الناصرة : القدس العربي: يؤكد مؤرخ فلسطيني أن الصحافة العربية المكتوبة في فترة النهضة كانت بمثابة المنصة الرئيسية التي جرت عليها عمليات بلورة الرأي العام وصياغته، بما في ذلك التعابير والمصطلحات اللغوية التي تم التعويل عليها كأداة يتم من خلالها إيصال معاني النهضة ومدلولات مصطلحاتها.
جاء ذلك ضمن محاضرة للمؤرخ مصطفى كبها في إطار مؤتمرعقده مجمع اللغة العربية داخل أراضي 48 بعنوان «الصحافة، اللغة والهوية في عصر النهضة». افتتح المؤتمر رئيس المجمع محمود غنايم، متحدثًا عن دور الصحافة العربية في عصر النهضة، باعتبارها جزئية مهمة من سمات ذلك العصر أثرت في رسم صورة المجتمع العربي وسلوكه السياسي والاجتماعي والاقتصادي وبلورت هويته الثقافية. مبينًا أن الصحافة والطباعة وما تمخض عنهما، شكلت لغة جديدة سواء على مستوى المصطلحات أو على مستوى الألفاظ التي أصبحت تقترب من لغة الناس، وتسعى لأن تكون لغة وظيفية تلتصق بالجماهير. وفي الجلسة الأولى التي ترأسها وأدارها إسماعيل أبو سعد قدم المؤرخ قيس فرو محاضرة بعنوان «اللغة والهوية الجماعية عند مثقفي عصر النهضة». وعالج فرو في محاضرته دور اللغة العربية الفصحى في إنتاج ثقافة عليا في فترة النهضة العربية، وتأثير هذا الإنتاج على دعوة المثقفين المصريين والسوريين إلى تبني هويات جماعية، وطنية وقومية. وقد أشار إلى نوعين من إنتاج الثقافة: ثقافة شعبية تقليدية تعيد إنتاج نفسها من خلال عملية داخلية تحافظ على الهويات الجماعية الموروثة، وثقافة عليا تُنتجها النخب من خلال عملية خارجية تحاول فرضها على الهويات الجماعية الموروثة. مشيرا إلى أن إنتاج الثقافة العليا بواسطة اللغة الفصحى ظل مقتصرًا على النخب التي أضفت على هذه الهويات الجماعية المستحدثة طابعًا نخبويا ظل يلازمها خلال فترة النهضة وما بعدها. ومع أن استهلاك الثقافة في عصر النهضة ظل نخبويا إلا أن فرو يميز بين خطابين في الهويات الجماعية الأول ترعرع في زمن المخطوطة والثاني ترعرع في فترة انتشار الطباعة. وعن صلة ذلك بالصحافة أضاف «في عرضه لتأثير الصحف العربية قبل 1869 شبه فيليب دي طرازي في كتابه الضخم «تاريخ الصحافة العربية» هذه الصحف بالجنين قبل تخطيها لدور الانتشار رغم ركاكة لغتها. ومع أن الصحف ازداد عددها حيث ظهر حتى 1929 نحو 3022 صحيفة عربية منها 2586 في البلدان العربية (1400 منها في مصر و 750 في بلاد الشام) إلا أن أغلبية هذه الصحف اختفت بعد مدة قصيرة من صدورها». وقال فرو إنه رغم الصحف والمطبوعات بالفصحى لكنها مثلت أدوات جديدة بإنتاج ثقافة عليا ظهرت فيها خطابات الهويات الجماعية المتخيلة. وأضاف «في بلاد الشام بدأت النخب المتعلمة تنتج خطابا وطنيا قائما على تخيل الوطن السوري، عماده نشر العلم وإحياء الثقافة العربية وتجديدها، وكان لإنشاء الجمعيات العلمية والأدبية وإصدار الصحف تأثير في نشر هذا الخطاب». وللتدليل على ذلك أشار فرو لمقالة كتبها خليل الخوري في «حديقة الأخبار» (1858) قال فيها، «إن عصرا جديدا قد بدأ يضع الأمة العربية في المكان اللائق بين الأمم». ويشير فرو إلى أن مصطلح أمة عربية لم يكن متداولا في أدبيات رواد النهضة قبل خليل الخوري الذي استخدمه ليعني به سكان سوريا فحسب. وفي لبنان يشير فرو إلى أن بطرس البستاني استمر بمشروعه في «فعل الأشياء بالكلمات» حين أنشأ بالتعاون مع نجله سليم عام 1870 ثلاث صحف هي «الجنان» و»الجنة» و»الجنينة» قبل إنشاء مطبعة المعارف وإصدار دائرة المعارف. أما في مصر فحمل الخطاب الوطني وجهين متلازمين الأول دعا لوحدة المصريين والآخر دعا لوحدة المسلمين. وفي بداية القرن العشرين برز اتجاه ثالث مثلته صحيفة «الجريدة» التي حررها لطفي السيد بعد صدورها في 1907 الذي شهد ظهور ثلاثة أحزاب منظمة، إثنين منها مزجا مفهومي الأمة المصرية والأمة الإسلامية وهما الحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل و»حزب الإصلاح الدستوري» بقيادة علي يوسف وحزب ثالث هو «الأمة» الذي صاغ لطفي السيد فكره السياسي القائم على مفهوم «الأمة المصرية» بمعناه الغربي الإثني الوطني. وخلص الباحث فرو الذي يستعد لإصدار كتاب حول هذا العنوان للقول إن دعوات إصلاح الفصحى لاقت وقتها تقبلا عند كثير من النخب المثقفة، ومع ذلك لم تؤثر على إشكالية الثنائية اللغوية للعربية التي أبقت غالبية الناطقين بالضاد خارج دائرة تأثير الخطاب الوطني والقومي النخبوي.
في المحاضرة الثانية توقف مقدمها، مصطفى كبها عند الإطار الزمني للنهضة، الذي يتمحور في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين. وبخلاف فرو أشاد بالدور الذي لعبته الصحافة المكتوبة باللغة العربية في بدايات عصر النهضة في البلاد العربية مع تركيز على مصر وبلاد الشام من حيث تطوير ثقافة الكلمة المكتوبة كأداة فعالة في مجال صياغة تعابير ومفاهيم ومدلولات الحيز العام. موضحا أن الصحافة المكتوبة كانت بمثابة المنصة الرئيسية التي جرت عليها عمليات بلورة الرأي العام وصياغته، بما في ذلك التعابير والمصطلحات اللغوية التي تم التعويل عليها كأداة يتم من خلالها إيصال معاني النهضة ومدلولات مصطلحاتها كما شاعت وانتشرت في بلاد الغرب. وعلى هذه المنصة حاول كتاب الصحف والجرائد والمجلات إيصال المعاني النهضوية محاولين تسويغها أداة طيعة على ألسنة وأسنة أقلام من قادوا عمليات النهضة الجارية وعلى كافة المستويات والأصعدة. وردا على سؤال «القدس العربي» أوضح الباحث والمؤرخ كبها أنه من منطلق الافتراض أن نسبة القراءة والكتابة في حينه كانت متدنية إلى حد كبير، وأن متعاطي قراءة المضامين الصحافية كانوا من النخب المدينية، فإنه تقفى آثار الجهود التي بذلها الكتاب وأصحاب الصحف للوصول إلى الأوساط الشعبية غير القارئة من خلال تطوير آليات «القراءة الشفوية». مشيرا إلى أن الحديث يدور عن قيام أحد القراء بقراءة على مسامع جماهير الناس في المقاهي والميادين وباقي الأماكن العامة. وأشار كذلك لمقالات عالجت مجال «التثقيف الاصطلاحي» وتعميمه جماهيريا كـ»الجوائب والهلال والمقتطف وفتاة الشرق والعروة الوثقى والمنار» وغيرها، وكتابات كتاب كان لهم دور في هذا المجال كجورجي زيدان وبطرس البستاني وعبد الله النديم ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني ورشيد رضا وأديب إسحاق وغيرهم.
دور الكواكبي في عصر النهضة
في الجلسة الثانية التي ترأسها وأدارها نبيه القاسم قدم المحاضر المستشرق يتسحاق فايسمن محاضرة حول دور عبد الرحمن الكواكبي في عصر النهضة. وتوقف عند جوانب مختلفة من سيرة الكواكبي الذاتية وآثاره الفكرية، فاستذكر ولادته في حلب في 9 تموز/يوليو 1855م/ 1272هـ. وقال إن الكواكبي أتقن اللغتين التركية والفارسية وتولى العديد من الوظائف، أولها وظيفة محرر عربي ومترجم تركي لجريدة «فرات» الرسمية. كما أشار لإشغاله رئاسة البلدية ورئاسة غرفة التجارة والزراعة والصنائع. وحول آثاره الفكرية، تحدث بإسهاب عن كتابين «أم القرى» و»طبائع الاستبداد» والكثير من المقالات والرسائل التي تعتبر من أهم ما كُتِب في عصر النهضة العربية.