تأسّس حزب الله في أوائل الثمانينات من القرن الماضي على يد مجموعة مستشارين من الحرس الثوري الإيراني والّتي أشرفت على تدريب وتوجيه مجموعات من الشباب اللبنانيّين الشيعة على العمل العسكري والتثقيف العقائدي على فكر الثورة الإسلاميّة في إيران وقائدها آية الله الخميني، كانت كوادر الحزب من اللبنانيين بمجموعها من الشباب حديثي السن في العشرينيات من عمرهم في ذلك الوقت، ولم تمض سنوات قليلة على قيام الحزب حتّى تولّى منصب الأمين العام السيّد حسن نصر الله بعد أن إغتالت إسرائيل الشيخ عبّاس المولوي الأمين العام السابق عام 1992، بعد فترة قصيرة إنشقّ عن حزب الله الشيخ صبحي الطفيلي وهوأهم مؤسّسي الحزب وأوّل أمين عام له، رغم أنّه هومن أعلن بإسم مجلس شورى حزب الله تنصيب حسن نصر الله أمينا عامّا جديدا له، وقد قال الشيخ الطفيلي وقتها أنّ سبب إنشقاقه هوإعتراضه على «شخصنة» الحزب وربط الأمور كلّها بشخص واحد (والمقصود هوحسن نصر الله) والإبتعاد عن منطق الشورى.
كان هذا في بداية التسعينيات عندما كان الحزب في بدايات تكوينه وحسن نصر الله قائدا جديدا مغمورا، فعلينا تصّور الوضع الآن بعد أكثر من عشرين سنة وبعد أن تضخّم حزب الله إلى الدرجة الّتي يرسل فيها قوّاته للمشاركة في حروب إقليميّة كبرى، ويرسل خبراءه حول العالم كمستشارين في كافة المواضيع العسكريّة والسياسية إلى الإقتصادية، كما أصبحت ميزانيّته ضخمة بما يكفي لتمويل نشاطاته، أمّا السيّد حسن نصر الله فقد إكتسب بعد هذه السنوات عند أتباعه درجة أقرب للقداسة، فبإمكانك أن تقول عن حزب الله ما تشاء وأنّ تتّهمه بشتّى الإتّهامات من تجارة المخدّرات إلى القتل والإرهاب دون أن تستفزّ مشاعر عناصره، أمّا أن تتعرّض لشخص حسن نصر الله فذلك قد يعرّضك لعمليّات إنتقاميّة من أتباعه والّذين قاموا بمهاجمة محطّات تلفزيونيّة ومقرّات صحف أوأحزاب أوأفراد لمجرّد أنّ هذه الجهات قد عاملته بالطريقة نفسها الّتي تعامل بها باقي السياسيّين اللبنانيين من ناحية الإنتقاد أوالتندّر بأخطائهم وهفواتهم أوحتّى تقليدهم، ولم يكتف أتباعه بذلك بل كانوا يلجأون لإحراق وتحطيم المرافق العامّة حتّى لا تتكرّر حالات التعرّض «لمقام» سماحة السيّد !!.
لحزب الله قيادتان عسكريّة وسياسيّة، خلال السنوات الأخيرة تمّت تصفية كل قيادات الصفّ الأوّل العسكريّة وكان التدخّل العسكري الواسع في سوريا لدعم نظام الأسد قد لعب الدور الرئيسي في ذلك وكان من أهمّها عماد مغنّية في 2008 ومصطفى بدر الدين في 2016 والعشرات من أمثالهم وقد كان خبر تعيين مصطفى إبن عماد مغنيّة من مواليد طهران 1987 ليخلف خاله مصطفى بدر الدين بمنصب القائد العسكري لحزب الله ملفتا للنظر ليس فقط لصغر سنّه والّذي يوضّح غياب التراتبيّة الحزبيّة والعسكريّة في حزب الله بل وكذلك لأنّه يشير لقلّة الكفاءات القياديّة في هذا الحزب، وهيمنة الطريقة اللبنانيّة في الزعامات السياسيّة العائليّة والّتي تورّث للأقرباء رغم معرفة ومشاهدة الجميع للكوارث الّتي ترتّبت على هذه الطريقة والّتي كما يبدوستتكفّل بالقضاء على الأحزاب اللبنانيّة الّتي نعرفها جميعها.
أمّا من ناحية القيادة السياسيّة لحزب الله وأوّلها الشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام للحزب والّذي يتمتّع بالقليل جدّا من الصفات القياديّة، وبشكل عام فإنّ كل من قام بلعب دور الظل للقادة الفرديّين تكون فرصته لخلافة الزعيم معدومة كما أنّه لن يكون مقنعا كقائد بعد أن أمضى عمره وهويتلقّى التعليمات والتوجيهات، أمّا وزراء ونوّاب حزب الله وعند إستعراضهم فردا فردا فسنرى أنهم من الناحية الشخصيّة أقرب للسياسيّين في الديكتاتوريّات الّذين تقتصر وظيفتهم على التغنّي بحكمة وعظمة القائد، وهذا ليس حال الكثير من السياسيّين اللبنانيّين من القوى السياسيّة الأخرى حيث يوجد هناك تباين في الآراء وإختلاف في الإجتهادات، بينما في حزب الله لا يوجد من يجرؤ على التفكير بدور قيادي أهم من وظيفته الحاليّة والّتي تبدوالآن كأنّها كبيرة عليه.
إذا نحن اليوم أمام حزب يدور حول شخص الأمين العام فقط، تماما كما قال الشيخ صبحي الطفيلي قبل عشرين عاما، ولا يوجد في الحزب شخصيّة يمكن إعتبارها رقم إثنين ولا ثلاثة ولا عشرة مثل كل الأحزاب الشموليّة، وفي هذه الحالة كيف سيكون الحزب في حال غياب حسن نصر الله لسبب ما، فهوالآن في السادسة والخمسين من العمر ونصيبه من الأمراض يفوق من هم في جيله لإعتبارات كثيرة لسنا في واردها ، كل الأسماء الّتي نسمعها عن هيئة قياديّة أومجلس سياسي أومجلس تخطيطي وسواها ليست سوى مجموعة من الأشخاص الّتي تنتظر «إطلالات» السيّد والّتي تتضمّن آخر تحليلاته للوضع العام وتوجيهاته لكيفيّة التعامل مع المستجدّات لتنطلق بالدفاع عن هذه السياسات والتغنّي بحكمة وشجاعة وبعد نظر الأمين العام، لا يبدوأنّ هناك خيارات حسنة عندما يرتبط مصير حزب أودولة بمصير فرد والتاريخ الحديث مليء بالأمثلة، التوريث على الطريقة اللبنانيّة غير وارد وتواجهه صعوبات كثيرة خصوصا أنّنا أمام حزب ذي بعد ديني وسياسي في الوقت نفسه، عندما كانت الأحزاب الشيوعيّة تواجه مشكلة مماثلة كانت تلجأ للإتّحاد السوفييتي ليقوم مستشاروه بإيجاد حل فهذه الأحزاب هي جزء من مشروع أكبر، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة هي المرجع هنا وحزب الله أيضا جزء من مشروع أكبر وقد قيل أنّ قاسم سليماني هومن عيّن مصطفى مغنيّة مكان خاله ولكن مع ذلك فإنّ المشكلة هي ليست في من سيعيّن القيادة الجديدة، المشكلة هي عدم وجود مرشّحين مؤهّلين لأدوار قياديّة بعد عقود من الزعامة الفرديّة.
لم يصل حزب الله إلى هذه المرحلة بعد ولكنّها ستواجهه يوما ما وهذه ليست سوى واحدة من سلبيّات الأحزاب الّتي تتمحور حول زعيم واحد مهما كانت مواصفاته إستثنائيّة، وهذه حالة مستعصية لا علاج لها، ولنسأل جمهور «المقاومة» إذا كان يستطيع تصوّر حزب الله بدون وجود حسن نصر الله؟
كاتب سوري
الدكتور عماد بوظو