كيف تصنع تونس أصنامها وكيف تكسرها؟

لقد كانت جاهزة ومستعدة لذلك اليوم البائس والكئيب. ومن قبل أن تصل البرازيل كانت تدرك في قرارة نفسها أنه وبقدر ما كان هناك داخل بلدها من يتمنى بصدق وعفوية فوزها وتفوقها وصعودها على منصة التتويج، كان هناك أيضا على الطرف المقابل من يتطلع على العكس تماما إلى لحظة سقوطها وعودتها مهزومة خالية الوفاض من أي كسب أو نجاح.
وبالطبع كانت المبررات والدوافع من وراء تلك المواقف والتطلعات مختلفة ومعبرة عن حالة من تضارب المصالح وتداخلها حتى لو تعلق الأمر بما يلوح مصلحة وطنية عليا لم يكن مفترضا أو متوقعا أن تقسم الناس أو تفرق بين أي جهة أو طيف. وربما كان ذلك الإدراك المبكر لمصير من تدير لهم الأيام ظهرها دافعا قويا لحبيبة تونس، كما لقبها الإعلام المحلي، حتى تختار في اول ظهور إعلامي لها ساعات قليلة بعد إخفاقها المدوي في سباق الثلاثة آلاف متر موانع، الذي كانت مرشحة بقوة للفوز به في تلك الألعاب أن تعيد الأمور إلى نصابها وتذكر الجميع بقاعدة بديهية غفلوا أو تغافلوا عنها في غمرة انتصاراتها وبريق الشهرة والأضواء التي سلطت عليها من كل جانب، وهي أنها كانت وستظل قبل كل شيء وبعده كائنا بشريا ينجح مرة ويفشل مرات أخرى، وأنه لا وجود لتفوق أسطوري وأبدي لا تتخلله إخفاقات أوعقبات إلا في عالم المثل واليوتوبيا والروايات الخيالية فقط، كما أن حصولها على ميدالية أولمبية في الدورة السابقة لا يعني بالضرورة أن الطريق باتت معبدة ومفتوحة بالكامل أمامها حتى تحصد المزيد في الدورة الجديدة، بغض النظر عن طبيعة المنافسة وحجم المنافسين وتحضيراتها وظروفها الخاصة.
وحتى تحول تلك الفكرة البسيطة والعميقة في الوقت نفسه إلى جملة أو جملتين مختصرتين وقصيرتين فقد قالت حبيبة الغريبي نجمة ألعاب القوى الأكثر شهرة في تونس لمبعوث التلفزيون الرسمي إلى ريو «كنت مرهقة قليلا ولم أكن في أفضل استعداد على المستوى الذهني. أنا لست آلة حتى أكون دائما جاهزة في كامل لياقتي وإمكانياتي. حاولت الدفاع عن لقبي الأولمبي لكنني للأسف الشديد لم أوفق في ذلك. وقد تأثرت اثر الهزيمة لمعرفتي أن الجمهور التونسي كان يتابعني بشغف وينتظر تتويجي في ريو. وعلى كل حال أنا فخورة بمسيرتي وسأشارك في المونديال المقبل». لكن ما حصل هو أن تلك التفسيرات لاقت مزيدا من الآذان الصماء والقليل من التفهم والقبول المطلوب. وربما باستثناء المكالمة الهاتفية التي أجراها الرئيس الباجي قائد السبسي مع البطلة الرياضية بعد خسارتها السباق لتشجيعها والرفع من معنوياتها، فقد كان هناك غياب شبه تام من جانب الجمهور الواسع لفكرة التسليم والقبول بحقيقة انه لا يمكن للابطال أن يصبحوا أصناما أو قوالب جاهزة مستقرة لا تتأثر بما يجري حولها، وان يصيروا في عيون الناس اشبه بانصاف الهة جديرين بالمزيد من القداسة في حالات الفوز وبالرثاء والسخط والاستهجان والتحطيم في حالات الاخفاق والخسارة. وحتى حينما استقبل الشيخ راشد الغنوشي بطلا اخر اخفق بدوره في الاولمبياد الأخير «تقديرا للمجهودات التي بذلها من أجل رفع راية تونس بين الأمم» مثلما جاء في الصفحة الرسمية لزعيم حركة النهضة، فقد صورت معظم التعليقات ذلك الامر على انه موقف سياسي صرف ومحاولة محسوبة بذكاء وبراعة من جانب الشيخ وحركته لاختراق مجال الرياضة الذي ظل طوال عقود طويلة حكرا على من يوصفون بالحداثيين وحدهم، ولم ينظر للامر باعتباره خروجا عن نمط قديم وموروث لصناعة الاصنام في زمن قياسي ثم تحطيمها بسرعة بعد وقت قصير.
لقد برع التونسيون منذ السنوات الأولى لاستقلالهم في تلك الصناعة العجيبة وقادتهم عدة ظروف ومعطيات محلية واقليمية لان يحولوا عددا من القادة والزعماء والمشاهير من مجرد ابطال نسبيين وعاديين إلى قديسين معصومين ومبرئين من كل زلة أو خطيئة. ولم يكن هناك شك في أن شخصية الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة اول رئيس تونسي ظلت على مدى عقود بكل ما كانت تملكه من عناصر الابهار اللغوي وحتى الحضور المسرحي الاكثر قدرة على تشكيل الرأي العام وترسيخ تلك القناعات من خلال استئثاره واحتكاره وهيمنته بشكل شبه مطلق على الحياة السياسية في بلده على مدى ثلاثين عاما كاملة. هل كان الخلل في غياب الوعي والجهل بخطورة وعواقب تلك الصناعة المستعجلة لصنم بورقيبة التي بدأت مبكرا منذ سنوات حكمه الأولى أم كان العيب في عملية طرد الخصوم واقصائهم وقتل كل أمل في ظهور شخصيات أخرى قادرة على البروز والمنافسة على الزعامة وعلى أن تصير بدورها أصناما يوما ما والتي باشرها بورقيبة بشكل منهجي واعتمدها لتوجيه الانظار وتركيزها فقط صوب شخصه؟
لقد كانت عودة تماثيل بورقيبة إلى شوارع العاصمة وبعض مدن الساحل ترمز بالاساس إلى فشل الديمقراطية في اقناع قسم واسع من التونسيين بالتخلي عن تلك الصناعة القديمة والتطلع بحق إلى زمن المشاركة المفتوحة وبناء المستقبل بدون الحاجة إلى الارتباط الاعمى بجزء من الماضي من قبل تشريحه وعرضه على الفحص التاريخي اللازم. وفيما ظل صنم بورقيبة مهيمنا زمن الاستبداد بالاستثناء مرحلة حكم سلفه بن علي، التي عرفت تقلصا رمزيا في ظهوره ومحاولة رديئة وفاشلة لاستنساخه، فإنه بقي كذلك في مرحلة الخروج من الاستبداد ولم يفقد كثيرا من مظاهر ابهاره وجذبه العاطفي لكثير من الاجيال التي عاصرته وبالخصوص للنساء اللاتي رأين فيه المحرر الفعلي للمرأة.
ما جعل تلك الصورة تترسخ وتثبت وتصبح نوعا من مقدس جماعي لم يعد ممكنا تحريكه وزحزحته من الوجدان العام هو أن التجربة الجديدة في تونس تركزت منذ البداية على خرافة أن «الشعب يريد» وهو وحده من أطلق الثورة وقادها ضد الطغيان. واثبت الواقع أن اطلاقها لم يكن بريئا أو خاليا من الحسابات فهو وأد بطريقة أو بأخرى أي فرصة للسماح لاجيال من المناضلين والحقوقيين من الذين عاصروا بورقيبة ثم بن علي من أخذ مواقع ظلوا مبعدين عنها في السابق. حتى حينما وصل البعض منهم إلى السلطة عبر انتخابات ديمقراطية وشفافة فانه لم يجد لا المجال ولا الوقت ولا الظروف التي قد تحوله يوما ما إلى صنم صغير قادر على منافسة ذلك الصنم الاكبر. إن المشاهد ذاتها ظلت تتكرر بشكل سريالي عصي على الفهم. فقد ظل الرافضون لعودة بورقيبة واستئثاره بزعامة الممات بعد الحياة يقصرون جهودهم فقط على رفض رجوع تماثيله إلى مواقعها الاصلية بدون أن يفكروا أو يحاولوا اقناع الناس بالتخلي عما رسخ في عقولهم وضمائرهم من تمثلات حول شخص بورقيبة أو يقدموا لهم نماذج أصلية وحقيقية باستطاعتها أن تستحوذ على فضولهم واهتمامهم.
كانت المعركة كما سوقها الإعلام المحلي تجمع حداثيين يدافعون عن قيم الجمهورية بمحافظين ورجعيين يرغبون في محو أسس الدولة والمجتمع ونسفها.
والمفارقة أنها تحولت قبل أيام إلى مواجهة حداثية ـ حداثية بعد الجدل الكبير الذي رافق تدشين تمثال للشاعر الراحل الصغير أولاد حمد في الثالث عشر من أغسطس الماضي. أما محور ذلك الجدل داخل الصالونات الثقافية فكان السؤال الملح حول ما اذا كان ذلك العمل يليق حقا بالشاعر الراحل ويصلح لان يكون جديرا لتخليد ذكراه بين التونسيين أم لا؟
وما رأته عائلته وقسم من المهتمين هو أن ذلك لم يتحقق وهو ما دفعهم إلى مطالبة السلطات بإزالة ذلك التمثال. والغريب أن كل ذلك تم بعد مضي شهور قليلة على وفاة الصغير. وكما حصل مع الأحياء ها أن التماثيل الصغرى تتساقط وتتهاوى بالسرعة ذاتها التي بنيت بها ليعود الناس من جديد للتفكير في بناء أخرى وتستمر بذلك تلك الصناعة القديمة والعجيبة في تونس بدون أن تكون هناك مؤشرات أو دلائل على وجود جهوزية واستعداد واسع لتقبل حقيقة أن تلك الاصنام ليست «آلات» لصناعة النجاح الابدي والخالد، كما عبرت عن ذلك بطلة ألعاب القوى بعد فشلها اللافت وخيبتها في اولمبياد ريو.

كاتب وصحافي من تونس

كيف تصنع تونس أصنامها وكيف تكسرها؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية