قبل أن يهنئ الرئيس التونسي شعبه بالسنة الجديدة ويبشره في خطاب، بث على التلفزيون الرسمي، بأنها ستكون سنة الإقلاع، لفظ العام السابق انفاسه الاخيرة على سلسلة كئيبة من الاخبار.
كانت البداية غرق مركب صيد في سواحل المهدية، وفقدان اكثر من عشرة بحارة كانوا على متنه، ثم وفاة خمسة افراد وجرح ما يفوق الخمسين في حادث تصادم بين حافلة ركاب وقطار على مشارف العاصمة تونس. اما في آخر يوم من العام فقد أعلنت السلطات عن حجز اكثر من اربعة أطنان من الدجاج الحي فقط في محافظة الكاف شمال غرب البلاد، بعدما ثبت لها «من خلال المعاينة التي قامت بها الوحدات التابعة لوزارات الصحة والفلاحة والتجارة، أنها غير صالحة للاستهلاك» بحسب ما ذكر موقع الصباح نيوز، وحجز خمسة اطنان من المرطبات الفاسدة كانت في طريقها للترويج في سهرات رأس السنة في حي التضامن، وهو واحد من أكبر الاحياء الشعبية. وخرج مدير حفظ الصحة وحماية المحيط بوزارة الصحة ليصرح لوكالة الانباء الرسمية بأن «التحاليل المخبرية التي اجريت على عينات من علب المياه المعدنية، التي تم حجزها مؤخرا في بعض المحال التجارية في محافظة مدنين، اثبتت عدم صلاحيتها للاستهلاك».
لكن كل تلك الاخبار المزعجة والمخيفة لم تحرك ساكن التونسيين، ولم تترك اثرا ولو محدودا على عاداتهم ولهفتهم وتسابقهم على محال بيع الحلويات والدجاج في مثل ذلك الوقت من كل عام. لقد صارت بمثابة الاشياء الروتينية التي اعتادوا سماعها كل عام، ولم يعد يقلقهم أو يزعجهم لا ارتفاع الأسعار ولا الغش ولا التهريب ولا الفساد، ولا حتى السقوط المستمر لضحايا الاهمال والتقصير، سواء في المستشفيات أو على الطرقات أو في وسائل النقل العام.
هل تمدد اليأس والقنوط واكتسح نفوسهم وقلوبهم وجعلهم لا يقدرون حتى على رفع أصواتهم للمطالبة بزوال الفساد وسقوطه، بعدما تجاسروا قبل ست سنوات على الخروج إلى الشوارع هاتفين بشعار «الشعب يريد اسقاط النظام»؟ وهل فقدوا القدرة والامل في التغيير واستسلموا بسرعة للواقع الذي لا مكان فيه إلا للأكثر قوة وسطوة ونفوذا؟ أم أنهم سقطوا في فخ توجيه وتضليل اعلامي متعمد، جعلهم يغلقون اعينهم ويصمون آذانهم عن مسائل مهمة وحساسة ولا يفتحونها إلا على اخرى مصطنعة وهامشية لا تقدم ولا تؤخر؟
ان المفارقة التي تحير حقا هي أن التجربة الديمقراطية القصيرة التي شرعوا في خوضها قبل سنوات قليلة، لم تستطع حتى الان أن تصهر كياناتهم وتلم شتاتهم وتوحدهم على فكرة أو مشروع أو هدف واحد، بقدر ما جعلتهم أكثر انعزالية ومادية، لا يهتمون لا لمصير بلدهم ولا لمستقبل أبنائهم، بل يلهثون وراء امر واحد فقط هو تأمين خبزهم اليومي وكسب المزيد من المال بأقصر الطرق وأسرعها.
لقد فقدوا الاحساس بمحن الآخرين وآلامهم وصاروا مثل آلات بلا روح، لا يؤمنون ولا يفكرون على الاطلاق بأن هناك شيئا مشتركا يشدهم ويربطهم بأرضهم وهويتهم. والمشكل الاساسي هنا هو ألا احد منهم على اختلاف المواقع والدرجات يعترف ويقر بالمسؤولية والتقصير عن ذلك. فهم يرون انفسهم معصومين ومبرئين من الاخطاء والزلات، وغالبا ما يلقون باللائمة فيما يحل بهم من محن ومصاعب وعثرات على قوى خارجية شريرة لا هم لها سوى استهدافهم والتآمر عليهم.
انهم يذهبون للحلول السهلة والبسيطة ويهربون فورا من كل المشاكل والصعوبات بادراة الظهر لها بالكامل. ولا فرق هنا بين ردة فعل البسطاء والمسحوقين والمنكوبين منهم، ومواقف قادتهم ونخبهم. فمثلما بدا سهلا أن يصرح شقيق انيس العامري الشاب المشتبه في تورطه في حادثة الدهس في برلين بأنه في حال تأكد من أن اخاه هو من قام بالعملية فانه «لا يمثله ولا يمثل عائلته»، فانه كان سهلا ويسيرا ايضا أن يصرح رئيس الحكومة لوكالة الانباء الالمانية بأن العامري «لا يمثل الشعب التونسي الذي صنع ثورة» ثم يلقى بعض المحللين والمراقبين المحليين، وحتى الدوائر القريبة من السلطة بالمسؤولية فيما جرى في برلين على سنوات السجن التي قضاها العامري في ايطاليا، وحولته بنظرهم إلى متشدد. لكن هل كانت السجون التونسية أفضل حالا؟ وهل كان مطلوبا من الايطاليين ألا يسجنوا الشاب بعد أن دخل بلدهم بطريقة غير مشروعة؟ وقبل هذا وذاك ما الذي دفع العامري وآلاف الشباب إلى ترك بلدهم والمخاطرة بالعبور نحو الضفة المقابلة شهورا قليلة بعد هروب بن علي، وتخلص تونس من حكم استبدادي طويل؟ كل تلك التساؤلات تظل كوابيس مخيفة لا أحد يتمنى رؤيتها يوما أو مواجهتها. ولكن الحقيقة تظل رغم كل شيء ثابتة ومعروفة لمن لايزال قادرا وراغبا في الوصول لها.
والجزء الذي قد يكون عصيا على الحجب منها، هو أن اعداد الواصلين بحرا حينها إلى جزيرة لمبيدوزا الصغيرة جنوب ايطاليا ناهز الثلاثين الفا. ولانه كان المستحيل في ذلك الوقت، على الاقل، أن يفكر احد بمصيرهم، أو بالدوافع التي جعلتهم يتركون وطنهم في ظرف بدأت فيه الدكتاتورية بالانزياح، فإن الحل السهل هنا ايضا كان التحجج بان أولئك الشباب لم يكونوا في الغالب سوى شرذمة ضالة من القتلة والمنحرفين، الذين استغلوا حالة الارتباك الامني للهروب من السجون قبل مغادرة البلد بذلك الشكل. والاغرب من ذلك أن الرئيس قائد السبسي نفسه كثيرا ما كان يردد بشيء من الاستنكار والاستغراب كيف تعجز اوروبا، عن استيعاب الثلاثين ألف تونسي، في الوقت الذي تستقبل فيه تونس على محدودية مواردها وظروفها الصعبة اكثر من مليون ليبي وفدوا إليها ابان الحرب الليبية الاخيرة. وكأنه يعطي بذلك النوع من المقارنات المغلوطة، من حيث يشعر أو لا يشعر، ضوءا أخضر لمن لايزالون مترددين في اللحاق بهم، ويجعلهم يأملون في أن تنجح محاولاتهم يوما ما، مادامت القارة العجوز مثلما لمح الرئيس ماتزال قادرة على استقبال المزيد منهم في جنتها الأبدية.
أن المنطق السائد هو أن البلد لا يحمل ابناءه إلى قوارب الموت ولا يدعوهم صراحة لذلك، لكنه لا يمنعهم أو يقف سدا حصينا امام رغبتهم في أن يجربوا حظهم في الضفة المقابلة. أما ما سيحصل لهم بعد ذلك، وما قد يلحق من ضرر من افعالهم وتصرفاتهم فتلك قصة ثانية. قد تسحب الجنسية منهم وقد يتنكر لكل الروابط الدموية التي تجمعهم به، وقد تبني سجونا كبيرة وحصينة لاستقبالهم في حال ترحيلهم، وقد تفعل السلطات كل شيء حتى تخلص الاخرين منهم وتتخلص هي بدورها من القلق والازعاج الذي يتسببون به لها، ولكنها في الاخير تظل تدور في الحلقة المفرغة ذاتها على أمل أن تنزل السماء حلا سحريا يضع حدا نهائيا لكل المحن والازمات. ولكن ما قد يقلب الامور رأسا على عقب هو أن الجيران الشماليين قد يغيرون مواقفهم وسياساتهم بعد الاحداث والتطورات التي حصلت العام الماضي في اكثر من عاصمة من عواصمهم.
لقد كانت انغيلا ميركل واضحة وحازمة هذه المرة، وقالت للرئيس التونسي إن كأس الصبر فاضت، وإن بلاده باتت مطالبة الان باستقبال ابنائها الذين لم يعد مرحبا بهم في الاراضي الالمانية. ومن المؤكد أن اكثر من عاصمة اوروبية تشاطرها المسعى نفسه، أي التخلص في اقرب وقت من شباب تونسي بات يقض مضاجع الاوروبيين ويمثل هاجسا كبيرا لهم. انهم لا يرغبون في أن يتحول التونسيون إلى مشكلة اوروبية، ولكنهم يعلمون ايضا أن الطرف المقابل في الضفة الجنوبية لن يكون مرتاحا لاستقبال الاف العائدين، سواء مما يصفها الاعلام المحلي بـ»بؤر التوتر» أي مناطق الحروب والأزمات، أو بؤر التحضر الاوروبي، لان لديه اطنانا من المشاكل المتراكمة التي لم تحل بعد. وما قد يعقد الصورة ويزيدها غموضا وضبابية هو أن الحلم الاوروبي ما يزال يراود آلافا اخرين. فقد اثبتت دراسة حديثة أن ما يقرب من نصف الشباب التونسي يحلم بالظفر بمكان في الضفة المقابلة. كيف سيتصرف الجانبان اذن امام كل تلك التحديات الثقيلة؟ وكيف سيتخلصان من المشكل؟ هل بالاستمرار في ادارة الظهر أم بمواجهة الحقيقة؟ قد يستغرق الامر وقتا لا احد يعرف كم سيدوم؟ وكم في اثنائه سيرحل من تونسي أو يلقى به في البحر تطهيرا لاوروبا من لوثة الارهاب التونسي التي ضربتها. لكن هل سيكون ذلك كافيا وناجعا؟ ربما يكشف بعض الجواب في نهاية العام الذي توقع الرئيس بانه سيكون عام الإقلاع.
كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية