لقد أثار المؤرخ البريطاني إي.بي.جي تيلر انقساما حادًا عندما قال: إن الحرب العالمية الثانية أصبح لا يمكن منعها في أعقاب الاستفزاز الياباني البسيط الذي حدث في 1931 قرب مدينة موكدين في منشوريا. طوكيو أمرت بوضع عبوة ناسفة صغيرة قرب سكة الحديد هناك، واتهمت بهذا العمل انفصاليين صينيين واستغلت ذلك من أجل احتلال منشوريا. الصين التي كانت أقوى منها انشغلت بمعارك سياسية داخلية وفوتت الفرصة لاجتثاث اليابانيين على الفور.
آخرون يعتقدون أن التحول حدث في 1936 عندما خرق أدولف هتلر اتفاقيات فرساي ولوكارنو وقام بغزو منطقة الراين. الجنرالات الألمان حذروه من قوة الغرب، لكن لم يحدث أي شيء. روسيا السوفييتية ودول الغرب الديمقراطية كانت مشغولة بالحرب الأهلية في إسبانيا، التي كانت تجربة كبيرة للمعدات تمهيدا للحرب العالمية، ولم يوقفوا هتلر وهو ما زال ضعيفا نسبيا.
هكذا ليس فقط إن ألمانيا النازية التي سيطرت على منطقة الراين، وحليفتها اليابان استولت على منشوريا، لكن الحكام الذين يتعطشون للحرب استنتجوا من ذلك أن قادة الغرب والصين «متعفنين»، وأن تهديداتهم فارغة من المضمون ويجب عدم النظر بشكل جدي إلى تحذيراتهم. العالم في حينه استمع بملل إلى تحذيرات ونستون تشرتشل، وسموه الباحث عن الحرب. الأفق الذي كان لقادة الغرب هو الحاضر.
اليوم ـ من سيكون تيلر القادم، ويكتب أن الصواريخ التي مرت أمس الأول فوق اليابان ونشاطات أخرى لكوريا الشمالية، كانت بالتحديد «حادثة مؤكدين الثانية»؟ وليست كما تقول الأغنية من فترة البلماخ «سادتي، التاريخ يعيد نفسه». الأمر ليس كذلك. بالتأكيد ليس بالضرورة. ولكن الوضع السياسي والشخصي والنفساني لمن يتخذون القرارات يكرر نفسه، ويخلق تشابهات تقريبا متشابهة.
بما يختلف الضعف الذي أظهرته القيادة الفرنسية في الثلاثينيات عن موقف كوريا الجنوبية، التي تضمن مسبقا الآن للطاغية العدائي كيم جونغ أون، نصف الجزيرة، لأنها لن تسمح باستخدام الخيار العسكري ضده؟ سيئول تمنح الديكتاتور من بيونغ يانغ «رخصة للقتل»، وفعليا، الاستمرار في المشروع النووي. إن القدرة على صد كوريا الشمالية من دون حرب مشروطة بصدق دبلوماسية اعدائها. كلمات «أو عنف» هي أدوات العمل للعلاقات الدولية (وزير الخارجية الأمريكي في الخمسينيات، دين اتشيزون، نسي ان يشمل في خطابه كوريا الجنوبية واحدة من الدول التي تتمتع بحماية عسكرية من بلاده. محللون اعتقدوا أن خطأه ساعد كوريا الشمالية على شن حرب في حزيران/ يونيو 1950. ولكن الكلمات الأساسية، التي توجد في فم الرئيس ترامب، فقدت معناها. أعلن ترامب أن «الخيار العسكري موضوع على الطاولة»، وفي كوريا الشمالية يضحكون.
أين هو ترامب من هنري كيسنجر، الذي اعتاد على القول: إن أمريكا ليست مضطرة إلى الصراخ من أجل سماع صوتها جيدا؟ إن كوريا الشمالية تطور مشروعها النووي وصواريخها، أمريكا مشلولة، روسيا والصين تديران حسابات صغيرة يقتصر أفقها على الحاضر، والأنظمة اللئيمة توصلت كما يبدو إلى استنتاج أن الأربع سنوات المقبلة لحكم ترامب هي الموعد المناسب لأن تغير بصورة أحادية الجانب خريطة العالم.
الولايات المتحدة تسلم حتى الآن بالوضع الذي يقوم فيه حاكم كوريا الشمالية بتضليلها. وفي الخلفية تسمع صرخات الفرح لدول قصيرة النظر. الولايات المتحدة هوت بنفسها إلى موقف يقتضي إعطاء إملاءات صارمة وصادقة لكيم جونغ أون. على الأكثر عليها أن تتعهد للصين بأنها عند انتهاء مهمتها العسكرية ـ التي يجب أن تكون قصيرة ومؤلمة ـ لن يبقى جندي أمريكي واحد في شمال خط العرض 38.
هآرتس 31/8/2017
دان مرغليت