كلمات في تأبين المفكر العروبي كلوفيس مقصود

حجم الخط
3

نلتقي في مناسبة حزينة جداً على الجالية العربية الأمريكية بوفاة عميدها وأحد أبناء الأمة العربية البررة وذلك لتأبين فارس ورجل ومفكر ومناضل عروبي هو الدكتور كلوفيس مقصود. قبل أن يكون كلوفيس دبلوماسيا وسفيرا لحكومات جامعة الدول العربية فقد كان سفيراً للشعب العربي قاطبة. هذا الرجل بالرغم من ولادته في أمريكا قبل ما يقارب التسعين عاماً حيث كان أقرانه يتهربون من تعلم اللغة العربية والانقطاع عن جذورهم العربية لأسباب عدة يتعلق هذا الشاب العملاق منذ صباه بالعروبة ويعشق ثقافتها ولغتها وتاريخها وقيمها.
وهذا الرجل الصلب هو سبيكة لأب ماروني وأم أرثوذوكسية وتزوج من سيدة بيروتية بعمقها الطرابلسي ونشأ في بيئة درزية. هذه الخلطة جعلت منه لبناني الجذور والتنوع وعروبيا حتى النخاع والعمق والعود ويساري الهوى يدافع بكل صلابة عن الإسلام والمسلمين ويقف ضد أي تمييز يطالهم ويعتبر أن هناك ترابطا جدليا بين العروبة والإسلام ثقافيا وحضاريا وسياسيا ولا انفكاك لهذه الجدلية.
كان الطرف الآخر في حيرة من أمره لأي دين ينتمي المرحوم. لقد كان ينتمي لدين الحق أينما كان. ولكن بالرغم من الألقاب العديدة التي يحملها كان أحبها إلى قلبه هو العروبي وكان تميزه وأصالته وشجاعته وكفاحه من أجل الأمة العربية وحقوقها هي من الومضات التي لفتت إنتباه العديد من زعماء وقادة ومفكري العرب والعالم. فقد كانت له علاقات وثيقة الصلة ومتميزة على سبيل المثال لا الحصر مع كمال جنبلاط وجمال عبد الناصر ومحمد حسنين هيكل وياسر عرفات ونهرو وابنته أنديرا غاندي وجوزف بروز تيتو وكذلك مع العديد من المفكرين والشعراء والأدباء والفنانين منهم عمر أبو ريشة ونزار قباني وإدوارد سعيد وغسان تويني وأم كلثوم وإحسان عبدالقدوس وفيروز وغيرهم بالمئات من نجوم الفكر والثقافة والسياسة والأدب. لكن الأهم من ذلك هو ما زرعه من حب وتقدير في قلوب الشباب والمفكرين والمثقفين العرب لأنه كان أحد أصحاب المشاعل الوهاجة التي كانت تنير الدرب نحو الهدف الصحيح للخروج من النفق المظلم والذي وجدت أمتنا العربية نفسها فيه حيث كان طيلة عمره وحتى آخر ساعة من حياته حاملاً لمشعل الفكر والدفاع عن الكرامة العربية والثوابت. لا تخطئ بوصلته سلّم الأوليات والأهداف التي يجب التفرّغ لها.
فقد ساهم في تأسيس العديد من الجمعيات العربية في أمريكا وكان الصوت القوي في كافة وسائل الإعلام العربية والمحافل الدولية ودائم الحضور في أي موقف حق للدفاع عن العروبة وقلبها فلسطين.
لعلها كانت أكثر من صدفة وربما إلهاما ونبوءة من الفقيد أن يكون آخر نشاط له في حياته إصراره على حضور الندوة الألف المقامة في «مركز الحوار العربي» للسيد صبحي غندور مساء الأربعاء الرابع من شهر أيار/مايو الحالي. قال مازحاً إنه سيكون سعيداً بالندوة الواحدة بعد الألف نظراً لدماثة خلقه وحبه وإيمانه العميق بالحوار وما يقدمه «مركز الحوار» من خدمة جليلة للجالية العربية والفكر وشبّه هذه الليلة بليلة من ليالي «ألف ليلة وليلة». وكم كان المرحوم سعيداً وكأنه في أحد أجمل أيامه وهو يشارك في هذه الندوة ويشارك في طرح أفكاره والرد على مداخلات الحضور وسعادتهم بلقائه بعد طول غياب قضاها في أروقة المستشفيات وكانوا فرحين بوجوده بينهم من خلال حرص العديد على أخذ الصور التذكارية معه في ظاهرة لم أكن أعرف في ذلك الحين أنها إحساس وهاجس لدى الجميع بأنها قد تكون الندوة الوداعية لكلوفيس، إذن لابد من الوداع بكل ما تمليه هذه الكلمة من عواطف.
أستاذنا العزيز، رحمك الله كم كنت كبيراً وكريماً مع الجميع تكرمهم وتوصيهم ببعض الوصايا والعبر. فعندما كرمت الأستاذ صبحي غندور بباقة ورد كانت عربون محبتك ل»مركز الحوار» وشخصه وللدور المهم الذي يقدمونه بمناسبة الندوة الألف وكذلك عبارتك الكريمة واللطيفة لي، وهي شهادة أفتخر بها بفرحك وسعادتك واهتمامك بأحد أبنائك وطلابك أثناء وبعد إنهاء كلمتي عن بحث أعددته حول «أهمية الحوار كضرورة والبعد عن الجدل البيزنطي»، بقولك لي «الحكمة ينطق بها صاحب مكتبة الحكمة» والتي هي تحفيز للجميع لطلب الحكمة لأنها ضالة المؤمن.
وأخيراً لا يسعني إلا أن ادعو وأصلي لروح الفقيد بالرحمة والهناء في جنات الخُلد بعد رحلة طويلة من الكفاح والنضال من أجل الحق ومبادئه والتي نذر حياته لها وهي سنة الحياة أن لا بد لكل فارس أن يترجل بعد أن قدم كل ما يستطيع وأنار الدرب للآخرين لمواصلة السير بكل شجاعة وعلم لنيل الحقوق العربية.
رحمك الله يا فقيدنا الغالي. نم وأنت قرير العين بما قدمت وأنجزت ولتلتحق بحبيبتك ورفيقة عمرك المرحومة والمناضلة العروبية هالة سلام التي تميزت بفوزك بكسب الهالتين هالة سلام مقصود وهالة الفكر والنضال وحب الشرفاء العرب وتقديرهم، وكما أخبرتنا بظرفك المعهود فقد تحققت نبوءة والدك المرحوم عندما سأله أحد الناس عند ولادتك بماذا رزق، فقال «صبي بشع ولكنه مهيوب» فكنت قاسيا وبشعا مع أعداء العروبة ومهيوبا أمام أبناء الأمة العربية جمعاء وجسدت المقولة بكل حق (وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا).
وكما أود أن أشكر باسمي والعديد من محبي وأصدقاء المرحوم بعض الأخوة الأصدقاء المخلصين للمرحوم وأخّص بالذكر الأستاذ مسعود جبران الذي كان الأخ والإبن البار والرفيق للمرحوم حتى آخر لحظات عمره وكذلك الأخوة الدكتور موريس عطية والمحامي البيرت مخيبر والأستاذ صبحي غندور وغيرهم الذين جسدوا بحق أصالة العربي ووفاءه وإخلاصه وكونه نموذجاً للحلم الذي ظل يسعى له المرحوم طوال عمره.

كاتب عراقي وصاحب مكتبة الحكمة في واشنطن

كلمات في تأبين المفكر العروبي كلوفيس مقصود

ضياء السعداوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية