كفى ظلما لأوسلو: العيب فيكم!

حجم الخط
10

رصدت في الأسابيع الثلاثة الماضية أكثر من خمس مقالات لكتاب فلسطينيين، يُحمّلون فيها بؤس الوضع الفلسطيني، كليا او جزئيا، مباشرة او مداورة، إلى اتفاق اوسلو.
ذلك طبعا بالاضافة إلى تصريحات وبيانات وأحاديث لفلسطينيين، مسؤولين في هذا التنظيم او ذاك، تصب في البحر ذاته، وتتدفق في المجرى ذاته، محملة اوسلو المسؤولية عن كل الموبقات التي يعاني منها الشعب الفلسطيني في الوطن وفي دول اللجوء. ويضاف إلى كل هذا الكم الضخم، ما تتحفنا به وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، التي مكنت كل من «يفك الحرف»، أن يمنح نفسه أي لقب يشاء، ويقول في اوسلو ما قاله مالك في الخمر، او يزيد. ويطل علينا بعد ذلك، عبر فضائيات مهمة، وفضائيات أقل اهمية، هذا العبقري او ذاك، بعد أن يكون قد حجز لنفسه مسبقا خانة «مفكر عربي»، او اكثر من ذلك، خانة «مفكر اسلامي»، ليقول لنا، بصوت جهوري ووجه عابس، أن اوسلو كارثة اصابت الشعب الفلسطيني، ولا خلاص لهذا الشعب المنكوب الا بالغاء ذلك الاتفاق وكل ما ترتب عليه.
هذا التجني الصارخ على اتفاق اوسلو، يجيء تهربا من تحميل السياسة والاداء الفلسطيني المسؤولية الكاملة عما آلت اليه الاوضاع الفلسطينية. وفي بحث هؤلاء الدؤوب، يحولون هذا الاتفاق إلى شماعة، يعلقون عليها كل خيباتهم وتقصيرهم في الاستفادة مما فتحه اتفــــاق اوســـلو من ابواب مشرّعة، كان يمكن لها أن تشكل اساسا متينا لبناء دولة فلسطينية ديمقراطية مستقلة. وإن لم يكن على كل «ارض فلسطين»، فعلى جزء منها على الاقل. من دون أن يغلق الباب في وجه أي امكانية اخرى، او أي حل يمكن أن يكون منصفا ومقبولا وممكنا في مقبل الايام.
يستدعي وضع الامور في سياقها الصحيح، وصولا إلى حكم منصف على اتفاق اوسلو، تذكر ما كان الوضع عليه. وللتذكير فقط نقول إن اتجاه حركة الفلسطينيين، (بفعل هروب المدنيين من ساحات القتال والطرد المبرمج والنزوح والإبعاد)، منذ النكبة عام 1948، ولغاية اقرار اوسلو، كان من الوطن إلى المهاجر ودول اللجوء، واصبح منذ اوسلو معكوسا، من المهاجر ودول اللجوء إلى الوطن. ونذكر في هذا السياق أن الدفعة الاولى من مبعدي حركتي حماس والجهاد الاسلامي إلى مرج الزهور قد عادت إلى الوطن بعد اعلان اتفاق اوسلو، وقبل اربعة ايام من توقيعه رسميا، وكان عددهم 189 مبعدا، فيما عاد المبعدون الاخرون، وعددهم 214 مبعدا، بعد توقيع الاتفاق بثلاثة اشهر.
هذه الاعداد القليلة من المبعدين العائدين، يقابلها اكثر من اربعمئة الف فلسطيني عادوا إلى الوطن، في السنوات السبع الاولى لاوسلو، واصبح عددهم الان بحدود الخمسمئة الف حسب بعض التقارير. واذا كان سيل العودة هذا قد انقطع، خاصة مع اندلاع الانتفاضة الثانية، وما رافقها من دم ودمار وتفريخ لاسماء كتائب وفصائل، فإن المنطق السليم يتمثل بمساءلة ومحاسبة السياسة والاداء الفلسطيني، وليس القفز إلى شتم اوسلو. واذا كان يتم تحديد اعضاء البرلمان (المجلس الوطني) الفلسطيني بالتعيين والتوافق، لتعذر اجراء انتخابات ديمقراطية لاسباب مفهومة، خارجة عن ارادة الفلسطينيين، فإن تأسيس وانتخاب اعضاء برلمان (مجلس تشريعي) يمثل الفلسطينيين في الضفة الغربية (بما فيها القدس طبعا) وقطاع غزة، هو وضع اللبنة الاولى البالغة الاهمية في بناء واقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية. واذا كانت الامور لم تتقدم وتتطور وتنمو كما كان مفترضا وممكنا، فان من الظلم تحميل اوسلو المسؤولية، عن سياسة عقيمة وأداء ركيك، ثم اذا كنا قد أسسنا وأقمنا أجهزة أمن وطنية، وابقينا بمحاذاتها ميليشيات، لكل منها مرجعيتها وقيادتها الخاصة، ولبعض منها اجندتها وارتباطاتها غير الوطنية، بل وغير القومية ايضا، فان اوسلو بريء من ذلك، والذنب كله محصور في السياسة الحمقاء، التي لم تع أن الميليشيات قادرة فقط على تدمير دولة وافشالها، وليست مؤهلة لأن تحفظ دولة، فكيف والحال هو دولة في طور التشكّل والتكوين. وإذا كان المجتمع الدولي قد منح الفلسطينيين بعد اوسلو، وبفضل اوسلو، دعما واحتضانا وتأييدا وترحيبا، فما هو ذنب اوسلو إن صرفنا بتبذير مؤسف وغير مبرر، كل رصيدنا من الاخطاء المسموحة؟ بل أننا انجزنا ذلك بسرعة مثالية، خلال اقل من عقد من الزمن. وتابعنا بعد ذلك ارتكاب حماقات، بحق شعبنا في الاساس، وكذلك في اختيار وسائل واساليب واهداف في مواجهة عدونا وتجاوزاته، فاعطيناه المبرر، وهو المدجج بالسلاح والتحالفات والإمساك بعصب الاعلام المشكل للرأي العام، للانتقام وللتحلل من الالتزامات التي جاء بها اتفاق اوسلو.
يبقى اخيرا أن نذكر أن أساس اي اتفاق كان، هو الجدول الزمني لتنفيذ كل واحد من بنوده. وعندما أقدمنا على ادخال ثلاثة افراد فقط من كوادر منظمة التحرير، تهريبا وليس بالطريقة التي نص عليها اتفاق اوسلو، اقتنص اسحق رابين الفرصة واطلق جملته الشهيرة «ليست هناك تواريخ مقدسة»، مفرغا الاتفاق بذلك من الاهم بين بنوده. ما ذنب اوسلو بذلك؟ من الحكمة أن نبذل جهودا حقيقية وجدية لنعود حيث كنا، لنضع قدما فلسطينية ثابتة على طريق يؤدي إلى تحقيق الهدف الاسمى: اقامة دولة فلسطينية ديمقراطية مستقلة.
لم يحرز الفلسطينيون مكسبا وانتصارا في صراعهم ضد الحركة الصهيونية، منذ انشائها قبل مئة وعشرين سنة، في عام 1896 وحتى الان، مثل اتفاق اوسلو. ولم يضيع الشعب الفلسطيني منذ النكبة عام 1948، فرصة اثمن من اتفاق اوسلو. لقد اعطى اوسلو الحركة الوطنية الفلسطينية اتفاقا اكثر اهمية واكثر وضوحا مما اعطاه وعد بلفور للحركة الصهيونية. وشكل ذلك الوعد رغم ذلك اساسا بَنَت عليه الصهيونية مداميك بناء اسمه اليوم اسرائيل.
كفى ظلما لاوسلو. العيب فيكم.

٭ كاتب فلسطيني

عماد شقور

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية