كم ستدفعون لتونس؟

موجة أخرى من الاحتجاجات تعيشها تونس عشية انطلاق مؤتمر دولي للاستثمار تعقده السلطات من التاسع والعشرين إلى الثلاثين من الشهر الجاري وتعلق عليه آمالا كبرى لتحريك عجلة اقتصادها المتعثر. الموجة الجديدة رغم انها محدودة وما تزال حتى الآن تحت السيطرة، إلا انه ليس بالامكان توقع الشكل والطريقة التي ستنتهي بها أو الجزم بشكل بات فيما إذا كانت أشبه كرة ثلج صغيرة بدأت بالتدحرج الهادئ والبطيء قبل ان تكبر لاحقا ويصبح وقفها بعد ذلك عملا صعبا ومعقدا. وليس هناك شك في ان سلسلة من العلامات رسخت مثل ذلك الانطباع كان أهمها التحذير القوي الذي أطلقته نقابات العمال بشن اضراب عام في قطاع الوظيفة العمومية في الثامن من الشهر المقبل وتلويحها باضراب مماثل في القطاع الخاص ما لم تنفذ حكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت قبل ثلاثة شهور من الآن اتفاقا وقعته الحكومة التي سبقتها بالزيادة في الأجور وتنفيذ المحامين والأطباء وحتى طلبة المدارس مظاهرات ووقفات احتجاجية مع وعدهم بمزيد التصعيد في أعقاب رفضهم ما اعتبروها قرارات جائرة وغير مقبولة أخذتها الحكومة أو أعلنت عزمها الشروع القريب في تطبيقها. وباستثناء الطلبة الذين كانت مبررات غضبهم واضحة ومفهومة وتمثلت بوضع حد للخبطة التي حصلت بعد تحويرات أدخلها الوزير على رزنامة الاختبارات المدرسية، فان باقي المحتجين والرافضين كانت دوافعهم هي التصدي لخطط الحكومة في التعاطي مع الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تجتازها البلاد وخصوصا وضع حد لتصوراتها حول مشروع ميزانية العام المقبل وبالتحديد نظرتها لمسألة الأجور والجباية. انهم يقولون جميعا وعلى لسان رجل واحد انهم يعرفون الصعوبات جيدا ويدركون تماما دقة الظرف وقلة الموارد وانسداد الآفاق وهم مستعدون للتضحية من أجل تونس، ولكن الاشكال الوحيد هو ان كل واحد منهم لا يرى نفسه معنيا بالمبادرة بقطع الخطوة الأولى قبل ان يطمئن إلى ان غيره قد تحرك بالفعل وقطع خطوة أو خطوات إلى الامام أو تأكد على الأقل من انه قد التزم بشكل واضح وصريح وعلى الملأ بتحقيق تلك الغاية الوطنية النبيلة. فالنقابات تقول ان «من غير المعقول ان نطلب من الاجراء تحمل الأعباء والقبول بتأجيل الزيادات في الأجور دون أخذ أي إجراء يدفع الأطراف الأخرى للقيام بواجبها الضريبي» مثلما جاء في بيان الاتحاد العام التونسي للشغل في التاسع عشر من الشهر الجاري. أما المقصودون بذلك وهم في الأساس أصحاب الثروات ورجال الأعمال، فقد قالت رئيسة اتحادهم لإذاعة «شمس» المحلية قبل عشرة أيام من صدور بيان النقابات «ان القطاع الخاص ليس مسؤولا عن كل المصائب في تونس» وان المناخ الموجود في البلد «لا يشجع على الاستثمار خاصة بالنظر إلى انه وإلى اليوم ما زال هناك رجال أعمال ممنوعين من السفر وأملاكهم مصادرة وأموالهم مجمدة». بل ذهبت أبعد من ذلك حين وصفت ما يحصل في تونس الآن بـ»الأزمة الأخلاقية التي وصلت حد التشكيك في كل نجاح يتم تحقيقه» على حد تعبيرها. أما المحامون الذين طالتهم اتهامات بتكديس الثروة وعدم أداء واجباتهم الضريبية فقد احتجت هيئتهم ورأى عميدهم في كلمة احتجاجية على مشروع الميزانية الذي صادق عليه مجلس الوزراء ان «التضحية التي تطالب بها السلطات غير مقبولة لان اثقال كاهل المحامي هو اثقال لكاهل المواطن في النهاية بما انه هو الذي يؤدي الضريبة» ودعا السلطات بالمقابل إلى ملاحقة المتهربين «الحقيقيين» الذين حصرهم في «التجار غير الرسميين وبارونات التهريب وعصابات التهريب التي تنخر كيان الوطن».
هل هي نذر حرب طبقية تطل برأسها بين من يدفعون ومن لا يدفعون ومن يربحون ومن يخسرون في بلد يجتاز مرحلة صعبة ودقيقة من تاريخه؟
ان هناك من يرى الصورة على ذلك النحو وهناك أيضا من يتمنى ان تسير الأمور بتلك الطريقة وتشتعل تونس هذا الشتاء بغضبة كبرى للمهمشين والمسحوقين تأتي على الأخضر واليابس. ولكن تلك النظرة أو الرغبة التي تخامر البعض تصطدم بحقيقة سيكولوجية واجتماعية هي خوف التونسيين من الفراغ وعدم قدرتهم رغم كل مظاهر الرفض والاحتجاج على تحمل أي نوع من المجازفات المفتوحة والصعبة التي قد تجعلهم في النهاية يخسرون الحد الأدنى من الاستقرار ويسقطون فريسة للمجهول. صحيح ان هناك شرخا واسعا وعميقا ترسخ على مدى ستين عاما بين أفراد ومناطق رأت نفسها محظوظة ومستفيدة نسبيا من الوضع الموجود وبين أخرى بقيت حتى الآن تحس بانها تعيش على الهامش وتفتقد الحد الأدنى والضروري من أسباب الأمان والرفاه، ولكن هدم البيت بالكامل فوق رؤوس الجميع لن يغير شيئا بقدر ما سيفاقم أزمة المهمشين بالدرجة الأولى ويزيدها صعوبة وتعقيدا. هل يكون الحل إذن في ابقاء الوضع على ما هو عليه واطالته أكثر ما يمكن حتى لا تشتعل البلاد مجددا ولا تحصل حرب الطبقات التي ينتظرها من يتوقعون انهم سيكسبون من الفراغ؟
لقد قال رئيس الحكومة في بيانه أمام مجلس نواب الشعب بمناسبة عرض مشروع الميزانية ان أحد الصحافيين حذره من ان الإجراءات التي حملها المشروع وأثارت غضب النقابات والمحامين وفئات أخرى في تونس سوف «تحرقه هو وحكومته» فأجابه بقولة الشاعر ناظم حكمت «إذا لم تحترق انت وإذا لم احترق انا فمن سيضيء الطريق؟» ولكن الاشكال الأكبر لا يكمن فقط في مدى قدرة يوسف الشاهد وحكومته على الذهاب بعيدا في تلك الخيارات والتمسك بها للآخر، بل أيضا في اقناع جزء واسع من التونسيين على الاقدام الطوعي وفقا لامكانات كل واحد منهم على القيام بأي جهد ممكن من أجل بلادهم. والعقبة الكبرى التي تواجه السلطات هنا هي ان الناس لم تتعود طوال أيام الاستبداد على ان تبذل أو تقدم أي شيء للدولة عن قناعة ورضا وطيب خاطر بل كانت تفعل ذلك أما كرها أو خوفا وطمعا في جني مكاسب وامتيازات. ولا يبدو ان ريح الديمقراطية التي هبت فبل سنوات قليلة سوف تغير بين ليلة وضحاها تلك الأفكار والقناعات القديمة التي طالما رددها البسطاء همسا من ان تضحياتهم كانت تذهب دوما لاعمار قصور الأغنياء والمحظوظين وتغطية جزء من نفقاتهم ومصروفاتهم الضخمة. وما يعقد الأمر أكثر هو انه لم يعد بمقدور الكثيرين الآن ان يصبروا حتى يروا ثمرة تضحياتهم. انهم يريدون نتائج عاجلة وفورية ولا يطمئنون للسياسيين الذين يقولون لهم ان الوضع خطير ومخيف وانهم باتوا مطالبين بالعمل أكثر والتخلي عن مطالبهم بالزيادة في الأجور رغم ان هؤلاء لا يجرؤون حتى الآن على ان يطلبوا منهم ان «يصبحوا على تونس بدينار» أو ان يبحثوا عن «الفكة» مثلما فعل الجنرال السيسي في مصر. ولكن ما يقدر عليه الاستبداد لا تستطيع الديمقراطية الضعيفة والمهزوزة فعله. فالناس لا تمد عادة أيديها بسهولة إلى جيوبها متى منحت حق الاختيار وهم يزدادون انغلاقا ونرجسية وحبا لذواتهم كلما تراخت قبضة الدولة وضعفت سيطرتها المباشرة عليهم. وقد يحتاجون إلى نوع من الاستبداد العادل أو الديمقراطية القوية والصلبة حتى يفهموا ان المطالبات وحدها لا تكفي وان لبلدهم ودولتهم عليهم حقا وواجبا وانهم ان لم يقوموا هم بانفسهم بانقاذ اقتصادهم وانتشال بلدهم من الافلاس فان المستثمرين الأجانب الذين توافدوا عليهم هذه الأيام لن يكونوا أحرص منهم على تحقيق تلك الغاية. ان انتظار هؤلاء المستثمرين والحرص على معرفة كم سيدفعون لتونس سوف يكون نوعا من العبث والسريالية ما دام التونسيون المشغولون بالاحتجاجات لم يسألوا أنفسهم حتى الآن كم دفعوا بالفعل وكم سيدفعون اليوم وغدا من أجل بلادهم؟
كاتب وصحافي من تونس

كم ستدفعون لتونس؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية