لا يمكن وضع المصادر الإخبارية للقنوات الرزينة على درجة واحدة من الجودة والصدقية، بل تتغير جودتها وصدقيتها وفقاً لطبيعتها ومميزاتها الخاصة. فإذا نظرنا إلى المصادر الإخبارية التي اعتمدت عليها هذه القنوات، خلال تغطيتها للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، نرى أنها تقسم إلى قسمين: مصادر بشرية ومصادر صورية. ويندرج تحت هذين المصدرين صنفان من المصادر وهما مصادر إخبارية أولية وأخرى ثانوية.
المقصود بالمصادر البشرية الأولية للأخبار، هي كل الأشخاص الذين عايشوا الحدث عن قرب بأنفسهم، لكنهم من خارج عالم الإعلام ورجالاته، كالجرحى وذويهم وذوي القتلى والمشردين، وهؤلاء يندرجون تحت وصف «رجل الشارع»، وكذلك السياسيين والناشطين والجنود والمقاتلين والأطباء. أما المصادر الثانوية فهي مستمدة بالأساس من الصحافيين ومراسلي القنوات الإخبارية من جهة، والمعلقين والمحللين السياسيين من جهة أخرى. ويُصنّف الصحافيون على أنهم مصادر ثانوية للأخبار كونهم جزءا لا يتجزأ من عالم الإعلام، ويمكن أن تمارس عليهم ضغوط من مسؤوليهم بصورة أو أخرى، أي أنهم ليسوا أحراراً بالمطلق، بل لديهم خطوط حمراء وأعراف وسياسات تحريرية عليهم الالتزام بها. أما المحللون السياسيون والخبراء فيمزجون بين المعلومات الخبرية وإرثهم المعرفي وتجاربهم الشخصية لتقييم الأحداث والحكم عليها، وهم في الحقيقة واقعون بين عالمين: عالم الإعلام وعالم الواقع. فهم ليسوا إعلاميين ولا صحافيين إلا أنهم قريبين جداً منهم. وبسبب قربهم هذا قد تمارس عليهم ضغوطاً ما، كمطالبتهم صراحة بانتقاء ألفاظهم، أو تحريضهم على وصف جماعة ما بوصف يناسب سياسة القناة، كوصف جماعة مقاتلة بأنها جماعة «إرهابية» أو أنها «مقاومة»، بحجة أن هذا الأمر هو الوصف الدارج في القناة.
ولهذا أثبتت الدراسات الإعلامية أن أكثر مصادر الأخبار ثقة وصدقية لدى الجمهور وأكثرها تأثيراً عليه هو المواطن العادي أو المعروف اصطلاحاً بـ»رجل الشارع»، لتحرره من القيود الإعلامية وامتلاكه زمام أمره، ولا توجد لديه مصلحة تربطه بالإعلام، إلا إن سوء تعامل القناة الإخبارية مع مصادرها البشرية الأولية قد يقلب الموازين ويخل بجودة تغطيتها الإعلامية. يحدث هذا عندما يعمل المراسل الصحافي على إخراج «رجل الشارع» من دوره العفوي وحريته في التعبير عن مشاعره ومواقفه الصادقة، ويجبره ليكون أداة له ولمحطته. حدث هذا مثلاً عندما قابل أحد مراسلي قناة إخبارية رزينة رجلاً يبحث عن أطفاله الثلاثة بعد تعرض حيّه في غزة للقصف، وعندما وجه إليه المراسل سؤالاً ألب عليه مواجعه، فاضت عيناه من الدمع، فوضع يده على عدسة الكاميرا ليمنعها من تصوير مشاعره، إلا أن المراسل أزاح يده عنها قائلاً:»بل نريد أن نُري العالم ما حصل لك ولأولادك». إن عدم احترام المراسل لرغبة «رجل الشارع» بعدم تصويره بهذه الهيئة، أخرجه من عفويته وصدق مشاعره إلى تأدية دور موظف ومقصود. فقد «عرّى» المراسل الصحافي بتصرفه هذا مصدره الإخباري الأولي وألبسه ثوباً غير ثوبه.
ويمكن أن يحدث العكس، كأن يُلبّس مصدر ثانوي للأخبار ثوباً غير ثوبه. حدث هذا عندما استضافت قناة إخبارية صحافياً إسرائيلياً، وخلال الحوار معه وجه إليه المذيع أسئلة وكأنه ضابط في الجيش الإسرائيلي أو وزير في الحكومة الإسرائيلية. وكان هذا واضحا من خلال تصرف المذيع مع الضيف، ومن أسئلته التي احتوت على تعبيرات معينة من قبيل «أنتم» و»حكومتك»، ومن عدم مخاطبته عن قصد بلفظ «السيد» (بعكس مخاطبته لضيوفه الآخرين). فإن كانت لدى المذيع رغبة في مهاجمة المواقف الإسرائيلية من حرب غزة، أو يريد التعبير عن تعاطفه مع الفلسطينيين بأسلوبه الخاص، كان عليه استضافة مصدر أولي للأخبار من دائرة الجيش أو الحكومة الإسرائيلية ليصب جام غضبه عليه، وليس صحفياً لا يمثل إلا رأيه ولا يعرض إلا نظرته للأمور، وليس له في حرب غزة لا ناقة ولا بعير.
يختلف الأمر عند الحديث عن المصادر الإخبارية المصورة، إذ تعتبر المواد الصورية التي تأتي من مصادر صحافية معروفة المصدر ـ كوكالات الأنباء وإنتاجات القناة نفسها ـ مصادر أولية للأخبار، اما المواد الصورية التي تأخذها القناة من الإنترنت فتعد مصادر ثانوية وهي نوعان: مصادر منقولة من الإنترنت غير معروفة المصدر تماماً، تلجأ إليها القنوات الإخبارية لحاجتها الماسة إليها، ولعدم توفر مصدر آخر للصور غيرها (لحين توفرها من مصدر أولي معروف). ومصادر صورية منقولة من الإنترنت من إنتاج جهات وجماعات سياسية أو عسكرية معروفة تحاول الترويج لأمر ما. الفارق بين المصدرين أن الأول لا تكون لديه النية المسبقة لإحداث تأثير كبير في المشاهد عند وضعه للصور في الإنترنت. أما الثاني فتكون لديه أهداف مبيتة ومقاصد ومرام دعائية يقصد بنشرها التأثير في المشاهد وتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية. وهذان المصدران يتعين أخذ الحيطة والحذر عند التعامل معهما؛ فأولهما مجهول المصدر وثانيهما دعائي مسيّس.
الذي حدث خلال تغطية القنوات الرزينة لحرب غزة أنها لم تحاول تعزير مصادرها الصورية الأولية من خلال العمل الصحافي الخاص بمراسليها، واعتمدت لحد كبير على المصادر الصورية الثانوية. حدث هذا عندما لم توفر وكالات الأنباء صوراً عن آثار الهجمات الصاروخية الفلسطينية على المدن الإسرائيلية ولا صوراً للدمار الذي أحدثته، ولا صوراً قريبة للقتلى والمصابين الإسرائيليين. فلم تحاول القنوات الرزينة إكمال هذا النقص عبر تقارير مراسليها ومصوريها، واكتفت ببث ما جاءها من وكالات الأنباء، وهي صور بالتأكيد تخفي خسائر إسرائيل في الحرب. وكان الكشف عنها يمكن أن يُشفي صدور مشاهديها المتعاطفين مع المظلومين والضعفاء في قطاع غزة. وكان يمكن أن تساعد المقاومة الفلسطينية في معرفة مدى نجاح صواريخها في إصابة أهدافها. في حين أن بعض هذه القنوات توفد جيشاً من المراسلين والمذيعين الإضافيين إلى إسرائيل لتغطية أحداث أقل أهمية للمشاهد العربي، مثل تغطية انتخابات الكنيست الإسرائيلي.
وحدث كذلك عندما استخدمت هذه القنوات تسجيلات صورتها كتائب القسام ـ الجناح العسكري لحركة حماس ـ بنفسها لعملياتها العسكرية خلف خطوط العدو، وتفاخرت ببثها وكأنها من مصادرها الأولية، وعيرت بها الإعلام الإسرائيلي الذي بث بعضها واقتطع بعضها الآخر. لتغطي بذلك على عدم قدرتها على توفير صور قريبة من المواجهات العسكرية بين الطرفين. ولم تنقل حتى صوراً قريبة للطائرات أو الدبابات الإسرائيلية وهي تقصف البيوت ناشرة الموت والدمار بين الفلسطينيين، واكتفت بنشر آثر ما تحدثه من قتل ودمار. في حين نشرت مقاطع كثيرة لصواريخ المقاومة وهي تطلق على إسرائيل، من دون أن تُري أثرها على الأرض، أي أنها فعلت تماماً ما يفيد دهاة إسرائيل من الخبراء الإعلاميين والمتآمرين معهم من وكالات الأنباء العالمية.
إن اعتماد القناة الإخبارية كثيراً على مصادر المواد الصورية الثانوية دلالة واضحة على قلة كفاءتها المهنية وعلى كسلها وعجزها. فما أسهل أخذ هذه الصور من الإنترنت وبثها من دون أي تكلفة مادية أو بذل أي جهد.
كل هذا ما كان ليحدث لو أعدت هذه القنوات الإخبارية دراسات إعلامية بحتة، تريها نقاط قوتها وضعفها وتقترح عليها إستراتيجيات إعلامية مبنية على أسس علمية. فهل ستكف القنوات الإخبارية عن تخبطها العشوائي هذا يوماً ما؟
٭ كاتب فلسطيني
د. فايز شاهين