الدوحة ـ «القدس العربي»: على امتداد الواجهة البحرية للعاصمة القطرية الدوحة، وفي مسار مستو يفصل اليم عن اليابسة لعشرة كيلومترات، تحول كورنيش البلد إلى وجهة مفضلة للكثيرين. يفدون إليه لمآرب متعددة، ويعتبر للكثير منهم متنفسا مفضلا أيام الأسبوع وتحديدا في العطل والمناسبات.
قبل بزوغ أشعة الشمس وتجلي الخيط الأبيض في السماء، تصطف سيارات من أحجام وعلامات متعددة على جانبي الكورنيش. يهم أصحابها لركنها لاستهلال يومهم بنشاط وهمة، يكسرون به جمود حياتهم، ويفكون أسرهم من مدارات العمل والكد لتحصيل قوتهم والهروب من ضغوط الحياة.
تدب الحياة في هذا المسار النابض بالحياة على مدار ساعات اليوم من دون توقف. تزداد وتيرتها أكثر مع لطافة الجو، واعتدال الطقس في هذه الدولة الخليجية التي تتميز بارتفاع درجات الحرارة طيلة أيام السنة.
الطريق الرئيسي الذي يربط الدوحة بمنطقة الخليج الغربي ومنطقة الأعمال التجارية التي تشقها الأبراج المعانقة للسماء يخفي في ثناياه قصصا عدة.
أشخاص من سحنات وملامح عدة وجنسيات مختلفة هي مزيج النسيج الاجتماعي لقطر، تغص به دروب هذا الممشى الحيوي.
يشرع البعض في التخلص من خفيف ملابسه ليمضي مهرولا ونتف العرق يتصبب من جبينه لاستكمال مشواره الرياضي يسعى للحفاظ على لياقته في بلد يتميز بقلة حركة أهله مع مؤشرات عدة لارتفاع نسب السمنة بين ساكنته.
نشاط وهمة
يقصد المكان في الغالب عشاق الرياضة ومحبو المشي يستمتعون بمرافق المسار الذي تحول إلى وجهة مفضلة لهذه الفئة التي تسعى لفرض الانضباط في روتين أيامها. من بداية المسار على حواف فندق الشيراتون أحد أقدم المنتجعات السياحية في البلد يباشر الرياضيون الهواة منهم والمحترفون مسارهم ويجتهدون لاستكمال آخر المشوار والعودة إلى نقطة البداية لمن استطاع إلى ذلك سبيلا في رحلة تستغرق نحو الساعة. يعج المكان بأشخاص من كل الأجناس يشق نسيجهم المتعدد مواطنون بلباسهم الوطني ونسوة يتشحن بعباءاتهن السوداء بأخذية رياضية ينتعلنها ليسايرن حركة الآخرين في الهرولة أو السير وفق سرعات متراوحة. تحول الكورنيش إلى مقصد هذه الفئات التي ترغب في الحفاظ على نسق حياة صحي بتشجيع من السلطات التي تعمل على تحفيز السكان على ممارسة النشاط البدني. وزارة البلدية والبيئة وفي سياق جهودها لتوسيع المساحات الخضراء واستقطاب الناس إليها هيأت المكان بكافة وسائل الراحة وزودت مناطقه بمعدات رياضية متاحة لكل راغب في الاستفادة منها ومجانا.
مع استكمال البرنامج الرياضي يجد البعض ضالته في الاستراحات الموزعة على امتداد مسار الكورنيش المتشكل من أعقاب أعمال التجريف الواسعة التي جرت خلال أواخر السبعينيات وبدايات الثمانينيات ولا تزال متواصلة حتى الآن لاستقطاب المزيد من الرواد.
وجهة سياحية في البلد
ساهمت المشاريع المتعددة التي اعتمدتها السلطات بإعادة تشكيل ساحل الدوحة، ليتحول الكورنيش للمكان الأكثر شهرة على مستوى البلد ويقضي معظم الناس أوقاتهم فيه فرادى وجماعات.
توسع الكورنيش في السنوات الأخيرة بشكل طولي وعرضي ويضم الآن أبرز الوجهات والمقاصد السياحية. متحف الفن الإسلامي بحديقته زرع على رأس التجويف البحري للمسار. وعلى امتداده مطاعم عريقة وشعبية تجمع بين الأصالة والمعاصرة. وصولا إلى منتجعات سياحية في نهايته تفصل حدوده عن المناطق الأخرى. وعلى شماله زرعت ناطحات سحاب تضم أبراجا عالية تطل بخيلاء على البحر وتمنح الرواد مهابة.
تواصل اجتماعي
الكثير من رواد الكورنيش يزاحمون عشاق الرياضة بجلسات سمرهم يتوزعون مجموعات على كراسي خفيفة يحملونها ويزرعونها على امتداد المساحات الخضراء المقابلة للبحر.
يحرص أبناء الجاليات على تنظيم جلسات منتظمة لتبادل الأخبار والقصص والحكايات ويستعيدون ذكرياتهم في الأوطان التي ابتعدوا عنها وهجروا منها بدوافع ومآرب مختلفة.
تعلو صيحات الرجال وهم يتبادلون الأحاديث ويرتفع صخب الأطفال بلعبهم البريء وحولهم نسوة يستمتعن بالمشاريب المتعددة المذاقات التي تجلب وتصب على كؤوس يتبادلها الجميع.
السمة الغالبة لجمهور الجالسين القرفصاء على الحدائق المحيطة بالكورنيش وتحت ظلال الأشجار المزروعة في سنوات قلائل يتظلل بفيها الناس هي للمقيمين العرب والآسيويين وبينهم بعض الأجانب، وحولهم مواطنون قطريون دأبوا على المكان وتعودوا عليه منذ الصغر قبل الطفرة الاقتصادية التي أنعشت البلد وحركت مشاريعه.
حكايات وقصص من زمن اللؤلؤ
يغازل أصحاب المراكب التقليدية التي تسمى محليا «البوم» رواد الكورنيش لتجربة رحلة على الساحل واكتشاف الواجهة البحرية بإطلالة بحرية على الدوحة، بأسعار رمزية تغري الكثيرين لخوض التجربة. تحاكي هذه السفن التقليدية رحلات أهل الخليج قديما من أيام صيد اللؤلؤ التي كانت مصدر دخل سكان المنطقة منذ الأزل وما قبل اكتشاف النفط والغاز.
لا يزال الكثير من الصيادين الذين تخلوا عن هذا النشاط يستذكرون أيامهم الخوالي في جلسات سمر على مقهاهم المفضل «حالول». وتحول المكان إلى مزار للسياح وللعائلات ساعات النهار لارتشاف القهوة العربية، أو تدخين الشيشة التي يتجمع حولها الشباب كما الكبار.
يتحدث بعض الصيادين عن أيام عودتهم من رحلات تمتد لأشهر في عرض مياه الخليج وهم يمنون النفس ببيع ما جنوه من ثروات من قاعه وجمع قوت أسرهم لأشهر السنة التي يعودون فيها إلى عاصمتهم الدوحة ويستكينون للراحة والتمتع ببضعة أيام هانئين مستبشرين وسط أهلهم والتمتع بمنظر الشمس وهي تغرب على الكورنيش، أحد أبرز الوجهات المفضلة لأهل وزوار البلد.
سليمان حاج إبراهيم