لندن ـ «القدس العربي»: اعتبر المراقبون البريطانيون أن انتخاب جيرمي كوربن في ايلول/سبتمبر 2015 زعيما لحزب العمال بعد هزيمتهم في الانتخابات العامة مفاجأة غير سارة في تاريخ السياسة البريطانية.
إلا أن انتخابه مرة ثانية لزعامة الحزب بعد عام واحد يعتبر مفاجأة جديدة ستترك زخمها على اتجاه حزب العمال في السنوات المقبلة وعلى مسار السياسة البريطانية بشكل عام. وسيجعل فوزه على منافسه أوين سميث، الذي دعم النواب المتمردين، من كوربن شخصية لا يمكن تجاوزها وزاد من حظوظه لقيادة حزب العمال في الانتخابات المقبلة المقرر عقدها في عام 2020.
وفي هذه الحالة سيكون كوربن شخصية مؤثرة في فترة مهمة من التاريخ السياسي البريطاني حيث ستتفاوض البلاد على خروجها من الاتحاد الأوروبي بعد استفتاء حزيران/يونيو هذا العام.
وبالنسبة للنقاد فكوربن يعد نسخة قديمة من «اليساريين الملتحين»، وشخصية لا حظ لها من الانتخاب. وذكر فوزه العام الماضي بأزمة حزب العمال وأيامه السود في الثمانينيات عندما غلب قادة الحزب مثل مايكل فوت، النقاء الأيديولوجي على الفوز في الانتخابات.
وبالنسبة لقاعدته الشعبية فهو «الرجل النزيه» الوحيد الذي بقي في الحلبة السياسية.
وهو القادر على إرشاد وإلهام جيل جديد من الناشطين وجعلهم يؤمنون أن هناك بديلا عن الليبرالية التاتشرية الجديدة التي خيبت آمالهم.
وهو ليس غريبا على المشهد السياسي فهو جزء منه، وظل فيه خلال الـ40 عاما الماضية. وكان شخصية حاضرة في التظاهرات والمسيرات وعضوا في اللجان ودافع عن قضايا مثيرة للجدل وناشطا لا يمل ويعرف كيف يقف أمام الجماهير.
ولم يكن حتى المعجبين به يتوقعون أن يكون زعيما للمعارضة لحكومة جلالة الملكة ليس لأنه يعارض الملكية، خاصة أن الجميع اعتقد أن نسخته من الفكر اليساري رماها العمال الجدد في «مزبلة التاريخ».
فهو ينتمي إلى التيار الذي لا تزال تؤمن به عصبة من النواب التي تتقلص مثل ديانا أبوت وجون ماكدونيل واللذين تمسكا بأفكارهما عندما بدأ الحزب مسيرته في ظل توني بلير نحو اليمين.
جرب حظك
ومثلما كان فوزه مفاجأة كان دخوله حلبة اللعبة الانتخابية لزعامة الحزب في اللحظة الأخيرة، حيث تم ترشيحه من نواب كي يوسعوا النقاش.
وقال لصحيفة «الغارديان إن «ديانا وجون فعلا من قبل وجاء دوره». وعندما سئل إن تم إقناعه، أجاب «نعم، فلم أتول منصبا من قبل وبهذا، الحس كان أمرا غير عادي خاصة إن كان في إمكاني الدفاع عن قضايا ومناقشته، فهذا جيد وهو ما أقوم بعمله».
وأضاف»في سني لن أكون من مرشحا على المدى الطويل». لكن ترشيحه أحدث ما أطلقت عليه الصحافة «حمى كوربن» (كوربن مانيا) حيث ضرب دخوله الحلبة على عصب بين ناشطي الحزب الشباب.
واستطاع رغم حملته الهادئة إلهام الشباب ممن فقدوا الأمل في حزب العمال في خلال فترة توني بلير/غوردن براون.
وأدى دخوله المنافسة إلى تدفق أعداد كبيرة من الشباب ممن دفعوا رسوم الإشتراك في الحزب (3 جنيهات) وأصبحوا أعضاء رسميين.
ومثلت نزاهته والتزامه بالقضايا الاشتراكية خيارا جذابا للكثير من الناخبين اليساريين. وعلى مدار عام أصبح شخصية محبوبة من رجل قال إنه لا يحب السياسة التي تدور حول الشخص ولم يعمل طوال فترة عمله كنائب على بناء شعبية له بين النواب.
ولكن شعبيته ظهرت في النتائج الأخيرة حيث حصل على غالبية وتفويض جديد من قواعد حزب العمال وفاز على منافسه اوين سميث بنسبة 61.8% من أصوات الناخبين العماليين، وحصل على 313.209 أصوات مقابل 139.229 صوتا لمنافسه.
وفي تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» قال كوربن إن النقاش حول من سيقود الحزب انتهى ويجب على العمال الآن التركيز على إيصال رسالتهم حول الاقتصاد والتعليم والصحة الوطنية للبلد. وتحدث عن محاولات لإقناع النواب المتمردين (ثلاثة أرباع النواب) وتتضمن شكلا لانتخابهم في حكومة الظل، ولم يوضح كوربن إن كان سيقوم بحرمان نواب في الانتخابات المقبلة من الترشيح جراء موقفهم.
ولكنه قال لمراسلة «بي بي سي» لورا كونسبيرغ بعد فوزه «سترين الكثير من التغييرات في الأسابيع المقبلة» و»عليهم (النواب) أن لا يقلقوا لأن الأمر كله يدور حول الديمقراطية، وكلنا محاسبون بناء عليها أمام حزبنا ومناطقنا الانتخابية، وعليهم أن لا يقلقوا أبدا وسأتواصل معهم».
وتعلق كوسنبيرغ أن فوز كوربن «سيكون حلوا» ليس لأنه تأكيد على شعبيته المذهلة بين آلاف أعضاء الحزب في كل أنحاء البلاد ولكنه ثاني انتصار لكوربن على «مؤسسة العمال» والتي يعتقد داعموه أن أعضاءها حاولوا تقويض قاعدة دعم كوربن خلال العام الماضي. وتحدثوا عن عمليات تطهير ومنع لأعداد كبيرة منهم من التصويت حيث قاموا بفحص الأعضاء الجدد وأحقيتهم بالتصويت.
وهناك مزاعم تقول إن مقر العمال الرئيسي قام بمنع مشجعي كوربن من أجل تقليل حجم فوزه، ولكنهم فشلوا كما بدا يوم السبت.
ودعا كوربن، الذي شكر أولا داعميه والمتطوعين في حملته وكذا متطوعي حملة سميث، إلى محو الماضي، وطالب النواب باحترام الخيار الديمقراطي.
وبعد حديثه عن «الصيف الحار» أي الانتخابي والنقاشات التي دارت بينه وبين منافسه قال إنه هو ومعارضوه من النواب هم «من عائلة الحزب نفسها» و»يجب على الجميع تركيز جهودهم لفضح وهزيمة المحافظين».
وقال «لدينا الكثير مما يجمعنا أكثر مما يفرقنا» و»دعونا نمحو اللوح اليوم والبدء بالعمل». واعترف كوربن بالنزعة الحزبية التي سادت الانتخابات وما تعرض له من هجمات من قبل النواب المتمردين وداعميهم.
وأعرب سميث الخاسر عن قبوله بالنتائج «فاز كوربن في المنافسة، وعليه الآن بكسب الأمة». ودعا كوربن «لرأب الصدع وتوحيد الحزب».
وفاز كوربن في كل الفئات، التي شملتها الانتخابات، 59% من أعضاء الحزب و 70% من الداعمين المسجلين و60% من أصوات المشجعين المرتبطين بالحزب.
ورغم النبرة التي جاءت من حزب المحافظين بأن حزب العمال «منقسم» وأن هناك 170 نائبا ضد كوربن فكيف سيقود المعارضة.
وكذا نبرة الليبراليين الأحرار الذين وصفوا كوربن بالقائد العقيم، إلا أن نتائج الانتخابات تظهر حسب صحيفة «أوبزيرفر» في افتتاحيتها «فجوة» كبيرة بين أعضاء الحزب والنواب.
تفويض وفجوة
وقالت الصحيفة إن كوربن حصل على تفويض قوي من الأعضاء إلا أن ثلاثة أرباع النواب العماليين في البرلمان دعموا في حزيران/يونيو مشروع سحب الثقة من زعيم العمال.
وترى أن نتائج الانتخابات تظهر نجاح كوربن، فمنذ انتخابه قام بإعادة تشكيل عضوية الحزب بناء على مبادئه السياسية.
وأظهرت نتائج الاستطلاعات الأولية أن نسبة 37% من أعضاء العمال القدامى صوتوا لصالحه فيما بلغت نسبة أعضاء الحزب الجدد 83%.
وفي قراءتها لسجل كوربن في الزعامة قالت إن العام الماضي كان فشلا. ففي ظل قيادته قدم الحزب معارضة فوضوية وغير فاعلة في مرحلة تعتبر من أهم المراحل في التاريخ السياسي البريطاني حصلت فيها زلازل قوية.
وترى أن الدعم الفقير الذي قدمه لمعسكر «البقاء» في الاتحاد الأوروبي يعتبر مرحلة متدنية في قيادته.
وعانى الحزب من أسوأ نتائج استطلاعات في الـ12 شهرا. وهناك مخاطر حقيقية من أن يتحول انقسام الأشهر الماضية في أعقاب نتائج الانتخابات الأخيرة إلى دمار متبادل وأكيد. وترى الصحيفة أن النتيجة الأفضل والممكنة هي حصول تعايش غير سهل بين كوربن ونوابه، وهذا يحتاج إلى تغيير كل طرف طريقته.
كيف يتغير كوربن؟
وتقول «أوبزيرفر» إنها طالما ناقشت أن كوربن ليس الجواب الصحيح لكل مشاكل حزب العمال.
ولكن بعد فوزه الثاني «لم يعد أمام النواب أي خيار ولكن منحه مساحة للفوز، ولا يتوقع أن يفعلوا هذا حتى يغير كوربن من طريقته في القيادة.
وتقول إن الإتهامات الموجهة له لا تدور حول عدم امتلاكه الأفكار الصحيحة التي تحتاجها بريطانيا (على العكس فلديه) أو أنه لا يستطيع قيادة العمال للانتصار في الانتخابات (لا يستطيع)، ولكن عددا من النواب الذين لم يدعموا حملته للقيادة قرروا التعاون معه في حكومته بحسن نية وتقديم دعم بناء له.
كما أن الكثيرين من الذين استقالوا من حكومة الظل، حتى المتعاطفين مع مواقفه السياسية، قالوا إنهم أجبروا على فعل هذا بسبب «سياسته الطائفية» وعجزه الإداري.
وتتهم الصحيفة كوربن الذي يدعو لسياسة لطيفة ولينة والتي ترفع غصن الزيتون بتشجيع وإن بطريقة تكتيكية ثقافة الانقسام ولم يتسامح مع المعارضة.
وأشارت إلى عدد من الحوادث التي عجز فيها كوربن عن التحرك لمعالجة التحرش الذي تعرض له النواب اليهود أو تهديدات مؤيديه بحرمان نواب من الاختيار مرة أخرى كمرشحين.
عجز
وتميزت كذلك قيادة كوربن بالعجز، فقد اشتكى عدد من نواب المقاعد الأولى من أنهم وجدوا صعوبة في الحصول على لقاءات معه.
وأنه ووزير مالية الظل جون ماكدونيل أعلنا عن سياسات حزبية بدون استشارة أو حتى إعلامهم.
واستقال عدد من خبراء الاقتصاد الذين استعان بهم كوربن لتطوير سياسات اقتصادية بسبب عدم اهتمامه بتطوير سياسة اقتصادية ذات معنى.
ومن هنا فالزعيم يحتاج لأكثر من كلمات دافئة كي يقنع النواب بالعمل معه والتعايش مع قيادته. وعليه وماكدونيل التخلي عن دافعية تحويل الحزب إلى «دكان تثقيف حزبي مغلق» لا يتسامح مع النقاش والخلاف الفكري.
ويجب عليهما تشجيع الأفكار والنقاشات المتحدية. وعليهما كذلك وقف ملاحقة النواب الذين يخالفون القيادة.
ولو فشلا في فعل هذا فسيتحول الحزب إلى شرنقة مغلقة يحبها ملايين الأعضاء ولكن لا يهتم بها الناخب العام.
وعلى كوربن الوعي بأن حزبا يتشكل بناء على رؤيته السياسية لن يجذب داعميه الذين يشعرون بأنه لا يوجد هناك حزب يمثلهم.
وهذا يقتضي منه مدخلا تصالحيا وتواصلا لم نره منه بعد. وتقول إن كوربن ليس لديه حافز لتطويره نظرا لتجربته السياسية على هامش النقاش السياسي في غرفة البرلمان وفي النشاط مع الجماعات الهامشية.
وفي المقابل فعلى النواب الـ 170 الذين سحبوا الثقة من كوربن تعلم عدد من دروس العام الماضي. وهم مصيبون في تعاملهم مع مسؤوليتهم أمام 9 ملايين ناخب وليس أمام أعضاء الحزب وهذا يعني عدم المحاولة مرة أخرى للإطاحة بكوربن. كما أنهم بحاجة للتفكير خاصة أن كثيرا منهم وجدوا أنفسهم على الطرف الآخر المناقض لمواقف ناخبيهم. كما أن محاولات جديدة لإضعاف كوربن لن تحقق الكثير أمام ناخبيهم.
فمحاولة تغيير كوربن أشعلت حماس ناخبي الحزب وأدت إلى فجوة بين أعضاء الحزب وناخبيه. وعليه فأي محاولة لتقويض قيادته ستترك أثارا سلبية. ومن هنا فعليهم التوقف عن المناورات ضد كوربن ولديهم مسؤولية للمساهمة في المعارضة سواء من خلال حكومة الظل أو اللجان البرلمانية المختارة وعمل ما يمكنهم لتوسيع قاعدة الحزب.
ومن يختلف من النواب مع كوربن فعليهم العمل من وراء الستار لتطوير الأجندة الصحيحة المناسبة لبريطانيا.
ولو حصل تغير بمدخل الطرفين فقد يتوصلان لتسوية حول قضايا يتفقان عليها مثل المدارس الحكومية والإستثمار الكبير في الصحة الوطنية.
ولن يقرب هذا التعايش العمال للحكم ولكن هدنة غير مريحة هي أفضل ما يمكن تحقيقه، ولو لم يحدث هذا فالدمار هو الخيار وعلى الطرفين.
مشكلة المرشح
ولعل أهم درس يتعلمه المتمردون نابع من مرشحهم أوين سميث، الذي وصف ترشيحه بالعملية الانتحارية «كاميكاز». وهذا صحيح فقد انتهى حاملا راية المعارضة لكوربن، واختاره النواب المتمردون لأنه «شخص نظيف» ولطيف وغير معروف.
وهذه هي مشكلته فقد قضى الاشهر الأولى من حملته وهو يحاول تقديم نفسه وتعريف الناس بـ «من هو أوين؟» ولم يكد ينتهي من تقديم نفسه حتى فضحه فريق كوربن بأنه عمل مع شركة أدوية عملاقة وأنه من رجال توني بلير.
ويرى أندرو راونزلي في «أوبزيرفر» أن مشكلة سميث تنبع من تقديمه نفسه على القاعدة الأيديولوجية نفسها التي يدافع عنها كوربن وهو ما دفع الناخب العمالي للتساؤل: لماذا التصويت لمقلد في الوقت الذي يتوفر فيه الزعيم الحقيقي؟
ويقول إن مشكلة كوربن نابعة ليس من سجله بل من نوابه المعادين له. وقد تحدث الكاتب لعدد من المؤيدين للحزب الذين حملوا النواب المتمردين مسؤولية تراجع حظوظ الحزب في استطلاعات الرأي، وليس سجل كوربن الفاشل. كما لعبت فكرة «انقلاب» ضده دورا في هزيمة سميث حيث وضعت القاعدة الشعبية ضد نواب ويستمنستر. ومن هنا يقول روانزلي إن حزب العمال عاد من حيث بدأ هذا الصيف بفجوة كبيرة بين الناخبين والنواب. ويعتقد أن هذه الانقسامات خطيرة وأصبحت واضحة وسامة.
وتحدث نائب عن استئجار حرس للمشاركة في مؤتمر الحزب المنعقد في مدينة ليفربول. وتوقع آخر عراكا أو أسوأ من هذا.
ومثل الصحيفة في افتتاحيتها دعا راونزلي إلى نوع من الهدنة. وهذا لا يمنع من استمرار محاولات السيطرة على الحزب، وطنيا ومحليا.
وهو ما يطرح أسئلة مهمة للبلاد وهي فيما إذا أصبح الحزب عاجزا أو شبه عاجزا لممارسة دوره كحزب معارض للمحافظين في البرلمان.
ويقول إن بعض النواب المتمردين ربما عادوا إلى المقاعد الأمامية خشية من انتقام الناخبين في مناطقهم أو لأسباب تتعلق بمستقبلهم السياسي.
وهناك من يرى أن عودتهم للمقاعد الأمامية هي مسؤولية الناخب الوطني. وهناك من يقول إنهم سيعودون لو سمح لنواب الحزب انتخاب حكومة الظل، وهو ما يسمح لهم بالعودة بناء على شروطهم وبنوع من الكرامة.
ويرى راونزلي «سواء أحببته أم كرهت، فكوربن – أو ما يمثله – قادر على حذب أو تحميس الدعم. ولو أرادوا استعادة حزبهم، فعلى معارضيه عمل الشيء نفسه.
وعليهم تقديم منظور أكثر دافعية بدلا من التسول للناس والطلب منهم الانضمام للحزب. وفشلوا مرة أخرى بهزيمة جيرمي كوربن، ولعل أحسن شيء يقوم المعتدلون به هو التعلم منه».