كيانات لليهود في أوكرانيا والقرم وبيروبيجان

بعد قيام الثورة في الإمبراطورية الروسية عام 1917، واستيلاء أنصار التجربة السوفييتية على مقاليد الأمور، واجهت الثورة تحديين كبيرين في ذلك الزمن. التحدي الأول تمثل في دفاع أنصار الإمبراطورية – الروس البيض – عن النظام الإمبراطوري الذي كان قائما، ونشوب معارك طاحنة بين أنصار الثورة و»الروس البيض» في مواقع كثيرة، وفي أقاليم مختلفة في أنحاء الإمبراطورية، انتهت بانتصار أنصار الثورة، والإعلان عن قيام نظام سوفييتي ثوري جديد.
التحدي الثاني تمثل في قيام حلف غربي أوروبي وأمريكي في مواجهة قوى الثورة، واللجوء إلى التنسيق مع «الروس البيض» في المعارك التي اشتعلت في غير مكان وفي مواقع عدة ضد قوات الثورة، في محاولة لإسقاط النظام الجديد وعدم ترسخ أركانه في أراضي الإمبراطورية واسعة الأرجاء ومتعددة الأعراق والقوميات والديانات والشعوب، ومحاولة منع تمدد الموجة الثورية الجديدة إلى أماكن أخرى من العالم، خصوصا الأوروبي منه. لتنتهي الأمور بالحسم وانتصار الثورة على أعدائها في الداخل والخارج. بعد سقوط ملايين الضحايا وتبديد موارد وإمكانيات ضخمة من قبل الأطراف المتصارعة جميعها.
من بين الصراعات التي برزت في تلك الفترة وما تلاها، وأخذت حيزها الزمني الطويل، صراع قوى الثورة الجديدة مع الحركة الصهيونية التي كانت ناشطة، وأيدت كتلتها الرئيسية أعداء الثورة، ودعت إلى عدم اندماج معتنقي الديانة اليهودية في المجتمعات التي يعيشون فيها، ودعوتهم إلى الهجرة من بلادهم والتوجه إلى فلسطين، وأحيانا بالقسر أو تقديم إغراءات متنوعة، خاصة بعد انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل في سويسرا عام 1897، والدعوة الصريحة للاستيلاء على فلسطين، على اعتبار انها «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» ومن ثم النص الواضح والصريح في وعد بلفور ـ وزير الخارجية البريطاني آنذاك عام 1917- بإقامة وطن لليهود في فلسطين.
في تلك الفترة وما تلاها، ومن أجل مواجهة الحركة الصهيونية التي دعت يهود الاتحاد السوفييتي إلى الهجرة وعدم التمثل أو الاندماج في بلدانهم، لم يتم الاكتفاء بالطروحات النظرية، حيث جاء في تلك الأدبيات التي كتبها فلاديمير لينين «إن فكرة القومية اليهودية ضد مصالح البروليتاريا اليهودية، لأنها تروج في صفوفها مباشرة أو بشكل غير مباشر روحا معادية للتمثل، إنها روح الغيتو».
كما إن جوزيف ستالين الذي تسلم القيادة السوفييتية بعد وفاة لينين، ذكر في كتابه «الماركسية والمسألة الوطنية» اجتهادا خالف فيه الطروحات الصهيونية، في ما يتعلق بوجود أمة أو قومية يهودية، فذكر «إن الأمة هي جامعة أناس ثابتة، تألفت تاريخيا ونشأت على أساس اللغة والأرض والحياة الاقتصادية والخصائص النفسية التي تتجلى في جامعة الثقافة». وهذا ما يتنافى مع ما هو سائد بين المجموعات اليهودية.
على كل ولأن الثورة ضمت في صفوفها أفرادا ومجموعات من أتباع الديانة اليهودية اعتنقوا المبادئ الماركسية اللينينية وشاركوا في الثورة، وكانت لهم أدوارهم وتقديرهم تماما كما كان لغيرهم من أتباع ديانات أخرى. مع ذلك فإن نظرة أوساط معينة في المجتمع كانت حذرة ومتشككة تجاه أفراد ومجموعات من بين اليهود. كذلك كان الأمر بالنسبة إلى أوساط بين أفراد ومجموعات من اليهود تجاه غيرهم، بل إن تنافرا واحتكاكات وصولا إلى اشتباكات قامت بين اتباع للديانة اليهودية، وبينها عناصر صهيونية مع غيرها من أفراد في أماكن مختلفة من الاتحاد السوفييتي. الأمر الذي كان يوفر وقودا ودعاية مجانية للحركة الصهيونية في الداخل والخارج، ومن يؤيدها ويغذيها في المراكز الاستعمارية المعروفة، وهذا ما كان يغذي تيار الهجرة وعدم التمثل والاندماج.
في تلك الفترة المبكرة من عمر الثورة – عشرينات القرن الماضي – أخذ العديد من الاجتهادات حيزه التطبيقي والعملي تدريجيا بين أوساط القيادة السوفييتية، تمثل في إقامة كيانات للحكم الذاتي خاصة باليهود داخل الاتحاد السوفييتي، على الرغم من أن ذلك يتجاوز ما تمت الدعوة إليه سابقا، من إلحاح على شعارات التمثل والاندماج بين التكوينات والمجموعات المتعددة في الاتحاد السوفييتي كله. كما أن قيام تلك الكيانات الخاصة يتجاوز ما نص عليه دستور الاتحاد في تلك المرحلة، الذي أكد على أن إطلاق أي اسم على أي كيان يجب أن تكون مجموعته البشرية هي الأغلبية العددية فيه.
مع ذلك وفي ظل الحرب الشرسة التي كانت قائمة بين الحركة الصهيونية ومؤيديها من الإمبرياليين من جهة، وبين الاتحاد السوفييتي في ما يتعلق بهجرة اليهود، فإن القيادة السوفييتية – غامرت – وأجازت في عشرينات القرن الماضي إقامة كيان للحكم الذاتي اليهودي في جنوب أوكرانيا، وما زالت مدينة أوديسا الواقعة في ذلك الجنوب تحتوي في جنباتها على أعلى نسبة من يهود أوكرانيا حتى اليوم. إلا أن التجربة فشلت ولم يحصل التعايش والاندماج بين مكونات ذلك الكيان، بعد حصول اشتباكات وقلاقل مستمرة بين المكون اليهودي وغير اليهودي في ذلك الكيان. وقد تكرر الأمر نفسه في شبه جزيرة القرم بعد ذلك، وفشلت التجربة، وتكررت الاشتباكات بين المكون اليهودي ومكون آخر مختلف عن الذي كان في جنوب أوكرانيا.
لم تستسلم القيادة السوفييتية لما آلت إليه تجربتا جنوب أوكرانيا وشبه جزيرة القرم من فشل، فكررت المحاولة من جديد في منطقة نائية وبعيدة عن العمار البشري، وعن التكوينات القومية والدينية، وعن أي إرث تاريخي ثقافي سابق، فبدأت باستصلاح منطقة تبعد آلاف الكيلومترات عن موسكو، مليئة بالأحراش والغابات والمستنقعات، حيث الطبيعة ثلجية وقاسية ومليئة بالحيوانات المفترسة والحشرات الضارة التي تنشر الأمراض والأوبئة، ولا يمكن الوصول إليها في تلك المرحلة – 1928 – إلا بالقطارات المناسبة لطبيعة ثلجية في الشرق الأقصى السوفييتي، وعلى الحدود الصينية في مواجهة مقاطعة منشوريا، يطلق عليها اسم «بيروبيجان». وقد جاء الاسم من نهرين يسيران ويحيطان بالمقاطعة، التي حملت الاسم الرسمي «المقاطعة اليهودية ذاتية الحكم في بيروبيجان».
من الملاحظات التي سجلتها بعد زيارة للمقاطعة في شهر آب/أغسطس عام 1987، ضمن بعثة لمجلة «العربي» الكويتية، وهي المطبوعة العربية الأولى التي زارت المنطقة، أذكر:
أن المقاطعة التي تصل مساحتها إلى نحو 36 ألف كيلو متر مربع، أي نحو مساحة فلسطين ولبنان معا، لم يكن فيها من السكان إلا نحو 215 ألف نسمة، 65% منهم من غير أتباع الديانة اليهودية، وأن عدد اتباع الديانة اليهودية كان نحو 17 ألف نسمة فقط. وهذا الواقع لا يتماشى مع ما نص عليه الدستور السوفييتي. مع ذلك فإنني وجدت من بين أتباع الديانة اليهودية، يهودا جاءوا من بريطانيا وألمانيا والأرجنتين وغيرها، وهذا يعني أن التجرية كانت مفتوحة لكل يهودي من جميع أنحاء العالم، إلا أن عوامل عدة حدت من نجاح التجرية، ولم تقو على مواجهة المشروع الصهيوني الداعي للهجرة إلى فلسطين.
ـ اللغة اليديشية، وهي لغة تتكون من العبرية القديمة والألمانية ومن لغات أخرى، كانت هي السائدة بين يهود المقاطعة، إضافة وأساسا إلى اللغة الروسية. وقد أعرب العديد من المسؤولين اليهود الذين قابلناهم عن عدم تأييدهم للصهيونية، وأنهم مع إقامة دولتين عادلتين وسلميتين في فلسطين.
وجود مساحات خالية من السكان في الشرق الأقصى السوفييتي وعلى الحدود مع الصين واليابان، كان يقلق القيادة السوفييتية، خصوصا أن اليابان احتلت منشوريا عام 1931، لذلك فإن إقامة مشروع يحتوي على عمار وإعمار وحشد سكاني – على الرغم من محدوديته يساهم في التخفيف من أخطار وجود مساحات خالية. وبعد.. فإن تجربة «بيروبيجان» اليهودية بقي تأثيرها محدودا، ولم تمثل تحديا حقيقيا للصهيونية ومشروعها الاحتلالي في فلسطين، وأهملها أتباع الديانة اليهودية في غالبيتهم. ومن الارقام ذات الدلالة أن عدد سكان منطقة بيروبيجان كان 214.085 نسمة، وأن عدد أتباع الديانة اليهودية تدنى إلى 8887 عام 1989، حسب نشرة إحصائية من وكالة أنباء نوفوستي الروسية.
ترى أين ذهب أتباع الديانة اليهودية في بيروبيجان الذين هاجروا؟
٭ كاتب فلسطيني

سليمان الشّيخ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية