كيف تستغل إسرائيل الإعلام الإخباري العربي في حربها على قطاع غزة؟

حجم الخط
5

إن سألت نفسك ـ عزيزي القارئ ـ الآن ما هي أقوى الصور العالقة في ذهنك عن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة؟ ستجد أنها بلا ريب صور قتلى الفلسطينيين من الأطفال وصور الثكالى من النساء والبيوت المدمرة على رؤوس أهلها. وبالمقابل إن سألت نفسك أي الصور العالقة بذاكرتك عن نتائج إطلاق صواريخ المقاومة الفلسطينية؟ وإن كنت تستطيع تذكر صورة لقتيل إسرائيلي واحد أو صورة لمصاب إسرائيلي واحد مضرج بدمائه؟ فإنك بالكاد تستطيع ذلك. والسؤال المطروح الآن: لماذا تعلق صور قتلى الفلسطينيين ولا تعلق صور قتلى الإسرائيليين بذاكرتك؟ الجواب ببساطة هو أن المحطات الإخبارية العربية تُريك طرفاً وتخفي عنك الطرف الآخر، ظناً منها أنها تخدم بذلك الفلسطينيين وقضيتهم، وهو بالتأكيد تصور واهم وإستراتيجية إعلامية خاطئة.
إن ما تقوم به القنوات الإخبارية الرزينة يخدم بلا شك أهداف إسرائيل في حربها على غزة من دون أن تشعر، وبعكس ما تريد. فإسرائيل ترغب بشدة في نشر صور القتل والدمار إلى العالم العربي بصورة خاصة وإلى العالم بصورة عامة، لتنشر الرعب في قلوب الفلسطينيين وأعدائها من العرب وغيرهم. إسرائيل تعلم أن وجهها قبيح وسمعتها مشوهة في العالم كله منذ إنشائها، ولا يهمها ذلك، بل تزيد عليه، لتزرع العجز والخوف والإرهاب في نفوس الناس. فهذا الأمر هو الذي يبقيها على قيد الحياة إلى الآن. أما الصور التي تُظهر قوة أعدائها كالمقاومة الفلسطينية وتأثير ضرباتها عليها، فتحاول إسرائيل إخفاءها قدر المستطاع. نحن نرى منذ اندلاع الحرب مئات اللقطات لصواريخ المقاومة وهي تنطلق من القطاع، لكننا لا نرى تأثيرها على الأرض، بل نشاهد فقط كيف تعترض القبة الصاروخية بعضاً منها، أما مئات الصواريخ التي أصابت أهدافها فلا نرى منها شيئاً. فهل هذه مجرد صدفة؟ وربما لاحظت ـ عزيزي القارئ ـ كيف يخفي المسعفون الإسرائيليون جرحاهم عن عدسات كاميرات المصورين المنصوبة أمام المستشفيات الإسرائيلية، في حين تسمح إسرائيل لجميع المحطات العربية والعالمية نقل صور القتل البشع والدمار وأصوات الثكالى وآهات المصابين الفلسطينيين إلى مشاهديها في العالم كله. ألم يلحظوا أن إسرائيل تتعمد التكتم على خسائرها وقتلاها، أهذا كله مجرد صدفة؟
قد يتوهم بعضهم أن ما صرح به وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان بنية الحكومة الإسرائيلية دراسة منع قناة الجزيرة من العمل في إسرائيل هو دلالة واضحة على امتعاظ إسرائيل من تغطية القناة للحرب الدائرة في قطاع غزة، لما تنقله من صور القتل والدمار، ويرون أن على قناة الجزيرة الاستمرار في تغطيتها هذه، بل وتكثيفها بالتركيز أكثر على آلام الفلسطينيين. إلا أننا لو نظرنا إلى الأمر من وجهة نظر محايدة لعلمنا أن تصريحات ليبرمان جاءت بعد أسبوعين من بدء الحرب، فما الذي فعلته قناة الجزيرة ـ ولم يفعله غيرها ـ لكي ينعتها الوزير الإسرائيلي بالإرهاب ويهدد بمنعها من العمل في إسرائيل؟ الجواب بكل بساطة هو ليس تغطيتها التي تقوم بها منذ بداية الحرب بلا اعتراض من إسرائيل، بل السبب هو بث القناة لتسجيل مصور لمتحدث باسم كتائب القسام ـ الجناح العسكري لحركة حماس ـ قبل يوم من ذلك، أعلن فيه عن بعض إنجازات كتائبه العسكرية ومنها، أسر جندي إسرائيلي. لقد بثت قناة الجزيرة الفيلم المصور بالكامل من دون تعليق عليه أو تشكيك في ما ورد فيه. كما تفعل القنوات الإخبارية الأجنبية عادة عندما تتعامل مع مصادر إعلامية غير متعارف عليها دولياً. لقد أرادت إسرائيل تخويف القناة من بث كل ما يمكن أن يؤثر سلباً على نفسيات الجنود من مصادر العدو الأولى، التي يمكن أن تخلق رأياً إسرائيلياً عاماً يؤثر على الحكومة الإسرائيلية، وبالتالي على مجرى الحرب. وهذا ما يفسر السبب الذي دفع إسرائيل إلى صب حممها على القطاع بعد عملية الاختطاف، لتوقع المزيد من القتلى وتحدث المزيد من الدمار. فهي تريد بالدرجة الأولى حرف عدسة الكاميرا من جديد باتجاه الفلسطينيين، بعيداً عن الفشل الإسرائيلي، وحتى لا ينتشي الفلسطينيون بانتصارهم أو تتزعزع صورة إسرائيل كدولة تملك جيشاً قوياً ومدرباً. وهذا ما أعادت فعله مرة أخرى عندما أعلنت عن اختفاء ضابط آخر لها في رفح، إذ صبت حممها مرة أخرى لتظل صورة إسرائيل القوية هي المسيطرة على عقول الناس، بل يمكن القول إن الهُدَن الإنسانية التي تقدمها إسرائيل للفلسطينيين ما هي إلا فرص تمنحها إسرائيل للقنوات الإعلامية ليلتقطوا فيها صوراً تنشر الرعب في نفوس أعدائها، وتسقيهم الحسرة والألم على جرعات.
إن ما تقوم به المحطات الإخبارية الرزينة إلى الآن في تغطيتها للحرب المستعرة على قطاع غزة يخدم بلا شك إسرائيل بالدرجة الأولى. فقد قال بن غوريون يوماً: «لا يهم ما يقوله الأغيار بل المهم ما يفعله اليهود». وإسرائيل تريد أن تظهر بمظهر القوي والمسيطر، أما تشويه صورتها ومحاولة فضحها فأمور لا تهمها، إذ أن شيطنة الشيطان لا تزيده إلا فخراً بشيطنته. إسرائيل لا تريد أن تظهر بمظهر المسكين الجريح، بل تريد الظهور بمظهر الوحش الكاسر حتى يخشاها العدو والصديق. وتغطية المحطات الإخبارية الحاليه تقدم لها كل هذا على طبق من ذهب، وبلا مقابل إلى العالم كله.
لا داعي لأن تفخر أي محطة هاجمها الإسرائيليون وهددوها بالإغلاق، فإن فكرت هذه المحطات قليلاً لوجدت أنها ما زالت تعمل كما في السابق، ولم يحد أحد من عملها على الأرض، طالما أنها تنشر آهات الفلسطينيين وكل ما يؤلمهم ويزرع الحسرة في نفوسهم. أما إن أرادت بالفعل أن تهزم إسرائيل إعلامياً وتقف إلى جانب الفلسطينيين في محنتهم هذه، فما عليها إلا أن توجه كاميراتها إلى الجهة الأخرى وترينا صوراً للدمار الذي تحدثه صواريخ المقاومة في العمق الإسرائيلي. ولترينا دماء القتلى من الإسرائيليين، حتى تزرع الأمل في نفوس الفلسطينـــيين والمقــــاومين بمشاهدة أثر ما يفعلون ويثخنون. وعـــــندها فقط ستساعد هذه المحطات على إضعـــاف الحكومة الإسرائيلية أمام شعبها، وعندها أيضاً يمكنها تَوقّع إيقافها عن العمل في إسرائيل بالفعل.
والمضحك المبكي في الوقت ذاته أن هذه المحطات تملك الكثير من الإمكانيات المادية، إلا أنها تقف عاجزة عن توفير صور من ميدان الحرب في المدن الإسرائيلية وتأثير قصف المقاومة لها، فتكتفي «برغي الكلام» مع مراسليها في إسرائيل وقد ظهروا بمظهر أنيق وبقمصان زاهية ولا تقطر من جباههم قطرة عرق واحدة. ولم نرهم يجرون وراء صواريخ المقاومة ليرونا تأثيرها على الأرض، ويكتفون بعدّها عداً وهي طائرة في السماء! في الوقت الذي لا ينام فيه زملاؤهم في الطرف الآخر وهم يتراكضون هنا وهناك زارعين في نفوسنا الألم والحسرة بالصور التي ينقلونها، بل ولا تكف هذه القنوات عن مطالبة الجمهور بإرسال الصور الإعلامية عن الحرب لها عبر الإنترنت، في حين بالكاد يعد مراسلوها تقارير إخبارية متقنة الصنعة، بل يقفون بكامل زينتهم أمام الكاميرات ليسمعونا كلاماً لا يغني ولا يسمن من جوع. يا لها من تغطيات إعلامية غير متيقظة!

٭ كاتب فلسطيني

د. فايز شاهين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية