في 15 تشرين الثاني/أكتوبر، ستنعقد لجنة التعيين في وزارة الخارجية لاختيار السفير القادم إلى تركيا. وبين المرشحين للمنصب ذكر الناطق بلسان الوزارة عمانويل نحشون الذي سبق أن خدم في تركيا؛ المسؤولة عن السفارة في أنقرة أميرة اورون، سفيرة إسرائيل في اليونان ايريت بن آبا، والملحق السياسي في السفارة ايضا ايتان نافيه. ولكن أحدا لن يصاب بالصدمة إذا قرر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يتولى منصب وزير الخارجية أيضا إذا ما قرر ان يعين في المنصب شخصا مقربا له بسبب الاهمية الشديدة التي يوليها للعلاقات مع تركيا.
في اللحظة التي تعلن فيها إسرائيل عن تعيين السفير وترسله إلى أنقرة، ستفعل تركيا ذلك أيضا. وأفادت وسائل الإعلام التركية بان المرشح للمنصب في تل أبيب هو كامل اوكام، دبلوماسي مقرب جدا من أحد المستشارين الهامين للرئيس رجب طيب اردوغان.
وكان القرار باعادة العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى السفراء اتخذ قبل اكثر من أربعة اشهر، في اطار اتفاق المصالحة بين الدولتين. كان يخيل للطرفين ان الزمن ملح لإنهاء هذا الفصل البشع وفتح صفحة جديدة في العلاقات بسرعة. ولكن يبدو الان أن احدا لا يجد الحاحا وان الطرفين يفضلان العمل ببطء.
ومثلما يتحدثون عن العلاقات مع مصر بتعابير «السلام البارد»، ينشأ الانطباع بان ما يحصل مع تركيا هو «مصالحة باردة». فكل البنود التي تبلورت في الاتفاق تكاد تثير الخلاف. فقد حولت إسرائيل إلى الحكومة التركية نحو 21 مليون دولار، والحكومة في أنقرة ستؤسس صندوقا خاصا وستوزع الاموال لعائلات عشرة القتلى وباقي المصابين في الحدث.
وبالمقابل تعهدت تركيا بان تسن قانونا يمنع رفع دعاوى ضد ضباط كبار في الجيش الإسرائيلي ممن كانوا مشاركين في تخطيط وقيادة الحدث.
وقد سن القانون في البرلمان التركي ولكن يبدو في الاسبوع الاخير ان الامور تتعقد. فقد أعلنت المنظمة التي نظمت رحلة سفينة مرمرة وعائلات الضحايا بأنهم غير معنيين بالمال الإسرائيلي «القذر» بل باحقاق العدل. وقد رفعوا التماسا إلى المحكمة ضد القانون، وسيتم التداول في التماسهم الشهر القادم.
ولكن ما يقلق إسرائيل حقا هو البند الذي تعهدت به تركيا بأن تبعد عن اراضيها نشطاء الذراع العسكري لحماس وتغلق مكاتبهم. وبخلاف ذلك، يسمح اتفاق المصالحة لموظفين من حكومة حماس العمل في تركيا.
خطة الانقلاب
أردوغان، الذي لم تخبُ تطلعاته لأن يكن مثابة سلطان القرن الـ 21 وأن يقود العالم الإسلامي السني المعتدل، ولا حتى بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت ضده قبل بضعة اشهر، يرى نفسه سيد حركة الاخوان المسلمين التي تعد حماس فرعها الفلسطيني. وعلى هذه الخلفية ايضا علاقاته المتوترة مع مصر وحكومة الرئيس عبدالفتاح السيسي.
في الاتصالات التي سبقت اتفاق المصالحة أصر المفاوضون من إسرائيل على طرد رجال الذراع العسكري لحماس من تركيا. وكان هذا مطلبا أصرت عليه أسرة الاستخبارات، الامن، الجيش والموساد عليهم.
في البداية رفضت تركيا الطلب. وادعى مندوبوها بأنهم لا يشاركون التمييز الذي تضربه إسرائيل بين الذراع العسكري والسياسي. بالنسبة لهم حماس هي منظمة واحدة، كفاحها ضد الاحتلال الإسرائيلي كفاح عادل وبالتأكيد لا يرون فيها منظمة إرهابية. وبعد ذلك عدل الاتراك موقفهم ووافقوا على أن يبعدوا عن تركيا صلاح العاروري، قائد فرع كتائب عز الدين القسام.
ومن تركيا انتقل العاروري إلى قطر، التي هي أيضا قاعدة لحماس وان كانت بعيدة. ففي قطر يستقر منذ سنين (منذ غادر دمشق على خلفية الحرب الاهلية) رئيس المكتب السياسي خالد مشعل، الذي فشلت محاولة لاغتياله في الاردن قبل اكثر من 19 سنة.
وبالمناسبة عاد مشعل واوضح مؤخرا بانه سيعتزل منصبه في نهاية السنة، وحرب الوراثة تدور بكامل شدتها حين يتنافس على القيادة نائبه موسى أبو مرزوق الذي يستقر في مصر و«رئيس حكومة» حماس في غزة اسماعيل هنية.
إن الرعاية التي تضفيها قطر على رجال حماس وعلاقاتها مع المنظمة لا تزعج إسرائيل لمواصلة انتهاج علاقات معها على مستويات مختلفة. فقطر هي المتبرعة الاساس لاعمار القطاع، وهي مصلحة إسرائيلية واضحة كما ينبغي الافتراض، مثلما أشار مرة اخرى هذا الاسبوع وزير الدفاع ليبرمان. في إسرائيل يأملون ايضا بان تساعد قطر، بفضل علاقاتها ونفوذها في بلورة صفقة تبادل في اطارها تعاد إلى إسرائيل جثتا الجنديين اورون شاؤول وهدار غولدن والمدنيين الثلاثة الذين تحتجزهم حماس. مع أنه في هذه المرحلة، بسبب الفجوة الواسعة في مواقف الطرفين، لا تبدو مثل هذه الصفقة في الافق.
في إسرائيل أملوا بان تعمل تركيا أيضا كوسيط في الصفقة، ولكنها تكاد لا تتدخل حاليا في هذا الموضوع، رغم طلبات وجهتها شخصيا في إسرائيل بمن فيهم مندوب رئيس الوزراء إلى المفاوضات على الاسرى والمفقودين ليئور لوتان في أن تمارس نفوذها على حماس.
وبالمناسبة، فقد قللت تركيا ايضا حتى الان في تقديم المساعدات الإنسانية إلى سكان القطاع وذلك رغم الخطابة المتحمسة لاردوغان في الموضوع، والذي اكثر قبل اتفاق المصالحة من اتهام إسرائيل (بجرائم حرب).
المساعدة المباشرة التي قدمتها تركيا كتبرع بلغت بضعة الاف اطنان الادوية، الاغذية، الالعاب وغيرها، التي حملت على سفينتين وفرغتا شحنتيهما في ميناء اسدود، ومن هناك نقلت الشحنة كالمعتاد بالشاحنات إلى غزة. وكامل المساعدة التركية تساوي من حيث القيمة نصف كمية البضائع (نحو 400 شاحنة) تنقلها إسرائيل إلى القطاع كل يوم.
تسليم إسرائيلي
قبل أن يوقع اتفاق المصالحة قدر زميلي اليكس فيشمان في «يديعوت احرونوت» بأن تركيا لا تعتزم طرد نشطاء الذراع العسكري من اراضيها. وبالفعل، فحسب معلومات لدى جهاز الامن، فإن القيادة التي اقامها العاروري في تركيا تعمل كالمعتاد ويقف على رأسها قائد آخر، يواصل تلقي التعليمات من العاروري الذي في قطر. ويواصل نشطاء الذراع العسكري الخروج والدخول من وإلى تركيا كالمعتاد وتخطيط العمليات ضد إسرائيل.
لقد سبق لإسرائيل ان رفعت مرات عديدة شكاوى على ان هذا البند في الاتفاق لا يطبق، ولكن حكومة اردوغان، التي تواصل الانشغال باصداء الانقلاب العسكري، مطاردة معارضيها الحقيقيين والوهميين، التنكيل بالإعلام وسلسلة اخرى من خطوات القمع والمس بالديمقراطية، تتجاهل التوجهات الإسرائيلية. رغم الغضب في إسرائيل، ولا سيما في أوساط جهاز الأمن والاستخبارات، لا تنوي الحكومة كسر القواعد. وعليه فان إسرائيل عمليا تسلم بالخرق التركي للاتفاق. وحتى ليبرمان، الذي عارض الاتفاق منذ بداية الاتصالات، قبل وقت طويل من تسلمه مهام منصبه، وكان بين القلائل الذين لم يوهموا أنفسهم بان تركيا ستفي بالتزاماتها يعرف بأنه لا يمكن عمل الكثير في هذا الشأن. مجال المناورة الإسرائيلية محدود جدا.
يمكنها أن تبلغ تركيا بأنها هي ايضا تتراجع عن اتفاق المصالحة أو ببساطة تسلم بالوضع وتنتظر فرصة في المستقبل قد يكون ممكنا فيها اقناع حكومة اردوغان بطرد قيادة حماس.
لإسرائيل مصلحة خاصة في تطبيع العلاقات مع تركيا، وهي تأمل على نحو خاص التوقيع معها على اتفاق لبيع الغاز من حقل لافيتان. وزار وزير الطاقة والبنى التحتية يوفال شتاينتس تركيا مؤخرا والتقى مع نظيره الذي هو صهر اردوغان.
كما تأمل إسرائيل ايضا بانه رغم «المصالحة الباردة» قد يكون ممكنا اعادة بناء ولو قليلا من العلاقات الأمنية والاستخبارية بين الدولتين. الفرص لذلك ليست كثيرة، ولكن في ضوء التقلبات في الشرق الاوسط لا يمكن أبدا للمرء أن يعرف، ولعله تنشأ فرصة تسمح لتركيا باجراء «تعديل» ما.
يمكن فقط أن نقدر بان هذا يمكن أن يحصل إذا ما وجدت تركيا نفسها في مواجهة جديدة وبشدة أكبر مع إيران بسبب تدخلها العسكري في الحرب في العراق بشكل عام وفي المعركة على مدينة الموصل بشكل خاص. ومنذ الان يوجد توتر شديد بين أنقرة وطهران. فالحكومة العراقية تطلب من الجيش التركي الخروج من اراضيها، ولكن يبدو أن اردوغان يمتنع عن ذلك حاليا.
وبحجة الحرب ضد داعش اجتاح الجيش التركي العراق كي يمنع اقامة دولة كردية مستقلة في شمال الدولة ولقطع التواصل البري الذي تسعى إيران لان تقيمه من مجالها، عبر العراق إلى سوريا ومن هناك إلى لبنان. إذا ما تشكل مثل هذا التواصل يمكن أن نسميه الطريق السريع الشيعي العام.
اذا ما وقع على هذه الخلفية تقارب بالفعل بين القدس وأنقرة، سيكون ممكنا التقدير بأنه مثلما في الماضي فإن من سيقود الاتصالات في هذا الموضوع سيكون رئيس الموساد يوسي كوهن الذي كان مشاركا في المحادثات على اتفاق المصالحة، بحكم منصبه السابق كرئيس مجلس الامن القومي.
ونشر في الماضي بان رئيسي الموساد مئير دغان وتمير باردو مثل اسلافهما منذ عهد ايسار هرئيل في الخمسينيات، التقوا مع رؤساء المخابرات التركية. وفي مثل هذه الحالة سيعقد ايضا لقاء بين كوهن ونظيره هاكان فيدان، ولعله يمكن حينها لكوهن ان يقنع فيدان باغلاق قيادة حماس في تركيا واستخدام نفوذه من اجل صفقة تبادل الجثمانين، الاسرى والمخربين مع حماس.
معاريف 4/11/2016