جلد الذات هذا يجد تفسيره في هامش الحرية الذي تتمتع به وسائل الإعلام التونسية منذ ثورة 2011. حرية تحوّلت إلى مشكلة في بعض الأحيان. وجزء آخر يجد تفسيره في حجم الصدمة التي أصابت المجتمع التونسي وما خلفته من ألم وخوف وحتى حرج أمام الرأي العام الدولي. هناك انطباع يتكرس إقليميا ودوليا أن تونس هي الناجي الوحيد من فوضى ما بعد الربيع العربي، وبات كثير من التونسيين يخشون على فقدان هذا الاستثناء وما يخلفه من شعور إيجابي يشكل مصدر فخر لهم.
لكن هناك حقيقة تغافلتها وسائل الإعلام التونسية وقفز عليها كثير من المتحدثين التونسيين والأجانب تعليقا على الهجوم الإرهابي. هذه الحقيقة هي أنه لم يعد هناك سلم وأمان مطلقان. زمن صفر هامش الخطر ولىّ إلى غير رجعة. وتونس هنا لن تكون الاستثناء.
لنعد قليلا إلى الوراء، الماضي القريب، فنرى أن كل الدول والمجتمعات كان لها نصيبها، فاستوت الدول القوية بالضعيفة والغنية بالفقيرة، وصاحبة الخبرة والسطوة بالمسالمة: الولايات المتحدة لديها 11/09/2001. بريطانيا لديها 07/07/2005. إسبانيا لديها 11/03/2004. المغرب لديه 16/05/2003. فرنسا لديها 07/01/2015 (شارلي إيبدو)، إضافة إلى رصيد من التفجيرات في صيف 1995. إلى جانب كل هؤلاء، سبق آخرون في الاكتواء بذات النار والألم، وسيلحق آخرون لسوء الحظ. لا أحد أفضل من أحد.
بل هناك ما يشفع لتونس. فهي ليست دولة أمنية قوية، وليست صاحبة باع في العمل الاستخباراتي المتعلق بالجماعات الإرهابية المسلحة. حال تونس اليوم هو أنها تخلت عن القبضة الأمنية التي بناها وكرّسها الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ولم تمتلك من الوقت والاسباب بعدُ للانتقال إلى منظومة أمنية بديلة تتماشى مع ظروفها الجديدة. باختصار: تونس في ظروف أمنية انتقالية لا تمكنها من تفادي هجوم كالذي حدث على متحف الباردو.
إذا كان لا بد من وقفة وتساؤلات، فيجب أن تكون حول التفاصيل: كيف أمكن لإرهابيين أن يدخلا إلى متحف الباردو مزودين بأسلحة رشاشة؟ الباردو متحف شهير كان يجب أن يخضع لرقابة بالكاميرات وفي المداخل والمخارج حتى في الظروف العادية، فكيف دخل المسلحون ومن أين؟ وقبل ذلك كيف وصلوا إلى قلب المدينة وبحوزتهم الأسلحة الرشاشة؟ لماذا لم يعترض سبيلهم أحد، ولو بالصدفة؟ الأمر يبدو إهمالا أكثر منه إخفاقا أمنيا (لو أن النتيجة، في نهاية المطاف، كارثة).
ورغم ذلك، هناك إفراط في جلد الذات. بعض الأحيان تبدو ذاكرة الناس قصيرة وعاجزة، بمن في ذلك من يجلدون ذاتهم في تونس هذه الايام. كثيرون نسيوا أن القبضة الأمنية والاستخباراتية التي فرضها نظام بن علي لم تمنع الهجوم على معبد الغريبة في جزيرة جربة (11 نيسان/أبريل 2002 ـ 16 قتيلا بينهم سياح غربيون). ليس هجوم متحف الباردو أسوأ بكثير من هجوم معبد الغريبة، رغم اختلاف السياقات ووجود «ظروف مخففة» في الهجوم الأخير.
للأسف، يجب أن نمتلك جرأة القول إن ما حدث في تونس في الثامن عشر الجاري سيحدث مثله وأسوأ منه في المستقبل، في تونس أو في غيرها. لا مفر. المطلوب إلحاحا هو العمل على تخفيف الأضرار، أما المنع، فبات ضربا من ضروب الماضي الجميل.
لسوء حظنا جميعا أن نمط انتشار و»عمل» هذه المجموعات الإرهابية يجعلها غير قابلة للاستئصال أمنيا وعسكريا.
ولسوء حظنا أن هذا الانتشار الصارخ للقنوات الفضائية ووسائط التواصل الاجتماعي يجعلنا نعيش الحدث بصدى مضخم عدة مرات، لأن الروايات تكثر وتتناقض فتكون الحقيقة هي الضحية الأولى.
ولسوء حظ القائمين على الأجهزة الأمنية في كل مكان من هذا العالم أن هجوما واحداً مثل الذي حدث في تونس أو أقل منه ينسف سنوات وشهورا من جهدهم وخططهم. تعتقل 499 شخص فلا أثر ولا كلام. يبقى واحد فقط يستطيع أن يحدث فتنة. تنجح في منع 99 هجوما إرهابيا فلا يهتم لأمرك احد، ثم «ينجح» هجوم واحد في إصابة الهدف فينسف كل شيء وتبدو كأنك لم تفعل شيئا. والسبب الصدمة والتأثير الناجمين عن «الفعل» وعن تلك التغطية الإعلامية المكثفة له وذلك الإعلام الاجتماعي الذي ينفخ كل صغيرة وكبيرة.
مَن منا يتوقف عند الأخبار التي تمر في ذلك الشريط المتحرك أسفل الشاشات يوميا من نوع «السلطات المغربية تقول إنها فككت خلية إرهابية كانت تعتزم تنفيذ هجمات في مدن متفرقة»، أو «القبض على شاب كان يحاول تفجير نفسه في سوق جنوب عمان». بل كم منّا يصدّق هذا النوع من الأخبار؟
ومَن منا لم يسخر من أخبار من نوع «واشنطن تغلق سفارتها بالقاهرة (أو غيرها) بعد ورود معلومات عن احتمال استهدافها»؟
بل ظل هذا النوع من الأخبار يثير حفيظة الحكومات المضيفة فتحتج عليه، وتعتبره بعض الشعوب استهدافا لها ولسمعتها.
ختاما، ليس من المعيب أن تتعلم تونس والآخرون من الحكومات والمجتمعات الغربية الديمقراطية التي تؤلمها هجمات من هذا النوع لكنها لا تسمح لنفسها بالغرق في تأنيب الذات وجلدها.
٭ كاتب صحافي جزائري
توفيق رباحي