«كما سُتِر العرب» لوليد رحمي: استعادة التراث الفلسفي العربي للعشق ومساءلة الراهن

حجم الخط
4

هل لدينا تخيُّلات خاصة عن «يوتيوبيا» مثالية في تراثنا العربي؟ نحاول من خلالها أن نعالج عُقَدَنا، فنؤسس بذلك «جاهلية فكرية» جديدة نعيشُها في القرنِ الواحد والعشرين، مُدَّعين قدسية تراثية، بدون أن يكون لدينا وعيٌ حقيقيٌّ بالتُّراثِ وقضاياه، وبدون فهم لرؤية الأقدمين لنواحي الحياة، لنتورَّط في تحريمات عديدة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا كان الأقدمون يرونها حراما، فكيف إذا ما كانوا قد صنَّفوا فيها المؤلَّفَات، وأفردوا لها التصانيف وأعملوا أذهانَهم في ضُروبِها المختلفة.
ثم نأتي في وقتنا الراهن لننظر إلى قضية «العشق»، و«المتعة» و«ممارسة العلاقة الحميمة» نظرة تحملُ جَلدا للذات وتعنيفا يصلُ إلى حدِّ المرض النفسي الجماعي؟
يقول بكر محمد إبراهيم: «ولقد أدلى كبار العلماء والأدباء بدلوهم في هذا التراث الجنسي عند العرب، ومنهم الإمام السيوطي والإمام ابن قيم الجوزية وعمرو بن بحر الجاحظ، والأصفهاني وعشرات غيرهم»، والسؤال الجوهري هنا: لماذا نُصِرُ على تجاهل المعرفة الجنسية، وتجاهل الرؤية الخاصة بالحب والعشق واللذة الموجودة في مؤلفات عديدة بتراثنا العربي، رغم أن الأقدمين أنفسهم لم يقفوا من هذه المؤلفات موقف التحريم أو النهي، رغم أننا نجدهم قد تصدُّوا بالرفض مع كتابات أخرى مثل كتب المعتزلة أو علماء الكلام أو غيرهم.
من رحم هذا التساؤل يأتي هذا الكتاب «كما سُتِر العرب ـ فن التعاشُق»، لوليد رحمي، وهو كتاب يعيد البحث من جديد في التراث المعلوماتي الفلسفي حول العشق والعلاقة الحميمة لدى العرب، ونلاحظ أنه يصنع تناصا مُدهِشا في العنونة بين كتاب «كاما سوترا» الهندي، الذي يتحدث عن فلسفة الجسد واعتبار السعادة الجنسية وسيلة للصعود بالروح والتسامي بها، لكن في حالتِنا تحوَّل العنوان إلى «كما سُتر»، وهي عنونة تُفجِّر التساؤل منذ البداية حول سَبب الإخفاء والحَجب والمنع، وسبب غياب هذا التُّراث عن عامَّة القُّرَّاء، وعن الأخذ بما فيه من معلومات ومعرفة، لماذا أصبح الحديث عن الجنس بهذا القدر من الكبت والخوف وعدم الحرية؟ ولماذا يقترن دائما بخرق المحظور والتعدي على الثوابت القيمية الفكرية للعقل العربي؟ رغم أن هذا يخالف ميراثا طويلا يصل فيه الأمر إلى حدِّ التنظير العلمي ـ سواء في المسميات أو في الرؤية ذاتها ـ لينتهي الحال عندنا بالمنع والحظر والكبت.
