كيف تتخلص من جثة؟

لم ينتهِ الجدل حول اغتيال الطالب الإيطالي في القاهرة، وعلى الأغلب الأعم لن ينتهي في القريب العاجل، فنوعية التصريحات الصادرة عن الجهات الرسمية المصرية لا تساعد على شيءٍ سوى زيادة الاحتقان وتأجيج نار الغضب لدى الجانب الإيطالي والأوروبي.
أما على الصعيد المحلي، وفي ما عدا «السيساوية» الخُلص المستعدين لتصديقه إذا خرج عليهم قائلاً بأن الشمس تأتي من المغرب، فإن ذلك التدني في مستوى الأداء، تنفيذاً، ومواراةً وتلفيقاً، وتدليساً ونفياً وتصريحاً، ناهيك عن الوحشية والبشاعة قد هالا السواد الأعظم، وانضما إلى سلسلة المشروعات والخطوات عديمة الجدوى والوعود الكاذبة التي تصيبهم بالحزن على حال بلدهم، وبقدر ما يتملك منهم ذلك الشعور بالإحباط، يزداد استيعابهم لعمق فشل النظام المصري وعقمه، تلك الحقيقة المزعجة التي ما انفكوا يرفضون تصديقها ولا يجبرهم توالي الأحداث إلا على مواجهة وجهها القبيح، فليس من مفر.
للحقيقة فإن أمراً آخر، أو لنقل حيثيةً أخرى، شغلتني طيلة الفترة السابقة، وقد أشرت إليها في مقالي السابق ألا وهي: جثة الشاب الإيطالي جوليو ريجيني. في رأيي المتواضع أن ظهور جسدٍ، جثة، لريجيني، أحد العوامل الرئيسية، إن لم يكن العامل الرئيس بالتعريف في صيرورة تلك الجريمة، البشعة بكل المقاييس، إلى ما وصلته من فضيحة دولية تهدد العلاقات بين مصر وإيطاليا ومن ورائها الاتحاد الأوروبي، إذ لولاها، لأمكن للنظام التنصل تماماً وادعاء عدم المعرفة، ومن ثم مط المبررات للتأخير في الكشف من عينة « البحث جار على قدمٍ وساق» و»نحن نبذل قصارى جهدنا» بما يصب في خانة «ربنا يسهل»، وكما نعلم عن تجربة فموظفو دولتنا العتيدة متمرسون في سوق مثل هذه الحجج وتضييع الوقت. لكن جثةً ظهرت، على جانب الطريق، مشوهةً تحمل آثار تعذيبٍ منهجيٍ، وتبين بالكشف أنها جثة الشاب الإيطالي، وأنه قضى نتيجة دق عنقه من جراء التعذيب. تلك الجثة الهامدة المعذبة، الإشكالية بكل المعايير والمقاييس، صارت تنطق وتشير بأصابع الاتهام لجهةٍ أو جهات اشتهرت بمثل تلك الأساليب والممارسات، صارت تدين، تطرح الأسئلة وتطالب بالإجابات. هذه الجثة، بحالتها التي وجدت عليها، صارت عبئاً يهدد النظام وفق شواهد عديدة.
ليس من شك في أن جسد الميت مثّل عبئاً وإشكاليةً للإنسان مذ تطور وعيه وبات يدرك كم يشكل الموت لغزاً بالنسبة له، وقد تفاوتت الثقافات والحضارات والحقب في كيفية التعامل معه. لا أدعي خبرةً في هذا المجال، وإنما هي التجربة الشخصية وبعض النماذج التاريخية تحضرني. أنا ابن هذه الحضارة، مذ وعيت الدنيا وأنا أسمع أبي وأهلي يتحدثون عن مقابرنا، في قريتنا وفي القاهرة، يهتمون بحالتها والحفاظ عليها وطقوس الموت والدفن تحتل حيزاً رئيسياً في حياتنا، وليس من عجب فنحن ورثة حضارة تفننت في كيفية الحفاظ على جسد الميت فأبدعت في فن التحنيط حتى أبهرت الدنيا. كان الحفاظ على جسد المتوفى في حالةٍ جيدة بالغ الأهمية والخطورة لكي ينعم بالحياة الأبدية، وفي حالات بعض الفراعنة يتم الحفاظ على ذلك الجثمان الملكي المتميز في هرم ٍ محاط بآي التقديس… في حين أن ثقافات أخرى، الهند مثلا، وجدت حلاً عبقرياً للمشكلة بحرق الجثة. والأمثلة عديدة عبر التاريخ كجثة أوزوريس التي جمعتها إيزيس، وجسد المسيح الذي قام، الخ. غير أن أنظمتنا العربية الحديثة، ما شاء الله عليها، أبت إلا أن تتطور، ففي حين ظل الناس يدفنون موتاهم كما اعتادوا، وفق طقوس وتقاليد طائفتهم وبلدانهم، بات على الأنظمة أن تجد حلاً لضحاياها الكثر فتباينت السبل.
وُظف العلم الحديث مثلاً في ما يبدو اقتباساً مجوداً من الهند لإذابة أجساد المناوئين والمعارضين السياسيين، ولعل المناضل الشيوعي فرج الله الحلو هو المثال الأشهر من عهد الفوران العروبي ذاك. أما في أزمنة الترهل التي آل حالنا إليها فبات الأمر أكثر ابتذالاً وبلادةً ليوازي ما وصله الإنسان لدينا من رخص الثمن بل بخسه، حتى صارت أجهزة الأمن تساوم أهل القتيل بين تسليمهم الجثة مع تعهدهم بعدم الكشف عليها والصمت، أو تركها تجيف، لتتدخل الموروثات هي الأخرى داعيةً لـ»إكرام الميت بدفنه»، وعادة ما يرضخ ذووه. ولا يفوتنا في هذا السياق أن تطوراً محلياً جد ليواكب ذلك التطور الدولي الذي يمثله قتل ريجيني، حيث تمت تصفية خمسة أفراد لا ناقة لهم ولا بعير، غير أنهم بكل تأكيد «لا يساوون» وفق تسعيرةٍ للبشر غير معلنٍ عنها، إلا أن ما يمكن استشفافه بكل تأكيد هو كون الفقراء لا قيمة لهم وفق تلك التقسيمة، الطبقية حصراً وبامتياز. لن أنكر أن الحيرة ماتزال تتملكني حول الدوافع الحقيقية، ولعل الأقرب إلى ذهني يتلخص في أن جهةً ما أوكل إليها التحقيق مع ذلك الشاب لأسبابهم التي مازال الغموض يلفها، فتعاملوا معه بأسلوبهم الفظ المعتاد، بآليةٍ بليدة ترى في الناس قطعاً ، «كما لو كان مصرياً»، على رأي الخالة أم جوليو ريجيني، وإذ أثقلوا العيار وزهقت روحه، أدركوا الفرق، وأنه ليس واحداً منا يجري عليه ما علينا من الدفن في حفرةٍ مجهولةٍ في صحراءٍ منسية أو مساومة أهله، وفي لحظة ارتباكٍ أسهمت فيها تطاحنات الأجهزة وإلحاح الإيطاليين تم إلقاؤه على قارعة الطريق على أمل أن يتم إخراجها في صورة حادث سير، ليثار تساؤلٌ آخر: ألم يسألو أنفسهم: هل كان ذلك «الخواجة» سيسكت عنهم فيكتم سر بشاعتهم وانتهاكهم له لو قدر له أن يعيش من منطلق العيش والملح و»الجدعنة»؟ بالتأكيد كان سيفضحهم. هذا بالطبع بافتراض أن النية لم تكن مبيتةً والعزم لم يكن منعقداًعلى تصفيته، وإن كان عكس ذلك فلمَ لم يكتفوا بتصفيته؟ لماذا عذبوه؟ هل هي المتعة وشهوة التعذيب؟ في حقيقة الأمر فإن ظهور جثة ريجيني لا يقذف بنا إلى هوة التساؤلات عن مصير آلافٍ من المختفين قسريا ومنهم من قضى في الأسر في ظروفٍ لا يعلمها سوى الله والجهات المسؤولة، وإنما يعكس الضوء على جثةٍ أخرى نادراً ما نلتفت إليها أو نراها من خلال ذلك الإطار: جثة النظام المصري ودولته الحديثة، تلك الجثة الأكبر والأهم، ماثلةٌ أمام أعيننا، تتواتر الدلائل والحماقات على تفسخها وعجزها الاقتصادي – الاجتماعي والسياسي الذي تستعيض عنه بما تعرف: القبضة الأمنية، الرئيس السيسي بنفسه اعترف بأزمتها إلا أنه غالط، إذ زعم بأنه أدركها وهي على وشك الانهيار، فالحقيقة أنها منهارة وأن إدارته لها إسهامٌ في ذلك الانهيار وإشرافٌ عليه، وما ذلك الشحن الوطني الساخن سوى نوعٍ من التحنيط في محاولةٍ لإضفاء القداسة باستدعاء العواطف الجياشة الخاشعة، لكن ذلك لا يغير من حقيقتها: جثة فات أوانها في الحساب النهائي، لا يمكنني التكهن بما ستؤول إليه تلك الأزمة، وأكاد أجزم بأن أطرافاً في إيطاليا لها مصالحها الضخمة مع نظام السيسي، الذي يقدم الرشى في صورة صفقات سلاح بالمليارات، وتتمنى تصفية الأمر والمرور عليه بعد فاصلٍ من الضجيج، لولا أن الأمر دخلت فيه تنظيماتٌ وتيارات ٌجماهيرية ضخمة وحقوقية، وبالتالي بات يصعب تجاهله في بلدٍ مازالت فيه قواعد ما للعبة السياسية وللإنسان سعرٌ ما فيه، على الأقل أعلى من تسعيرة المواطن العادي، الغلبان في بلدنا.
أياً كان، فإننا لا بد أن نجد بدورنا حلاً لجثة النظام التي لدينا، وإذ أستحضر التراث فإنني أرى أن إكرامها إنما يكون في دفنها هي الأخرى، حينذاك قد نتصالح معها لن أقول إننا سنترحم عليها وإنما سنتصالح معها كمرحلةٍ مرت بعد أن استوعبناها وتخطيناها.

٭ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية