مروان ياسين الدليمي: لن تجد نفسك في حالة من الحيرة إذا ما أردت ان ﺗﺻﻒ الانتخابات الأخيرة للترشح إلى البرلمان العراقي بالمزورة والتي جرت في 12 أيار/مايو الماضي لان فضائح عمليات التزوير كانت تحاك من قبل القوى السياسية بوقت مبكر قبل ان تبدأ، تم الكشف عنها عبر أشرطة صوتية تم تسريبها إلى مواقع التواصل الاجتماعي جرت بين مرشحين معروفين وأشخاص مكلفين من قبلهم لشراء البطاقات الانتخابية من الناخبين.
هناك محافظات استشرى فيها التزوير إلى درجة كبيرة جدا مثل نينوى وصلاح الدين والانبار وكركوك وهذا يعود إلى ان هذه المدن كانت قد خرجت منذ فترة قصيرة من حرب طاحنة ضد تنظيم «الدولة» (داعش) وهذا ما أدى إلى انهيار كافة مؤسسات الدولة فيها وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، ونزوح معظم سكانها عنها، وما زالت تعيش حتى بعد نهاية الحرب حالة من الفوضى لاحدود لها مما يؤشر على ضعف حضور الدولة وسيطرة قوى عشائرية وميليشياوية على الحياة العامة فيها.
لم يقتصر التزوير على مدن العراق بل تعداه إلى المحطات الانتخابية في البلدان العربية و الأجنبية وهذا ماكشفه النائب مشعان الجبوري في حوار اجري معه على قناة الشرقية في 23 أيار/مايو الماضي، حيث قدم عديد الأدلة التي تشير إلى عمليات بيع محطات انتخابية بكامل القوائم التي تضم أسماء من يحق لهم التصويت خاصة في الأردن وسوريا، وتم تزويرها لصالح قوائم وأسماء مشاركة في السباق الانتخابي.
لعل أخطر ما شهدته هذه الدورة الانتخابية دخول عدد من قادة الميليشيات الطائفية المعروف ارتباطهم بنظام ولاية الفقيه في ايران إلى السباق الانتخابي ضمن قائمة «الفتح» مثل هادي العامري (زعيم منظمة بدر) وقيس الخزعلي (زعيم عصائب أهل الحق). وتشير معلومات مسربة من مفوضية الانتخابات إلى ان عدد العناصر الميليشاوية التي سبق ان حصلت على الترخيص القانون للمشاركة في الانتخابات قد وصل إلى 62 شخصية بعد ان أعلنوا استقالتهم من الحشد الشعبي وبذلك تمكنوا من الخروج من تحت طائلة البند الثاني من قانون المفوضية الذي يمنع ترشح العسكريين وأفراد قوى الأمن الداخلي والحشد الشعبي، وصادقت المفوضية على 11 حركة وحزب شكلتها هذه الميليشيات.
من هنا لن يكون من باب التجني إذا ماطلقنا على هذه الدورة مصطلح «دورة الميليشيات» حيث تم من خلالها تحويل عناصر ميليشياوية إلى ساسة، رغم ما يسجل عليهم من ملاحظات تدينها من قبل المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان نتيجة تورطها في الحرب السورية إلى جانب نظام الأسد هذا إضافة إلى عمليات خطف وانتهاكات طالت العرب السنة في العراق.
تحول قادة الميليشيات إلى ساسة وصعودهم إلى البرلمان ستكون له نتائج خطرة على مستقبل العراق، ربما ستدخله في نفق أشد عتمة مما شهده خلال الأعوام السابقة، لان صعودهم سيفضي إلى هيمنتهم على السلطة التشريعية ﻭالتنفيذية معا، وهذا يعني ان العملية السياسية في المرحلة المقبلة ستشهد عسكرتها.
مالذي ستكون عليه أحوال العراق بعد ان تصبح مؤسسات الدولة (التشريعية والتنفيذية) تحت سلطة عناصر لا تتقن سوى اللعب بالسلاح بينما تعجز تماما عن اتقان لغة الحوار مع الخصوم؟
وما هي حدود الحرية التي سيتحرك فيها بقية النواب عندما يتصدون لأية قضية تحت قبة البرلمان بينما يجلسون إلى جانب عناصر ميليشياوية؟
والسؤال الأهم: هل سيتمكن البرلمان من تمرير قرارات تعزز من سيادة العراق على أرضه وثرواته لا تتفق مع مصالح قادة الميليشيات وارتباطاتهم الخارجية؟
اسئلة كثيرة تطرح بهذا الخصوص، وسيكون من الصعب التنبوء بما ستكون عليه صورة البرلمان المقبل بعد ان تربعت قائمة «الفتح «على المرتبة الثانية بعد قائمة «سائرون»التي يتزعمها رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر.
بكل الأحوال فإن هذا المتغير يشكل علامة انتكاس كبيرة في مسار العمل البرلماني رغم ما شابه من اخفاق في دوراته السابقة وما سجل ضده من ملاحظات كثيرة.
الحديث عن التزوير الذي صاحب الانتخابات جرى ﻋﻠﻰ ﻟﺴﺎﻥ معظم ﺍﻷﻃﺮﺍﻑ ﺍﻟﻤﺸﺎﺭﻛﺔ فيها، وهي تستحق فعلا ان يقال عنها بانها ﺍﻧﺘﺨﺎﺑﺎﺕ ﺍﻟﺘﺰﻭﻳﺮ ﺍﻟﺸﺎﻣﻞ ﻹﺭﺍﺩﺓ ﺍﻟمواطن، خاصة وان قطاعا واسعا من الشعب العراقي قد أعلن مقاطعتها، ﺣﻴﺚ تشير ﺍﻟﺘﻘﺪﻳﺮﺍﺕ الواقعية ﻟﻨﺴﺐ ﺍﻟﺘﺼﻮﻳﺖ على انها ﻟﻢ ﺗﺘﻌﺪ 19 في المئة ﻣﻦ ﺃﺻﻮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﺠﻠﻴﻦ في قوائم الانتخاب، وهذا لوحده يكفي لفقدانها الشرعية، والتشكيك بمصداقية نتائجها.
بدا واضحا لكثير من المتابعين ان العملية الانتخابية الأخيرة كانت تتمة لما سبقها من مشاهد تم الاتفاق على تفاصيلها الصغيرة بين القوى الكبيرة التي تمسك بعصا السلطة خاصة التحالف الوطني الشيعي بقيادة حزب الدعوة وزعماء الميليشيات ولم يكن اصرار هذه الأطراف على وصول الناخب العراقي إلى مراكز الانتخاب إلا محاولة منها لإضفاء صبغة شرعية عليها.
مفوضية الانتخابات وازاء ضغط الأصوات الكثيرة التي تعالت مطالبة بكشف عمليات التزوير التي شهدتها عديد المحطات الانتخابية اضطرت ان تعلن في 30 أيار/مايو الماضي الغاء عديد المحطات الانتخابية داخل وخارج العراق. فقد ألغت اللجان الفنية التابعة لها (852) محطة من أصل (2000) تم تدقيقها من قبل تلك اللجان موزعة كالآتي: (اربيل73) و(الانبار50) و(السليمانية96) و(بغداد/الرصافة3) و(بغداد/الكرخ 3) و(دهوك224) و(ديالى2) و(صلاح الدين36) و(نينوى179) و(كركوك 186). وبذلك يكون عدد المحطات التي تم الغاؤها (954) محطة من قبل اللجان الفنية في المفوضية. أما ما يتعلق بالمحطات الملغاة في انتخابات الخارج فقد بلغ مجموعها (67) محطة موزعة على الدول الاتية: (المانيا10) و(الأردن22) و(امريكا31) و(السويد 2) و(بريطانيا1) و(تركيا1). وبذلك يكون اجمالي العدد النهائي للمحطات الملغاة يساوي (1021) محطة في داخل العراق وخارجه.
عملية الإلغاء أكدت صحة كل التقارير والأدلة التي شككت بنتائج الانتخابات وبسلامة الإجراءات التقنية التي نظمتها، بالتالي فتحت الباب واسعا لجدل حاد بدأ يتصاعد بين الفائزين والخاسرين وكذلك بقية شرائح المجتمع سواء التي شاركت أو التي قاطعت العملية الانتخابية، وهذا ما دعا رئيس الجمهورية فؤاد معصوم إلى التشكيك بقرار البرلمان العراقي وعدم دستوريته الذي اتخذه بتاريخ 28 / 5 / 2018 والذي دعا فيه إلى إلغاء نتائج الانتخابات جزئياً أو كلياً، وفاتح معصوم بهذا الخصوص المحكمة الاتحادية العليا للبت في هذا الموضوع بوصفها الجهة القضائية المسؤولة عن تفسير الدستور.
عموما فإن الأيام المقبلة سترفع من سخونة الصراع السياسي القائم في العراق وربما ستدفعه إلى المزيد من الاحتقان الطائفي بين جميع الفرقاء السياسيين وربما سنشهد فصلا جديدا سينعطف بمسار المشهد السياسي العراقي إلى ما هو أشد توترا وتعقيدا.
11TAG