■ يسألونك عن «النرش» في العنوان، وعن أصله وفصله، فقل لهم إنه لقب عائلة السيدة الشقراء ياسمين «النرش»، وهو بهذا المعنى اسم علم، لكنه أيضا صفة وعنوان لسلوك، بدت السيدة «النرش» علما عليه، حين كررت قولتها الخالدة لضابط الشرطة المهان في مطار القاهرة، وسألته في استنكار وقرف «إنت عارف أنا مين؟»، ولم تكن الحادثة منشئة، ولا تعبيرا متفردا عن صلف خاص بالسيدة ياسمين، وهي ابنة ملياردير معروف، وابنة زوجة لاحقة لوزير سياحة سابق، وتملك ـ في ما تملك ـ قرية سياحية، وفيلا شخصية قيمتها 30 مليون جنيه مصــــري، أىي أربعــــة ملايين دولار، ورغبت في اللحاق بطائرتها المسافرة إلى أملاكها بعد الموعد المقرر، وأراد ضابط الشرطة منعها طبقا للتعليمات المرعية، وهو ما كان سببا في انفلات أعصابها، واعتدائها على الضابط المكلف، فقد رأت في سلوكه افتئاتا على القواعد العرفية السارية، التي هي أعلى مقاما من كل قانون، ولم تفعل سوى ما جبلت عليه منذ طفولتها المترفة، وما رأته وتعلمته وما فعلته هي نفسها وغيرها مرارا، سواء بعنفها اللفظي والسلوكي مع الضابط، أو بتذكيرها إياه بامتيازها الطبقي الاستعلائي، الذي يضعها فوق الناس، فهي لم تنشئ سلوكا، بل كان طغيانها وجبروتها كاشفا، وعادة معمولا بها في بر مصر.
ولا أظنك تسأل عن الأخ محفوظ الوارد اسمه بالعنوان قبل النرش، إنه وزير العدل المقال ـ لا المستقيل ـ محفوظ صابر، وقد كان قاضيا يفترض أنه يحكم بين الناس، ثم وزيرا للعدل المضيع، إلى أن تحول في لحظة انفلات لفظي إلى «بعبع»، وإلى موضع حرج بالغ لحكومته والنظام كله، وكانت جريمته أنه أطلق لسانه، وباح بالحقيقة التي يعرفها القاصي والداني، وهي أنه لا يمكن لابن عامل نظافة أن يصبح قاضيا، ومهما كان تفوقه أو امتياز درجاته العلمية. ولم يكن محفوظ يقصد هجاء «الزبالين»، بل تصرف على طبيعته «النرشية» التلقائية، وكشف المستور المسطور في ألواحهم المحفوظة، وقال كلامه «الزبالي» تعبيرا عن أوضاع «زبالة» بامتياز، ونطق بالحقيقة «النرشية» الحاكمة للأوضاع في مصر الآن، وهي أن العين لا تعلو على الحاجب، وابن الزبال ليس كابن القاضي، وابن الفلاح ليس كابن الضابط، وابن رجل الأعمال فوق الكل، وعلى الفقير أن يعرف حدوده، فلا يتخطاها، وأن يرضى بقسمته ونصيبه في نظام طبقي عنصري، ولم يكن قول محفوظ «النرش» منشئا، بل كان كاشفا عما يعرفه ونعرفه، بما دفعه للتعجب من الضجة المثارة بصدد أقواله، وأقسم بالله العظيم أنه لم يقل سوى الحقيقة، والرجل على حق في دفاعه عن النزعة «النرشية» الظاهرة في كلامه، التي جرفت في طريقها كل ما عرفته الدنيا المتحضرة، وكل مبادئ الدستور والقانون والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وكل ما عرفته مصر نفسها من ثورات، فقد كان ذلك «زمانا وجبر»، وثورات وانتهت، مكنت محفوظ نفسه، وهو ابن الفلاح المتواضع، أن يصبح قاضيا، لكنهم أغلقوا الباب من ورائه، وأعادوا نظام الامتيازات الطبقية والوظيفية الذي هدمته ثورة 1952، وعاد الباشوات الجدد إلى مواقع التحكم والأمر والنهي، ولم يعد ممكنا لأبناء العمال والفلاحين أن يصبحوا من القضاة، وليس ما نقوله افتراضا، بل حقيقة صادمة، تكررت ظواهرها، وتداعت في عهد «محفوظ» نفسه حين كان وزيرا للعدل، والكل يعرف قضية الـ138 شابا محروما من الالتحاق بالسلك القضائي، تعلم هؤلاء بكدح عائلاتهم، وحصلوا على أعلى الدرجات في شهادات كليات الحقوق والشريعة، وتقدموا مع غيرهم لاختبار الالتحاق بوظائف السلك القضائي، ونجحوا بتفوق، وصدر قرار المجلس الأعلى للقضاء بتعيينهم في 24 يونيو 2013، ثم لم يصدر قرار رئيس الجمهورية بالمصادقة على تعيينهم إلى الآن، ودونما سبب مشروع ولا معقول، لا في دستور ولا قانون، ولا حتى في قواعد ملاءمة مفهومة، فالتحريات الأمنية جاءت في صالحهم، وكلهم من أسر محترمة لا علاقة لها بالسياسة من أصله، لكن من بيدهم الأمر كان لهم رأي آخر، لم يكتب في أوراق، ولا انزلق به لسان مسؤول متفلت الأقوال على طريقة محفوظ صابر، بل سرى كقاعدة عرفية لها قوة القانون، وكقاعدة «نرشية» طبقية حاكمة، فقد قيل لهم إنه تنقصهم الجدارة الاجتماعية، وإن آباء هؤلاء لم يحصلوا على شهادات جامعية عليا، وإنهم من أبناء العمال والفلاحين، وليس لابن عامل ولا لابن فلاح أن يصبح وكيل نيابة وقاضيا في ما بعد. إذن، فالقصة ليست محصورة في عجرفة ياسمين النرش، ولا في زلة لسان «نرشية» لمحفوظ، بل هي القاعدة السائدة، التي تسرى من زمن، في كافة مجالات الحياة المصرية، في مواسم الالتحاق بكلية الشرطة، وفي دورات الالتحاق بالقضاء، وفي اختبارات الانضمام للسلك الدبلوماسي، وليس مثال الشاب عبد الحميد شتا ببعيد، فقد انتحر شتا بإلقاء نفسه في قاع النيل قبل سنوات، كان الشاب المنتحر غاية في التفوق الدراسي، واجتاز اختبارات الالتحاق الدبلوماسي بامتياز، ثم صدمته الحقيقة «النرشية»، وقيل له إنه ليس مؤهلا اجتماعيا، وإن أهله من الفقراء، وكانت صدمته التي فضل معها الموت على حياة المذلة، وقتها ثارت ضجة إعلامية، وتبارى الكل في «البغبغة»، وتدافعت آلاف الكلمات عن الدستور والقانون والمساواة وتكافؤ الفرص المهدر، ولم يفت ذلك كله في عضد القاعدة «النرشية» الصلبة، فابن السفير أولى بالسفارة، وابن القاضي أولى بالقضاء، ويمكنك الالتحاق بالمقام الرفيع بشروط معروفة، إما أن تكون لك واسطة من الكبار النافذين، أو بالطرق الأخرى المعلومة، فالبلد بلدهم، والدستور دستورهم، والدفاتر دفاترهم، والختم في أدراجهم، وكل اعتبار أو مبدأ آخر يلقى في سلال «الزبالين»، وكلهم محفوظ «النرش»، فلم يكن محفوظ صابر أول قاض كبير ينطق بالحقيقة المخزية، بل سبقه ولحقه آخرون، أحدهم وجه معروف مكشوف، دافع بضراوة عن أولوية حقوق أبناء القضاة في شغل الوظائف القضائية المتاحة، وساق سببا تصوره وجيها، وهو أن ابن القاضي نشأ في بيئة قضائية، ومن حقه أن يصبح قاضيا، حتى لو كان طالبا بليدا، وبدت الأقوال شاذة وخارجة متفلتة من أبسط معاني الدستور والقانون، لكنها سرت ـ مع عوارها ـ طوال العقود الأخيرة بالذات، واسأل ـ من فضلك ـ أي قاض تعرفه عن عمل أبنائه، وسوف تجدهم غالبا في سلك القضاء، ليس بامتيازهم العلمي والخلقي، بل لكونهم ولدوا لآباء قضاة، وحتى لو كان هؤلاء القضاة على درجة رفيعة من الانحراف والبلادة المهنية، فأحدهم جرى انتدابه في دولة خليجية، ولم تمر شهور على عمله، حتى اكتشفوا أمره المشين، فقد تلقى رشوة من أحد المتنازعين، وقرر ولاة الأمور في الدولة الخليجية الغنية ترحيله بعد الاستغناء عن خدماته، وما كان من المنحرف ـ إياه ـ إلا أن بكى كامرأة مفزوعة وملسوعة، ورجاهم أن يبقوا عليه لحاجته إلى المال، ولانت القلوب للدموع، وقرروا توظيفه إماما وخطيبا في زاوية صغيرة، أي أنهم جعلوه يزور في الدين بعد التزوير في الأوراق، وقس إلى ذلك عشرات الأمثلة، والتشوهات بالجملة، وبعضها يثير القرف، كما في حالة قضية منظورة محظور فيها النشر، فتوريث وظائف القضاء كزواج الأقارب، كلاهما يزيد من فرص توريث الأمراض والانحرافات، وتردى الكفاءة المهنية، بدليل أن محكمة النقض صارت تلغي غالب أحكام محاكم الجنايات لانعدام قانونيتها، وبينها أحكام إعدام لمئات الإخوان، وتلك ظواهر خطر، لا يستقيم معها قول المستشار رفعت السيد بعد ضجة محفوظ «النرش»، فقد حاول الرجل، وهو رئيس سابق لمحكمة استئناف، التماس تبرير لأقوال الوزير المقال، وادعى أن قواعد الملاءمة تقضي باستبعاد أبناء الفقراء وذوي الوظائف المتواضعة، وضرب مثالا بالزبال الذي يتسول ويرتشي، وبعســـكري المرور ومحضـــر المحكمـــة، وقال إن هؤلاء يتسولون وقد يرتشون، ومن ثم لا يصلح أبناؤهم، حتى لو تفــــوقوا، لوظــــائف القضــــاة، ولم يقل المستشار السيد شيئا عن ابن القاضي، ولا عن القاضي المرتشي المدان بالتفتيش ودوائر الصلاحية والتأديب، ولا عن احتمال أن يكون «ابن الزبال» أشرف من «ابن القاضي»، فضلا عن احتمال كونه أكثر تفوقا في العلم والأخلاق، لم يقل شيئا يخرج عن قاعدة الامتياز الخلقي «النرشـــي»، التي تؤبد الغني، وتؤبد الفقر، وتجعل الترقي الوظيفي والطبقي، حكرا مخصوصا للمحظوظين، وهو ما لم ينزل به الله سلطانا، ولا نزلت به دساتير وقوانين البشر، ومنذ أطلق النبى محمد (ص) قولته عن مساواة البشر كأسنان المشط، ونبهنا عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ إلى أمهاتنا اللاتي ولدننا أحرارا متساوين، فلا فرق بين ابن الأمير وابن الخفير، إلا بالتقوى والعمل الصالح والتفوق والكدح الإنساني.
نعم، «توريث الوظائف» حالة «نرشية» طبقية عنصرية مفزعة في مصر، وقد نبه إليها حكم جليل أخير أصدره المستشار محمد عبد الوهاب خفاجي، نائب رئيس مجلس الدولة، الذي رد الاعتبار لمبادئ الدستور في المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص، وإن كنا نخشى أن تذهب صرخة القاضي الجليل إلى واد سحيق، فالفصوص أبقى من النصوص، والواقع أقوى من الدستور، والدساتير لا تعمل من تلقاء نفسها، ولا بمجرد تدوين مبادئها في أحكام قضائية ناصعة، قد تكون استــــثناء محدودا على قاعدة مظالم سابغة، تجعل القوانين والدساتير مجرد حبر يجف على الورق، وتحول حياتنا إلى غابة، تفتقد أبسط معاني العدالة الإنسانية والاجتماعية، وتطيح بأحلام الناس في العيش بكرامة، وتجعل الكلمة العليا لأمثال محفوظ صابر وياسمين «النرش»، ويكفى أن تنظر حولك، وأن تكتشف الحقيقة بغيرعناء، فكلهم كذلك، كلهم محفوظ «النرش».
٭ كاتب مصري
عبد الحليم قنديل