«كنس» الفساد فريضة وطنية

لا نريد التهوين ولا التهويل من شأن الحرب التي لاحت تباشيرها أخيرا لكنس الفساد، وبقيادة مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبحملة غير مسبوقة من جهاز الرقابة الإدارية، طالت رؤوسا كبيرة في الجهاز الإداري للدولة، بينهم وزراء ومسؤولون وإعلاميون عرفوا بصلاتهم الوثيقة المزمنة مع الأجهزة الأمنية.
وقد لا نرغب في اختراق قرار حظر النشر، لكن الحقيقة باتت معروفة إلى حد كبير، فنحن نعيش في دنيا لا تعوق المعرفة فيها قرارات حظر النشر، والتي تبدو في وضع الذي يريد حجب الشمس بأصابعه. فواقعة القبض على وزير الزراعة دالة بذاتها على شراسة وجدة ما يجري الآن، وقد جرى إذلاله بما يستحق هو وغيره، وإجباره على توقيع استقالة، ثم توقيفه بطريقة أشد إذلالا بعد دقائق من الاستقالة الإجبارية، واقتياده إلى السجن على بعد خطوات من مبنى مجلس الوزراء.
ولا نريد أن تنتهي القصة إلى دراما صغيرة، أو إلى تقديم أكباش فداء إلى محاكمات نعرف نهاياتها، ولا إلى تعديلات وزارية صورية محدودة أو موسعة، تقيل وزراء وتجلب وزراء، فالعينة بينة، من المخزن البيروقراطي الذي فسد وتعفن تماما، وبالتقارير الأمنية التي ترشح الوزراء، وبات مشكوكا في أمرها.
وقد لا تبدو التعديلات الوزارية قضية الوقت، ولا حتى إجراء انتخابات البرلمان معدوم الصفة التمثيلية لأغلبية الشعب، ولا بأس أن تجري تعديلات أو تغييرات وزارية، أو أن يجري تشكيل برلمان مؤكد الحل فيما بعد، لكن ذلك لا يثير حماس الناس، ولا يدفعهم للاهتمام بما يجري، بقدر ما يلتفت الناس إلى قضية الحرب على الفساد في بر مصر، فلسنا بصدد ظاهرة انحراف أخلاقي وسلوكي ومالي، بل بصدد فساد تحول إلى نظام بأكمله، فالفساد يحكم ويعظ، وينخر في بدن الدولة، ويدمر خلاياها كمرض الإيدز، والفساد أخطر بمراحل من الإرهاب، فقد يقتل الإرهاب أشخاصا أو يدمر منشآت، لكن الفساد قتل روح الأمة، وقد لا تنتعش روح المصريين، ولا يتصاعد حماسهم في تعبئة شعبية صارت مطلوبة بإلحاح، إلا إذا تأكد الناس أنهم بصدد علم لا حلم، وأن الحرب التي بدأت ضد الفساد لن تضيع أو تتوه في دروب فرعية، وأنها سوف تتصل إلى أن يجري تطهير جهاز الدولة بالكامل، وكنس الركام الذي «طلعت ريحته» من زمن، وزكمت أنوف المصريين بزبالة الشارع وزبالة السلطة.
ونشاط الأجهزة الرقابية وحده لا يكفي، بل لابد من إرادة سياسية مصممة، ولابد من عزم لا يلين على مواصلة الحرب إلى النهاية، فقد لا تكون لفظة «الفساد» ملائمة لوصف ما جرى ويجري في مصر المحروسة، فقد يقولون لك أن الفساد موجود في كل الدنيا، وأن مصر تحسن ترتيبها على مؤشر الفساد الدولي بدءا من عام 2014، وقفز ترتيبها من 114 إلى 94 بين 175 دولة، أي أن مكافحة الفساد تتقدم، وهذا كلام صحيح، لكنه خادع، تماما كحصر القصة في استنزاف الفساد للموازنة العامة، وضياع ما قد يصل إلى 200 مليار جنيه مصري ـ 25 مليار دولار ـ في بالوعات الفساد البيروقراطي سنويا، سواء باستغلال النفوذ أو الرشاوى أو إهدار المال العام أو الاستيلاء عليه، وكلها ـ مع غيرها ـ جرائم معرفة دوليا، وقد يستطيع نشاط الأجهزة الرقابية المتعددة، وعددها يصل إلى تسعة في مصر، قد تستطيع الأجهزة ملاحقة الجرائم، وإغلاق بعض صنابير الفساد المفتوحة، وكل ذلك مطلوب، لكنه لا يفي بالغرض في مصر. فالذي جرى عندنا شفط ونهب بلا مثيل في تاريخنا الألفي، ومأذون به سياسيا، وليس فسادا يجري في الظل أو بالتخفي والتواطؤ، وقد جرى افتتاح موسم النهب بقرارات سياسية وتشريعية صريحة، بدأت مع قانون انفتاح «السداح مداح» بعد حرب أكتوبر 1973، ومع دعوة السادات للراغبين في افتتاح المزاد، وعلى طريقة قوله المأثور «خلي بالك من اسكندرية ياحاج رشاد»، ولم يكن الحاج رشاد سوى تاجر مخدرات شريك لعصمت السادات شقيق الرئيس، ووقتها اتخذ السادات قرارا مكملا بإلغاء جهاز الرقابة الإدارية من أصله، والذي عاد صوريا في أول أيام المخلوع مبارك، وجرت محاكمات عابرة لشقيق السادات وشركائه، وفي إيحاء برغبة في التطهير، شفعها مبارك بحديث «الكفن الذي ليس له جيوب»، ولم يكن ذلك سوى خداع بصر ووعود سراب، سرعان ما تبددت غشاواتها، وتكشفت الحقائق عارية، واكتنزت القطط السمان الموروثة عن انفتاح السادات، وتحولت إلى حيتان وديناصورات، وجرى وضع تقارير الأجهزة الرقابية في أقرب سلة مهملات، بل جرى إفساد منهجي لمندوبي الأجهزة الرقابية ـ كجهاز المحاسبات والرقابة الإدارية ـ في الوزارات والهيئات والمصالح، وتحويلهم إلى رعاة للفساد لا عناوين للمحاسبة. وفي سياق سياسي واقتصادي فتح الأبواب على مصراعيها لقطعان النهب العام، فقد رعى جهاز المعونة الأمريكية عملية توليد المليارديرات الجدد من العدم، وجرت عملية لتحطيم وتفكيك حصانة جهاز الدولة، وتجريف القلاع الانتاجية الكبرى المملوكة للدولة، وبالخصخصة التي تحولت إلى «مصمصة»، وبيع وتخصيص الأصول وأراضي الدولة بتراب الفلوس، وبإحلال «الجهاز العائلي» محل جهاز الدولة، وشفط السلطة والثروة إلى أعلى، وإلى حيث العائلة وحوارييها من مليارديرات النهب العام، وإهدار أحكام القضاء القاضية بفساد العقود واستعادة الممتلكات العامة، وهو ما استمر ساريا حتى تاريخه، عابرا لأيام مبارك إلى أيام مجلس طنطاوي وأيام حكم الإخوان، وضاعت على البلد بسببه 30 تريليون جنيه مصري في أقل تقدير. فقد تدفقت على مصر ـ عبر أربعين سنة مضت ـ معونات ومنح لا ترد بقيمة 300 مليار دولار، وجرى تهريب مثلها للخارج، وضاعت على مصر في «لعبة الأرض» وبيع الأصول عشرة أمثال مبالغ المنح. وفي تقرير واحد حديث للجهاز المركزي للمحاسبات، قدرت قيمة المخالفات المالية في هيئة المجتمعات العمرانية وحدها بنحو 380 مليار جنيه، وفي قوائم صدرت عن وزارة الزراعة الفاسدة نفسها، تبين أن المبالغ المستحقة غير المحصلة للدولة في مخالفات أراضي الطرق الصحراوية تصل إلى 600 مليار جنيه، ولم يكن من حكومة إبراهيم محلب، إلا أن أعطت المهلة تلو المهلة للمليارديرات المخالفين، وإلى أن أعطيت المهلة الرابعة، ولم يهرش أحدهم جيبه، ولا سدد مليما من مستحقات الدولة، وكانت المفارقة الموحية أن الحكومة منحتهم مهلة إضافية تنتهي في 31 كانون الاول/ديسمبر 2015 وجرى نشر إعلان المهلة الجديدة ـ للمفارقة الساخرة ـ في نفس يوم القبض على شبكة فساد وزارة الزراعة (!). ودعونى أذكركم بموضع الخلل الجوهري بعد الثورة، فقد كانت الثورة في ذاتها حكما قاطعا بإعدام نظام مبارك، والنظام ـ أي نظام ـ معاني ومباني، كانت المعاني والاختيارات المطلوب إعدامها هي ثلاثية الولاء للأمريكيين وحفظ أمن إسرائيل ورعاية مصالح «رأسمالية المحاسيب»، وكانت المباني هي التحالف الوثيق بين البيروقراطية الفاسدة ومليارديرات النهب العام، وظل التحالف ذاته يحكم مع المجلس العسكري وسلطة الإخوان، فلم تجر أي محاولة لإحداث قطيعة مع ما كان، وصدر قانون التصالح مع الفاسدين في أوائل 2012 أي في أيام الحكم المزدوج للمجلس العسكري وبرلمان الإخوان، وهو القانون ذاته الذي تضمنته تعديلات صدرت أخيرا على قانون جهاز الكسب غير المشروع، أي أن مباني نظام مبارك ـ فضلا عن المعاني ـ ظلت في الحفظ والصون، فلم تجر أبدا إجراءات الثورة البديهية الواجبة، لم تجر مصادرة الأموال المنهوبة، ولا جرى عزل سياسي شامل ولا جزئي، ولا جرت محاكمات جدية لما جرى، وهو ما اعترف به القاضي حسن الرشيدي الذي برأ مبارك وطغمته، وقال أنه لم يجد قانونا يحاكم به الفساد والنهب خلال ثلاثين سنة. والمحصلة الوحشية ظاهرة بعد كل ما جرى من نهب، فقد أصبح واحد في المئة من السكان يملك نصف إجمالي الثروة ، و9٪ من السكان يملكون الربع ، بينما 90٪ من المصريين لا يملكون سوى الربع الباقي، وهو تفاوت مريع للثروات، خارج عن أي معنى للمشروعية أو القانون أو القواعد الاقتصادية، فقد جرى اختصار مصر في الواحد في المئة، والذي نهب البلد، ويتقدم للاستيلاء على غالب مقاعد برلمانها. وفي تقرير لدورية «فوربس» الأمريكية صدر قبل شهور، ظهر 13 مليارديرا مصريا ضمن قائمة أغنى أغنياء العالم، وتقدم أغنياء مصر على أغنياء دولة الإمارات في الترتيب، وهو ما قد يفسر جوانب من مأساة مصر، والتي تشكر معونة الإماراتيين الذين ساعدوا، لكنها لا تجرؤ على المساس بثروات المصريين الذين سرقوا البلد (!).
والمعنى بالجملة، أن البلد على مفترق طرق حاسم، وأن حرب «كنس» الفساد ليست ترفا ولا اختيارا، بل هي حرب وفريضة وطنية بامتياز، فهي حرب استرداد مصر من الناهبين، حرب استعادة مصر للمصريين، فهل يفعلها ويواصلها الرئيس السيسى؟ دعونا ننتظر ونرى.
كاتب مصري

عبد الحليم قنديل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية