كيري في مصر… العودة إلى «قاعدة مبارك»

حجم الخط
15

في ختام ماوصف بـ «الحوار الاستراتيجي»، قال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره المصري سامح شكري امس الاول ان العلاقات الثنائية ستعود الى «قاعدة قوية».
والتزم كيري الصمت عندما اكد شكري «ان نحو عشرين صحافيا مصريا معتقلون باتهامات تتعلق بالارهاب وليس بسبب عملهم الصحافي»، كما صمت عندما اشاد شكري بالمؤسسة القضائية و«قوتها»، رغم ان الخارجية الامريكية كانت انتقدت اصدار احكام الاعدام بالجملة في اكثر من مناسبة، ولم يشر الوزير الامريكي الى استمرار اعتقال الآلاف من الشباب دون محاكمة، بالرغم من ان الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه اقر بوجود «كثير من الابرياء» بينهم.
كل ما «تجرأ» كيري على قوله ان بلاده «لم تخجل من الحديث علنا بشأن قلقها من ملف حقوق الانسان»، لكنه سارع الى تلطيف الاجواء عندما كشف للمرة الاولى: «لدينا معلومات عن تورط بعض القيادات في تنظيم الإخوان في أعمال عنف، ونتفهم ذلك، ولكن بالتأكيد ليس الجميع»، وطالب باشراك اولئك غير المتورطين في العنف بالانتخابات قائلا «إنه اتفق مع وزير الخارجية، سامح شكري، على أهمية وجود انتخابات برلمانية حرة تتمسك بالشفافية وتضمن مشاركة جميع أطياف المجتمع السياسية السلمية».
لكن هذا لم يعفه من رد قاس للوزير المصري بشأن ملف حقوق الانسان قال فيه «ان الحكومة المصرية لا تعير اهتماما لأي شروطات امريكية».
لقد ضرب كيري عرض الحائط برسالة علنية وجهها اليه مؤخرا مجلس العلاقات الخارجية الامريكي طالبه فيها بممارسة ضغط على السيسي بشأن العنف الذي تمارسه الشرطة ضد كل المعارضين السياسيين، وليس الاخوان فقط، ووصفت انواع العنف في مصر بالقول: «إن العنف يأتي في شكل أولي عبر هجمات متطورة واسعة النطاق تنفذها جماعات منظمة مسلحة، أغلبها يتمركز في سيناء والثاني يأتي من خلال اعتداءات أصغر نطاقًا وبساطة ينفذها مواطنون غاضبون أو جماعات صغيرة، والثالث هي تلك الممارسة التي تنتهجها القوات الأمنية المصرية، والتي لا تستهدف فقط المتطرفين، ولكن أيضا تجاه مناهضين سياسيين، ومنتقدين للسيسي وحكومته وهنا يكمن الخطر».
والمعنى الواضح في هذه الرسالة ان الخطر على مصر لا يكمن في الاعمال الارهابية سواء الكبيرة او الصغيرة، ولكن في العنف الحكومي ضد المواطنين لمجرد انهم معارضون.
وبغض النظر عما قاله او لم يقله كيري، تتحدث الافعال دائما بصوت اعلى: في غضون اشهر قليلة حصل النظام المصري من واشنطن على عدد من مروحيات الاباتشي وطائرات اف 16، ووصلت الاخيرة عشية بدء زيارة كيري للقاهرة، وسط احتفالات لا تليق ببلد كبير كمصر.
الواقع ان زيارة كيري جاءت بمثابة «رفع للراية البيضاء»، في مؤشر الى نهاية مرحلة صعبة ترنحت خلالها العلاقات القديمة، اما «القاعدة القوية» التي اشار اليها فهي القاعدة الوحيدة التي طالما كانت اساسا للتحالف بين البلدين في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك: «الامن والاستقرار والدور الاقليمي اهم من الحريات والديمقراطية وحقوق الانسان».
وهو ما يجعل المراقبين يخشون الاسوأ بالنسبة الى مستقبل ملفات حقوق الانسان والحريات والانفتاح السياسي في مصر، اذ اصبح النظام المصري يدرك ان الولايات المتحدة لا تملك ادوات تذكر للضغط عليه. فالمساعدات الامريكية التي انكمشت عبر العقود الاربعة الماضية سواء في حجمها او قدرتها الشرائية، بسبب ارتفاع التضخم، لا يمكن مقارنتها بالمساعدات السخية من بعض دول الخليج. اما طائرات الاف 16 الامريكية القديمة نسبيا (اسرائيل حصلت لتوها على اف 35) فليست افضل من الرافال التي حصل عليها السيسي بقرض فرنسي طويل الاجل، وليست اهم من منظومات الدفاع الجوي الروسية الحديثة.
الواقع ان واشنطن اصبحت الاكثر حاجة من القاهرة لاحياء التحالف القديم بعد تطورات تاريخية كرست ضعف تأثيرها بل وهددت وجودها في المنطقة، واضطرتها الى الاعتراف بوجود ايران نووية قوية والتعايش مع نظامها الذي مازال يجاهر بمعاداتها ويتعهد بفناء اسرائيل، في وقت بدأت تخسر الثقة التاريخية لدول الخليج التي بدأت بدورها في تنويع مصادر تسلحها، واعادة النظر في تحالفاتها ومواقفها السياسية.
ان زيارة كيري لمصر ليست سوى تذكير بحقيقة ان الولايات المتحدة «حليف لا يكمل الطريق»، وانها مستعدة دائما للتنصل من مواقفها ومبادئها المزعومة في سبيل ما تظن انه مصلحتها.
واذا كانت هذه امريكا، فانه لجدير بالآخرين قبل ان ينجروا الى «قاعدة مبارك القوية» في التعامل معها، ان ينظروا اين يقبع مبارك نفسه حاليا؟ وان كان حلفاؤه «الاقوياء» نجحوا او حتى حاولوا تبديل مصيره عندما قرر الشعب ان يقول كلمته؟

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية