الثمن سيدفع الإيرانيين إلى إعادة النظر في خطواتهم. هذا ما ينبغي أن نتذكره إذا ما تمكن الرئيس ترامب من إعادة فتح الاتفاق النووي الموقع مع إيران. لقد أوقف هذا لزمنٍ ما، السباق الإيراني نحو القنبلة، بفضل العقوبات المتشددة التي يصعب على إيران تحملها، ولكن في الوقت نفسه، منح ضوء أخضر لمواصلة التسلل الإيراني إلى قلب الشرق الأوسط.
جاء التصعيد في حدود القطاع بعد أسبوع بالضبط من إسقاط الطائرة غير المأهولة الإيرانية في سماء إسرائيل، ومن بعده الهجوم الإسرائيلي الواسع في سوريا، وإسقاط السوريين طائرة سلاح الجو. ظاهريا، فإنها أحداث منفصلة الواحدة عن الأخرى، لكن يتبين بأن العلامات كلها تؤدي من سوريا ولبنان وغزة مباشرة إلى طهران.
لا يدور الحديث كما في الماضي فقط عن ريح دعم تمنحها إيران للإرهاب، ولا عن مساعدة مالية ووسائل قتالية تنقلها إلى حزب الله وحماس. إذ أن وجود قادة وخبراء إيرانيين، يبادرون بالنشاط الإرهابي ضد إسرائيل ويوجهونه، أمر اعتدنا عليه منذ وقت بعيد. الجديد هذه المرة، تواجد قوات جيش إيرانية في سوريا، تتبع طهران مباشرة وتتلقى تعليماتها منها، للعمل من دون حاجة إلى وساطة قيادة حزب الله أو قيادة حماس. فحسن نصرالله ويحيى السنوار، ليسا، كما هو معروف، من محبي صهيون. ومع ذلك فإنهما يمتنعان في السنوات الأخيرة عن العمل ضد إسرائيل خوفا على مصير أبناء شعبيهما؛ الشيعة في لبنان أو الفلسطينيون في القطاع. وهما يعرفان بأن هؤلاء هم من سيدفع الثمن عند كل مواجهة مع إسرائيل بل ويعرفان من تجربتيهما بأنه عند كل مواجهة، كحرب لبنان الثانية أو حملة الجرف الصامد، سترفع الشكاوى إليهما. ليس هذا، حال القادة والقوات الإيرانية في منطقتنا. إذ ليس لدى هؤلاء من يلجم ويردع، فالبيت في إيران بعيد، ولا يوجد أي خوف من أن يجبى أي ثمن للتصعيد والتدهور من أبناء شعبهم.
فضلا عن ذلك، يخدم الاحتكاك مع إسرائيل الحرس الثوري في صراعه داخل المنظومة الإيرانية لتبرير وجوده وحفظ استقلاله وتعظيم قوته. بالنسبة لهم، تتماثل مصلحتهم مع مصلحة الدولة الإيرانية، وهي الفرضية التي لا يقبل بها معظم الإيرانيين، كما شهدت على ذلك المظاهرات بداية السنة في إيران تحت شعار: «كفى لتبذير الأموال على لبنان وغزة، احتياجات إيران أولى.
يساعد الاحتكاك مع إسرائيل، إيران على تعميق تسللها إلى الهلال الخصيب، الذي ترى فيه مجالا أمنيا حيويا لها. إذ بعد كل شيء، يسعى الإيرانيون – مثل أردوغان التركي – باسم الصراع ضد إسرائيل، إلى التغلب على عدم الثقة التاريخية والخوف في أوساط عديد من العرب من هاتين القوتين العظميين؛ تركيا وإيران، اللتين سادتا على مدى مئات السنين في الشرق الأوسط.
لكن، يتبين أن إسرائيل ليست الوحيدة التي يعمل الإيرانيون ضدها. عمليا، لا توجد دولة عربية واحدة محصنة من تآمرهم. هكذا هو الأمر في البحرين والكويت والإمارات المتحدة، وهكذا هو أيضا في مصر في حينه. وضررهم السيئ، يشعر به الناس بشكل خاص في اليمن الذي يجعلونه رأس حربة، كما في لبنان، حيث يهددون منه، بل ويطلقون الصواريخ نحو السعودية. وفي المستقبل يمكن الافتراض بأن يحاولوا منع الملاحة والحركة الجوية في مضائق باب المندب عند مدخل البحر الأحمر.
إنجازات الإيرانيين في سوريا وفي العراق، وريح الدعم التي تمنحها لهم موسكو وأخيرا انعدام السياسة الأمريكية الواضحة والمصممة، كل هذا يزيد إحساس الأمن، كما يزيد أيضا الاستعداد للاستفزاز والتجرؤ.
حقيقة أن معظم الجمهور في إيران، بل وربما حكومتها، لا يشاركون في نزعة المؤامرة ودق طبول الحرب لا تزيد ولا تنقص شيئا، كون القرار والتنفيذ في نهاية المطاف هما في يد الحرس الثوري والزعيم الروحي آية الله خامنئي.
طالما بقيت الدول الغربية وروسيا أيضا ترى في إيران مصدر استقرار يساعد في الكفاح ضد داعش، وطالما لم تدفع إيران ثمنا على تدخلها وعدوانها في أرجاء المنطقة، فلن ترفع يدها ولن تكف عن خطواتها في سوريا ولبنان وغزة واليمن أيضا. وحده الردع الواضح، وتدفيع الثمن سيدفعان الإيرانيين إلى إعادة النظر في خطواتهم. هذا ما ينبغي أن نتذكره إذا ما تمكن الرئيس ترامب من إعادة فتح الاتفاق النووي الموقع مع إيران. لقد أوقف هذا لزمنٍ ما، السباق الإيراني نحو القنبلة، بفضل العقوبات المتشددة التي يصعب على إيران تحملها، ولكن في الوقت نفسه، منح ضوء أخضر لمواصلة التسلل الإيراني إلى قلب الشرق الأوسط.
إسرائيل اليوم 20/2/2018