الكتاب ـ الذي عثرت عليه مصادفة بالمناسبة بينما أتصفَّح موقع «أمازون»، وبحثت عنه ـ بلا جدوى ـ في المكتبات العربية في معظم العواصم، بدون أن أصل إلى نسخةٍ واحدةٍ منه، فأرسلت في شرائه عبر الإنترنت من الموقع في أمريكا، ووصلني بعد شهر ونصف الشهر من الانتظار ـ هو بحثٌّ ذكي ومتفرِّد في ميراث طويل وممتد لرؤية العرب للجنس، وهي الرؤية التي يُلخصها الموقف الشهير للأصمعي وامرأة بني عذرة، حين سألها الأصمعي عن العشق لديهم ـ وهي تنسب إلى قبيلةٍ تشتهر بالعشق؛ فأجابته أن العشق لديهم هو «الغمزة والقبلة والضمة»، مردفة إجابتها بسؤاله: فما هو عندكم يا حضري؟ فأجابها بأنه اكتمال الجماع بين الرجل وامرأته، «فقالت: يا ابن أخي، ما هذا بعاشق، إنما هو طالب ولد».
إن القضية في فن التعاشق وفي الحب ليست في المتعة الآنية الوقتية للحظة تُومِضُ مَعَهَا المتعة ثم تنطفئ، وإنما هي تعبيرٌ أساسيٌّ عن ذاتين بشريتين، لكل منهما طباع وسلوك، وباجتماعهما معا يكتملان، وما ممارسة العشق إلا أحد مظاهر هذا التعبير عن التوحد والاندماج وعن تمثيل الشخصية وطبيعتها في سلوك محدد.
حتى إن ابن عربي كان يرى أن اكتمال التواصل الجسدي بين الرجل والمرأة هو اكتمال جسد الرجل، وهو مرحلة من مراحل الوصول للذة المعينة على المعرفة بالله، و(السيوطي) يرى أن لذة الجماع هي من الأشياء التي تُذكِّر اللإنسان بلذَّة النعيم، والتي تكون دافعة له حتى يرغب في الوصول إلى الجنة وإلى النعيم، فكيف انحدر الحال من هذه العرفانية الجنسية، والرؤية التي تبحث عن اكتمال السعادة للإنسان، ذكرا كان أو أنثى، إلى نوع من القمع المعرفي، وتصوير الأمر على النقيض وكأن العلاقة الحميمة شيئا قبيحا، وأمرا مُستهجَنا مُعاقَبَا بِه، وليس مُتنعَّمَا فيه، وإذا ما أخذنا في الحسبان أن المعرفة العربية تضرب بجذورها المُؤسِّسة في وقتٍ كانت فيه قصائد العشق تُبجَّل وتُمجَّد، ويُضرَب المثل بالعشاق، وصولا إلى الغزليين ما بين غزل عفيف وصريح، وفي أجواءٍ مشهدية كانت تتصدرها الإماء والجواري، فإننا نجد أن هذه العصور كانت أكثر حظا منا في رؤيتها لطبيعة الجسد، وأن من يتحدَّث باسم هذه العصور، مُطبِّقَا على غيره تضييقا في حصوله على المتعة عبر الحزم والتنفير وبث الكراهية، فهو إما متعمدٌ إخفاء الحقائق من ناحية، أو لم يصل للمعرفة بما كانت عليه هذه الأصول من ناحية أخرى.
ولعل هذا ما جعل المؤلف يُعنون كتابه «الفريد والغريب»! بـ«كما سُتر»، ليؤكد وجود المعرفة الجنسانية في تراثنا من ناحية، وقيام الكثيرين في عصرنا الحالي ـ متعمدين ـ بإخفاء هذه المعرفة وسترها عن عامَّة القراء، وليس أدل على ذلك من منع كتاب رحمي ذاته من دخول معظم البلدان العربية، رغم أن هذه البلدان فيها العديد من المواد والكتب التي تتناول العلاقة الحميمة في أشكال تجارية وصور استهلاكية وغير علمية، فيبدو أن سبب المنع الأساسي لهذا العمل «المعرفي» أن الكتاب يلقي الضوء على ما في التراث من توطِئة معرفية، ومن استشفاف لعلاقة راقية بين الذكر والأنثى، كما يستمد من التراث جذوره في معالجة هذه الإشكالية القطيعة المعرفية وانبتات التواصلية التي وصل إليها الحال العربي في المعرفة المعاصرة والتناول الحالي لهذه القضية.
وإن كنا نتساءل أيضا: لماذا نجد أن كل من يرغب في الحديث العِرفاني عن الجنس في العصر الراهن يعود إلى التراث؟ هل هي محاولة تأصيل لما تم سابقا، على أمل أن تتم خطوة أخرى لاحِقَة في المستقبل؟ (وهي الخطوة التي لا تجيء غالبا)، خاصة بعدما يتعرض المؤلف ـ أو الكاتب ـ إلى السخط الشديد وإلى المواقف الهجومية، فنجد مشاريعَ عديدَة تبدأ ثم تتوقَّف، لتصبح الأسماء المرجعية في هذا المضمار هي: «السيوطي والقرطبي والنفزاوي وابن البكاء والتيفاشي وابن حزم»، بدون أن يستطيع اسمٌ حديثٌ أن يؤسِّسَ لنفسِهِ مكانة في الكتابة العربية في هذا المضمار، رغم أن كلا من هذه الأسماء لم تكن تقدم «تقديسا» حول مَسألة الجنس، وإنما كانت تُقدِّمُ رؤاها الخاصة، واجتهاداتِها الفِكريَّة، سواء حول دواعي الشهوة، أو الأوضاع الجنسية، أو الأوصاف وكيفية الاختيار، انتهاء بالحديث عن الحور العين.
يتخذ وليد رحمي خطوة إضافية في هذا المجال، فيتقدم بتحليل مجمل لكل الكتب السابقة، فهي إما تعميمٌ يطلق أحكاما عامَّة على حالات متعددة، أو تحريضٌ لإثارة الرغبة، لكن هدف المؤلف هنا تجاوز هذا إلى استحضار حالات اللقاء الجسدي ذاته، في محاولة لعدم الفصل بين الشكل والمضمون، بين الحب وممارسته، فيمضي مع العاشق في مراحله المختلفة، وهو يخاطب وهو يتخيل وهو يداعب وهو يتخذ لنفسه موضعا ومتكأ ليبحر في بحر المحبة آملا الرسوِّ على شاطئ الوصال والقربة، ويلتقط الكاتب ملحوظة ذكية، حين يلفت إلى أنَّ كل ما أُلِّفَ سابقا كان موجها إلى الرجل بمفرده، وكأن المرأة ليست بحاجة إلى المعرفة، ولا يجدر أن يكون لها رأيٌ في حقيقةِ هذا الموضوع، ومن ثم يوجِّه لها النداء، مُستحثَّا إبداعَ الكِتابةَ لديها، لينتظر تقديم مشاركاتٍ أنثويَّــــة في إعـــــادة إنتاج النص الوارد في كتابه، وفي التراث العربي عن فعل الحب والعلاقة الحميمة، إنه توسٌّلٌ بِهنَّ إليهنّ، لكي يتحملن مسؤوليتهنَّ الثقــــافيَّة تجــــاه المشاعر الإنسانية، وتجاه أجيال كاملة يجب عليها أن تتاح لها فرصة التواصل مع تراثها، ومع ما فيه من جماليات إنسانية ورؤية شاعرية ـ فلسفية، للتواصل الحميم من ناحية، وتتاح لها فرصة التعبير بحُريَّة عما بداخلها، وعما يعتمل في نفسِها، نشدانا لعدم وقوع العقل العربي فريسة للانسياق خلف مفاهيمَ مُقتَبَسَة من الآخر؛ رغم أن لدينا ما نقوله، ولدينا ما نضيفه من محتوى معرفي ومعلــوماتٍ ورؤيةٍ في هذا الشأن.
شاعر مصري مقيم في الخارج

«كما سُتِر العرب» لوليد رحمي: استعادة التراث الفلسفي العربي للعشق ومساءلة الراهن

حمزة قناوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية