كيف ستدخل الحسيمة التاريخ؟

إلى عهد قريب كانت معرفة الكثيرين بالحسيمة وشمال المغرب عموما سطحية ومحدودة. فقد ظل كل ما يصلهم عنها هو إما ما قرأوه في المناهج المدرسية حول بطولات عبد الكريم الخطابي وجهاده في مقاومة الاستعمار الإسباني، أو ما سمعوه في نشرات الاخبار عن محاولات بعض المهاجرين الافارقة التسلل بين الحين لاخر إلى جيبي سبتة ومليلية المحتلين، أو ما كان يتردد عن اشتهار المنطقة بزراعة الحشيش وترويجه في اوروبا.
ولكن المدينة وجوارها لم تكن تعني لهم شيئا اكثر من ذلك، ربما لانها ليست في شهرة وجاذبية مراكش، ولا في حجم وقوة كازابلانكا. وكما حصل قبل اكثر من ست سنوات من الان حين اكتشف العالم بمحض الصدفة بلدة صغيرة نائية في الوسط التونسي تسمى سيدي بوزيد، بعد اسابيع من تفجر موجة احتجاجات بدأت بإقدام بائع متجول على احراق نفسه في احد الاسواق، وتوسعت لتشمل مدنا وبلدات اخرى، سمع الناس هذه المرة في اواخر اكتوبر الماضي، بقصة بائع الاسماك الذي قضى طحنا داخل شاحنة للنفايات، حين كان يحاول استرداد بضاعته المحجوزة، ليصير بذلك اسم المدينة حاضرا ومتداولا بقوة في وسائل الاعلام المحلية والدولية.
والمضحك المبكي في الحالتين هو انه لم يكن ممكنا من دون مأساة تسقط فيها ارواح بشرية، أن تخرج البلدتان من سنوات وعقود طويلة من العتمة القسرية التي ضربت حولهما. وربما لم يكن هناك مدخل اخر يعرف به التونسيون قبل غيرهم سيدي بوزيد غير انتحار محمد البوعزيزي، ولم تكن هناك طريقة اخرى يستعيد بها المغاربة الحسيمة، إلا بمقتل محسن فكري بتلك الطريقة الفظيعة. إن مأساة الافراد هنا كانت هي المدخل الوحيد لكتابة التاريخ. فلا شيء اخر كان في الحسيمة، وقبلها في سيدي بوزيد جديرا بأن يخلد اسم المدينتين في السجلات التي ظلت مفتوحة لكبار الشخصيات والمدن، سوى انتحار شاب ومقتل آخر بتلك الصورة الدراماتيكية البشعة، وما سببه موتهما في ما بعد من موجات غضب عارم داخل البلدين وخارجهما.
ورغم أن المقارنة بين الحادثتين قد لا تكون دقيقة وامينة، إلا انه لا يمكن أن نغفل عن شيء مهم وهو، التشابه الكبير بين البدايات. انظروا إلى الضحيتين اللتين ستتحولان إلى ايقونتين ورمزين في تونس والمغرب. انهما شخصيتان مجهولتان تماما لم تعرف لهما خلفية حزبية أو سياسية، ولم تكونا من ناشطي حقوق الانسان أو دعاة التغيير. كان همهما كسب القوت وحسب، ولم يكن يعنيهما في شيء أن يناضلا من اجل الحرية، أو يطالبا بها. ما حولهما إلى اسطورة هو ليس فقط طريقة موتهما، بل ما حملته من ابعاد تخطت مرحلة التأثر المحدود لمصيرهما كافراد، إلى استبطان حال البلد وازماته العميقة. ولعلكم تذكرون ما حصل في تونس، وكيف ارتبطت كل الاحداث التي سبقت هروب بن علي بما جرى لمحمد البوعزيزي، وصورت على انها نوع من الثأر والانتقام لروحه ثم ارواح من تبعوه من الشباب. وما ظل يتردد سنوات بعد ذلك الهروب، هو أن ذلك الفتى المغمور كان القادح والشرارة التي اشعلت ثورة قال الرئيس الباجي قائد السبسي في اخر خطاباته أن من قام بها «هم شباب تونس داخل الوطن، من دون تأطير أو مرجعية لا دينية ولا مذهبية» ومن دون « قيادة أو روابط خارجية». ولكن المفارقة أن ذلك الشباب الذي لم يكن في الاصل يبحث أو يفكر في اسقاط الاستبداد، لم يعد يهتم لا باستكمال الانتقال الديمقراطي، ولا بالحفاظ على الحريات التي اكتسبها، بل بأمر واحد لا غير، هو الكسب السريع للثروة. لماذا ضيعت تونس إذن كل ذلك الوقت على نفسها وعادت تدور في حلقة مفرغة؟ هل لانها كانت تظن أن التخلص من مظاهر الاستبداد ومن قشرته الخارجية بإسقاط رموز النظام سوف يجعل الطريق سالكة ومفتوحة امامها بالكامل، حتى تعيد توزيع السلطة والثروة بشكل اكثر عدلا وانصافا؟ قد يكون سبب استمرارها في الدوران في تلك الحلقة هو أن مسارها ظل متقطعا ومترددا، ولم يستطع التونسيون التخلص بسرعة من الاساطير التي نسجت حول شخصية البوعزيزي، وطبيعة الاحداث والتحركات التي تلت موته، ولانهم لم يعرفوا الجهة أو الطرف الذي ظل يكتب باسمهم باقي فصول الرواية في غيابه فقد ظلوا يتوهمون انه لم تكن هناك قيادة للثورة، وان الشباب الذي شارك فيها كان يتصرف بعفوية وغريزة لمقاومة النظام، من دون أن يملك خطة أو رؤية للمرحلة المقبلة. وعلى عكس ذلك فإن ما يلفت الانتباه هو أن الحراك الذي يستمر لشهره السادس في الحسيمة، تمكن في وقت باكر نسبيا من أن يصنع رموزا، ويقدم قادة يرسمون الخطط ويديرون المواجهة مع السلطة. وربما كان الناصر الزفزافي اكثر حظا من غيره، حتى يبرز كقائد وزعيم للحراك. لقد قال ذلك الشاب معرفا بنفسه في موقع اخباري إنه «مثل جميع المواطنين الذين تضرروا من «السياسة المخزنية» ضد المنطقة» وانه «ليس انانيا» ويحب الخير لمنطقته ولابناء وطنه ويتعامل مع الجميع بدون تحفظ، وانه» انسان شعبي لا ينتمي لاي دكان سياسي أو إلى أي نقابة» وانه صريح وما يفكر فيه يقوله. ولئن كان الزمن كفيلا بأن يثبت إن كانت تلك الخصال موجودة فيه أم لا، فإن التحدي الذي يواجهه هو ورفاقه قد يصنع منهم زعماء مستقبليين للمغرب، أو قد ينتهي بهم إلى أن يكونوا مجرد اوراق بايدي قوى داخلية وخارجية ستتخلص منهم بمجرد انتهاء ادوارهم. ولن يتم ذلك فقط بمجرد كسب المعركة السياسية مع النظام، بل باقناع المغاربة بامتلاك مشروع ورؤية للمستقبل وبانهم معنيون مباشرة بالمطالب المرفوعة من دون اقصاء أو تغليب لفئة أو جهة على حساب اخرى. وربما كان تنوع المغرب وتعدده الإثني واللغوي هو ما يزيد مهمتهم صعوبة. فهم مطالبون بان يثبتوا بانهم ليسوا عملاء أو انفصاليين، كما تروج بعض الجهات الرسمية، وبانهم لا يخططون لمغرب امازيغي خالص يحتل فيه الوجود العربي دورا ثانويا وهامشيا. ولعل الفرصة تبدو ايضا امامهم حتى يثبتوا جدارة الشباب واهليته لقيادة التغيير السلمي وهو ما لم يتوفر في السابق للبوعزيزي ولباقي الشباب الذي خرج قبل سنوات للمطالبة باسقاط النظام في تونس. والمؤكد أن ذلك لن يحصل الا متى قدم الزفزافي ورفاقه حلولا عملية لازمات المغرب وحددوا بوضوح ما اذا كانوا سيمضون نحو القطيعة التامة مع «النظام المخزني»؟ ام انهم سيحاولون فقط اصلاحه وتعديل مواطن الخلل فيه؟ صحيح أن الامور لن تكون سهلة وبسيطة امامهم، ولكن لا خيار لهم سوى خوض مغامرة صعبة قد تجعلهم يتحولون إلى منارات أو تبقيهم هوامش في التاريخ. والمؤكد في كلتا الحالتين هو أن المغرب بعد حراك الحسيمة لن يكون هو المغرب قبلها، وسيكتشف الكثيرون حول العالم كم كانوا مخطئين حين اختصروا ذلك البلد الواسع والمتنوع فقط في مراكش وكازابلانكا.
كاتب وصحافي من تونس

كيف ستدخل الحسيمة التاريخ؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية