قبل أكثر عام، كنت أجري تصليحات في منزلي في جنوب غربي لندن، تطلب انجاز العمل بضعة أسابيع، فتوطدت علاقتي بالعاملين الذين كانوا من مشجعي فريق تشلسي، بل من عشاق المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو. وكانت خلال تلك الفترة المعاناة غير المتوقعة للمدرب البرتغالي مع بطل الموسم الذي سبقه، فكانت احاديثنا تنصب على قدرة «السبيشال وان» على نشل الفريق اللندني من كبوته، بل كنت أؤكد أن مورينيو قد يقال من منصبه اذا لم تتحسن نتائج الفريق، وكانوا يرفضون بشدة هذه النظرية، بل أحدهم أكد أنه يفضل هبوط تشلسي الى الدرجة الأولى على رحيل مورينيو، الى أن مرت أيام قليلة سبقت أعياد الميلاد حتى جاء اليوم الذي قابلت فيه رجالاً ناضجين والدموع تملأ أعينهم ووجوهم وينحبون كالأطفال، عقب تأكيد رومان أبراموفيتش رحيل مورينيو، فأردت تلطيف الاجواء وكأنني في مراسم عزاء، فقلت «على الاقل هذه الخطوة قد تعيد تشلسي الى السكة الصحيحة»، فنظر لي أحدهم بازدراء وقال: «هذا أسوأ يوم في حياتي!».
الآن، بات على تشلسي تعويض أنجح مدرب في تاريخ «البلوز» بمدرب لا يقل حنكة ومهارة ودهاء، والأهم أن يملك الكاريزما ذاتها التي تمتع بها مورينيو. فجاء الهولندي غوس هيدينك ورحل من دون أن يترك أي أثر، الى أن جاء موعد تعيين المدرب الثابت الذي ينشل الفريق من أزماته، وليست هناك شخصية مفعمة بالأحاسيس والعاطفة والمآثر أكثر من الايطالي أنتونيو كونتي، الذي حسم أمر مجيئه الى لندن قبل قيادته المنتخب الايطالي في «يورو 2016».
جاء كونتي على جماهير كئيبة من أحداث الموسم السابق، وعلى فريق لا يشارك في مسابقة أوروبية للمرة الاولى منذ زمن طويل، وعلى لاعبين ذوي شخصيات قوية، انتشرت عنهم القصص بقدرتهم على «تطفيش» المدربين، فكانت البداية جيدة لكنها غير مقنعة رغم تحقيق ثلاثة انتصارات متتالية، لكن بعدها بدأت الخيبات تتوالى بتعادل مع المغمور سوانزي والخسارة أمام المنافسين ليفربول وأرسنال، حتى أن تقارير أكدت قرب رحيل المدرب الايطالي بعد 6 مباريات فقط، واضطر كونتي الى تذكير الجميع بحال الفريق الموسم الماضي، وان ليست هناك عصا سحرية لحل مشاكل الفريق. في ذلك الوقت كنت استغرب لماذا لم يعتمد كونتي على خطته المفضلة 3-4-3 أو 3-5-2، التي اعتمدها مع يوفنتوس والآزوري، وكأن يديه مقيدتان ولديه تعليمات بعدم تغيير الخطة. لكن فجأة تغير كل شيء وطبق كونتي خطته المفضلة وحقق حتى الآن 11 انتصارا متتالياً، حافظ خلالها على نظافة شباكه 9 مرات. المدهش أن في كل مرة نرى فيها كونتي بانفعالاته وتعبيراته على خط التماس خلال المباريات، نعتقد أنه انسان ناري وانفعالي، لكنه في الواقع يتحدث برقة وبصوت خافت في كل لقاء تلفزيوني عقب المباريات، بل بواقعية رهيبة، حتى أصبحت شعبيته تزداد، ولاحظت جماهير البلوز أمراً مهماً، أنه عندما واجه مورينيو الاخفاقات فشل في الحل تكتيكيا وحاول ايجاد الحل بتغيير اللاعبين، لكن كونتي نجح في تغيير خطة لينتج دجاجة تبيض ذهباً.
الآن هل يستطيع تشلسي احراز اللقب؟ بكل تأكيد هو المرشح الأبرز بابتعاده بفارق ست نقاط عن أقرب منافسيه بحلول منتصف الطريق، وفي المرات الأربع السابقة التي اعتلى فيها تشلسي الصدارة بنهاية العام، نجح في النهاية باحراز اللقب، وأهم الأسباب ايضاً أن تشلسي متفرغ تماما للبريميرليغ من دون أي تشويش او انهماك في أي من المسابقتين الاوروبيتين، ولهذا السبب أيضاً سيكون ليفربول أبرز منافسيه، رغم ان الاخير لا يملك القوة الدفاعية التي يملكها الفريق اللندني.
twitter: @khaldounElcheik
خلدون الشيخ