كيف تفشل الحكومات وينجح الوزراء في تونس؟

قبل أن يعلن يوسف الشاهد مساء السبت الماضي نهاية مشاورات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في تونس، كان الفريق الوزاري الذي عرضه صباحا على الرئيس الباجي قائد السبسي، ثم لاحقا على الصحافيين قد ظهر ساعات قبل ذلك على مواقع التواصل الاجتماعي، ليقابل بموجة من التعليقات وردود الفعل تباينت بين القبول الحذر والمتحفظ به والتشكيك الفوري والسريع في قدرة بعض الأسماء على النجاح في المسؤوليات والمهام التي انيطت بها.
لقد كان الفريق المقترح من رئيس الحكومة المكلف خليطا عجيبا من الاداريين المخضرمين والسياسيين القدامى والجدد، بعضهم معروف نسبيا والآخر مجهول تماما حتى للمتابعين والمهتمين. وما جعل الشكوك تحوم بقوة حول إمكان توفق قسم منهم على الأقل في تحقيق الأهداف الخمسة التي أعلنها في خطابه الاول في الثالث من الشهر الجاري، هو أن سيرهم الذاتية التي نشرت في وقت قياسي والمواقف التي أعلنوها أو أخذوها حتى عهد قريب جعلت من الصعب على أحد أن ينتظر منهم صنع معجزة تقلب وضع البلد مئة وثمانين درجة، أو أن يتنبأ أو يتوقع أن يكون شكل العلاقة المرتقبة بينهم وبين رئيسهم أو بين بعضهم بعضا في حال ما إذا حصلوا على ثقة البرلمان واستلموا حقائبهم الوزارية بعد أسابيع قليلة مثاليا، أو في أضعف الحالات على الحد الادنى المطلوب. كما أن الطريقة التي سيتصرفون بها حين تعرض عليهم الملفات الصعبة والثقيلة أو يواجهون طوفان المشاكل والازمات العويصة التي تنتظرهم والاسلوب الذي سيتبعونه للخروج من اثوابهم المهنية والايديولوجية الضيقة وارتداء ثياب رجال الدولة الذين يغلبون مصالح بلدهم على أي شيء آخر، تبقى كلها محل تساؤل بعد أن تعود الناس شهورا قليلة إلى الوراء على سماعهم وهم يرددون بشكل مستمر، إما تحت قبة البرلمان أو في وسائل الاعلام المحلية رفضهم وتشهيرهم بتفشي الفشاد وفشل حكومة الصيد في وقف تدهور الاقتصاد والهبوط الحاد في قيمة الدينار، والتراجع الملحوظ في نسبة النمو التي استقرت على الصفر، وإصرارهم على أنهم يملكون من النصائح والوصفات السحرية ما يكفي لإنقاذ تونس وانتشالها مما كانوا يدعونه غرقها الوشيك في الافلاس والفوضى.
إنها فرصة اخرى للاختبار والتجريب في بلد يجد لذة في تغيير حكومته للمرة الثامنة في ظرف خمس سنوات. والحجة التقليدية في ذلك أن الناس لا تطيق الفشل ولا تستطيع تحمله والصبر عليه لأكثر من شهور معدودة. وبما أن الحكومات فشلت فلابد من أن ترحل غير مأسوف عليها، وتستقدم أخرى لتحل مكانها إلى أن يحين اجل مغادرتها الذي لن يطول بدوره. وهكذا ومع كل موسم تبديل لقشرة الحكومة يكثر المرشحون للمناصب الجديدة وتنشط التسريبات والتسريبات المضادة حول المغادرة الوشيكة لهذا الوزير والقدوم القريب لآخر، ويخيم الوجوم والشلل على مرافق الادارة بانتظار الحسم الرسمي في امر من سيبقى ومن سيغادر. ووسط كل ذلك الجدل السياسوي الصاخب الذي يدور الجانب الاهم منه في الكواليس ووراء الابواب المغلقة، لا يجد التونسيون وقتا للتساؤل عن معنى الفشل، وعما إذا كانوا شعبا عبقريا ناجحا مصيبته الوحيدة انه ابتلي بحكومات لا تطابق درجة نضجه وإدراكه الواسع والعالي لحاجاته ومطالبه الاصلية.
إنهم ما زالوا إلى الآن لا يدركون الفرق بين الفرد والجهاز ويتصورون انه بإمكان وزير أو وزراء أن ينجحوا في حكومة فاشلة أو على العكس أن يكونوا فاشلين في حكومة ناجحة. ما رسخ تلك التصورات وجعلها تتحول شيئا فشيئا إلى ما يشبه القناعات الثابتة التي لا تتزحزح هو أن طبيعة الحكومات التي ظهرت بعد هروب بن علي، والتي تميزت بالتنوع والتعدد النسبي للانتماءات الحزبية والسياسية داخلها عمقت نوعا من الفصل المستحدث بين الحكم على الأداء الفردي للوزراء والحكم على الأداء العام لحكوماتهم. ولم يكن ذلك لسبب موضوعي أو علمي بحت أو لغرض اعطاء الفرصة حتى يثبت الوزراء قدراتهم وخصالهم الشخصية الفريدة بعيدا عن سياق السياسات التي تنتهجها الحكومات، والتي قد تكون خاطئة أو غير قابلة لتحقيق نتائج عاجلة وفورية، بل فقط لدوافع سياسية صارت بمرور الوقت مكشوفة ومعلومة للجميع. وربما كانت حركة النهضة هي الحزب الذي اكتوى اكثر من غيره في السنوات الاخيرة بنار تلك الاحكام التي وضعت جميع وزرائه في حكومتي الترويكا الاولى والثانية في سلة واحدة وقدمتهم كفاشلين بالجملة وغير قادرين على تحمل أعباء الحكم، إما لنقص التجربة أو لعدم فهم وإدراك منطق الدولة، مثلما ظل يردد معارضوهم من دون ادنى فصل أو تمييز بين الحكم العام على الحكومة الائتلافية التي كانوا جزءا منها وبين الحكم التفصيلي والشخصي على الوزراء المنتمين لها، بل حتى من دون مراعاة لوجود وجوه حزبية اخرى لا تنتمي إلى الحركة تحت مبرر أن الحزبين الذين قبلا الدخول معها في ائتلاف حاكم، وهما حزب المؤتمر وحزب التكتل لم يكونا في النهاية سوى تابعين لا يملكان سلطة التقرير أو الاختيار بعيدا عن ارادتها.
أما عدا تلك الحالة فقد بقي تقييم الاعلام المحلي لوزراء الحكومات التي خلفت تجربة الترويكا قائما على أساس أن هناك حدا فاصلا بين الوزير والحكومة التي ينتسب لها، وانه يمكن أن يخرج من صلب الحكومة الفاشلة وزير ناجح ليجد مقعدا اخر بانتظاره تحت التسمية نفسها، أو مع تغيير بسيط في العنوان. إنها عملية بهلوانية تسمح للمسؤول الحكومي باللعب على حبلين والقفز في الوقت المناسب من مركب الحكومة الجانح. فبعد أن يعمل شهورا لاجل بناء رصيد شخصي يسمح له بتسويق صورته امام الرأي العام وإظهار إنجازاته وقدراته الفريدة وغير المسبوقة يتخلى في لحظة السقوط الوشيك عن الحكومة التي كان عضوا فيها ويظهر مسافة نقدية من قراراتها ومواقفها تعادل أو حتى تفوق في بعض المرات تلك التي يأخذها منها المعارضون الاشداء والشرسون من دون أن يملك الجرأة للاستقالة أو المغامرة بالخروج والتفريط في مركزه وموقعه داخلها.
هل تلك ضريبة الديمقراطية المغشوشة التي نزلت على تونس وكانت السبب المباشر والوحيد لذلك الوضع الشاذ الذي يبدو فيه الوزراء مثل فراشات راقصة وكيانات معزولة ومنفصلة فكرا وروحا عن الحكومات التي يعملون تحت لوائها؟ المفارقة هنا أن التنوع والتعدد داخل الفريق الحكومي كان مطلبا قديما للاجيال التي قاومت استبداد الحزب الواحد وعارضت وجود حكومات اللون الواحد التي كانت تصوت بالاجماع للقرارات والمواقف، من دون مداولة أو نقاش قبل أن يصبح الان مصيبة وكارثة كبرى جعلت عمل الحكومات أشبه بسباق فردي لأجل انتزاع النجومية والمجد الشخصي والحزبي قبل أي شيء اخر. وقد يرى البعض أن سنوات الاستبداد هي المسؤولة عن ذلك وهي التي جعلت التونسيين غير قادرين على العمل والتفكير معا بمعزل عن سلطة عليا تتدخل للحسم بين حساباتهم وطموحاتهم الشخصية وبين ما كان يسمى مصلحة الدولة التي لم تكن تختلف في معظم الاوقات عن مصلحة الحكام. لكن الأمر لا يعود فقط إلى ذلك الإرث القديم أو إلى أن الديمقراطية هي التي قلصت من قبضة تلك السلطة على الوزراء وسببت سوء فهم وخلط بين أن يكون المسؤول الوزاري مستقل الارادة والشخصية وبين أن يدرك معنى انتمائه لفريق، بل ايضا إلى الأزمة الاخلاقية التي تعيشها تونس والتي جعلت عالم السياسة موبوءا وملوثا ومفتوحا على كل الانتهاكات والخروقات والاعاجيب، وتركيبا سرياليا فريدا من الفشل والنجاح واللصوصية والنزاهة قد لا يختلف كثيرا عن التشكيل الذي عرضه يوسف الشاهد مساء السبت الماضي على الصحافيين قبل أن يعتمد رسميا من البرلمان ويتحول في مقبل الايام إلى حكومة فاشلة اخرى بوزراء ناجحين مثلما كانوا وسيبقون على الدوام .

كاتب وصحافي من تونس

كيف تفشل الحكومات وينجح الوزراء في تونس؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية