كيف ستنجح أمريكا في القضاء على «تنظيم الدولة» الذي فشلت قوات المارينز في مواجهته قبل عشر سنوات؟

حجم الخط
8

«لقوة أمريكا حدود» هكذا يقول كيسنجر، لكن كثيرا من العرب يبجلون أمريكا ومفتونون بمحاسن قوتها أكثر من كيسنجر على ما يبدو.
بعد السيطرة على الموصل قال البعض لماذا لا توجه أمريكا ضربات عسكرية للتنظيم؟ والان وبعد نحو تسعة اشهر على ضربات جوية مكثفة، يكرر البعض التساؤل، لماذا لا تقدم أمريكا جهدا اكبر في محاربة التنظيم؟ دعونا نتساءل ما المطلوب من الولايات المتحدة أن تفعل اكثر من آلاف الغارات، التي دمرت نحو ستة آلاف هدف للتنظيم وقتلت الافا من عناصره، ودعم قوات في العراق وسوريا بالسلاح لمحاربة التنظيم، ماذا ستفعل اكثر؟ دعونا نقدم إجابة على افتراض مسهب بالعبث السياسي، ونقول إن أمريكا اعتبرت «تنظيم الدولة» خطرا قوميا، واعتبرت مدن العراق وسوريا جزءا من أمن أمريكا الداخلي، ستفعل اقصى ما يمكنها اي دولة، وهو ارسال جيش الولايات المتحدة، اكبر قوة عسكرية في العالم ليقاتل تنظيم الدولة.
ولا اعرف لماذا ينسى كثيرون، أن الولايات المتحدة حاولت ذلك بالفعل قبل عشر سنوات، وأمضى جيشها البالغ 140 الف جندي خمس سنوات وهو يحاول القضاء على «القاعدة» و»تنظيم الدولة الاسلامية» والفصائل الجهادية المقاومة الاخرى، وخسر الامريكيون نحو خمسة الاف جندي والاف الجرحى، وتلقت هيبتها العسكرية صفعات مؤلمة، بمشاركة حلفائها الحاليين أنفسهم، الميليشيات الشيعية والكردية وبتناغم ايراني، ولم ينجح الامريكيون في الحد من قوة التنظيم، إلا عبر حلفائهم من صحوات السنة و»أخوة المنهج» المتنازعين، ولكن ما هي النتيجة اليوم؟ تلاشت كل الفصائل السنية التي قاتلته رغم تلقيها دعما امريكيا واقليميا هائلا، وعاد «تنظيم الدولة» وبإمكانيات اكبر ليقاتل في المدن نفسها التي كان يقاتل فيها هو وفصائل المقاومة السنية، الخصوم نفسهم من جيش أمريكي وقوات حكومية وميليشيات شيعية وكردية.
إذا كان البعض نسي هذه الاحداث، فالولايات المتحدة لا تنسى، وما يقوله الامريكيون دائما من أن على العراقيين والسوريين أن يحموا بلادهم من «الارهاب» هو ما كنا نسمعه خلال عملنا الصحافي في العراق، عندما يغضب جندي امريكي من جندي في الحرس الوطني العراقي ويقول له «لن نمضي حياتنا أو نستوطن هنا لنحمي مؤخراتكم من القاعدة والزرقاوي». لكن لماذا لا يمكن تكرار نموذج تكريت وكوباني في الرمادي وتدمر مثلا؟ استخدام قوة ساحقة مفرطة في نقطة محددة مدعومة بقوات ارضية، هو امر قد ينجح ويثمر لكن لفترة زمنية محدودة، خاصة إذا كانت القوى المسيطرة على الارض إما غازية كالميليشيات الشيعية والعلوية أو القوات الامريكية، أو حتى مجموعات مسلحة من ابناء النسيج السكاني المحلي، لكنه لا يحظى بقبول محلي كبير كالصحوات، مقابل قوى تمرد تجتذب السكان المحليين يوما بعد يوم، وهذا ما حدث في الفلوجة ولا ينسى الامريكيون مشهد عناصر «بلاك ووتر» المعلقين على جسر الفلوجة، الذي كان غلاف صحيفة «نيويورك تايمز» في ذلك اليوم، ففي المعركة الثانية، اقتحمت قوة امريكية هائلة المدينة بعشرة الاف جندي، دمرت ثلث المدينة تماما، ثم انتشر الاف الجنود الحكوميين، ثم قوات شرطة محلية، سيطروا على المدينة واخرجوا منها «القاعدة» والفصائل الجهادية، ثم أحاطوا المدينة بما يشبه القلاع، باتت الفلوجة وهي المعروفة بأنها معقل الجهاديين السنة الأبرز، باتت سجنا كبيرا بمداخل محدودة، وبعد سنوات من هذا الطوق الامني المحكم كانت اول مدينة تعود لسيطرة «تنظيم الدولة» مباشرة بعد الحراك السلمي، أي قبل عام من سيطرة التنظيم على الموصل. لذلك فالولايات المتحدة تتردد كثيرا في استخدام قوتها البرية والتعرض لخسارة المزيد من ارواح جنودها في رمال صحراء القبائل السنية الشرسة العنيدة.. اطلقت على مناطقهم يوما «مثلث الموت». إنها ميول المجتمعات المحلية تفرض نفسها في النهاية، وليس قوى الخارج، لذلك كل من يحاول تطويعها بالقوة مهما بلغت سيفشل وهذا ما تعرفه الولايات المتحدة جيدا، فالغزو ممكن، ولكن استمرار الاحتلال صعب ومكلف ماديا وبشريا، ولذلك أيضا يفشل التنظيم بالتوغل في مناطق مختلطة طائفيا او عرقيا، ولا تؤمن حاضنة، كقرى ديالى الشيعية او الكردية، كما حصل بكوباني التي نجح القصف الامريكي بابعاده عنها وفشل بابعاده عن عشرات المدن الاخرى، لان مقاتلي كوباني الاشداء كانوا العامل الاهم في منع التنظيم من السيطرة على المدينة، ويجد التنظيم صعوبة في مناطق سنية، لكنها منقسمة سكانيا بعلاقتها مع الدولة الاسلامية لثارات عشائرية من سنوات النزاع السني السني، كالضلوعية وحديثة والرمادي، التي دخلها التنظيم رغم ضربات التحالف، لانه بات ملاذا لمزيدا من العشائر السنية هناك وابنائها المستائين من الغطرسة الحكومية الشيعية التي وصلت لحد اعتقال النائب في البرلمان احمد العلواني وقتل اخيه واهانته، في ســـلسلة لا تنتهي من حلقات العجز المتواصل لممثليهم السنة المتحالفين مع حكومة بغداد.
انه العامل الديمغرافي اذن، نفسه طويل، الامر نفسه في غزة، تستطيع اسرائيل تدمير غزة وايذاء حماس، وربما غزوها وانهاء حكم حماس، لكن ما الذي سيحصل في اليوم التالي؟ هل تستطيع قوات الجيش الاسرائيلي مواجهة حرب عصابات يومية في أزقة وشوارع غزة؟ بالطبع لا.. لذلك ابتدع الغزاة اسلوبا لمواجهة هذه المعضلة وهو التطهير والترانسفير، والتغيير الديمغرافي، إذا اراد البقاء والاحتلال لفترة طويلة، ليوفر لقواته حاضنة مصطنعة، أو يبعد عنها المحيط المعادي، ولهذا هجر نصف سكان السنة بغداد على مدى العقد الاخير، وفي الرصافة تحديدا، ولهذا تمنع الميليشيات الشيعية سكان جرف الصخر من العودة لمدينتهم، وكذلك تمنع سكان تكريت من العودة، ولهذا هجرت عشرات القرى العربية في مناطق الاكراد قرب سنجار وتلعفر وفي ديالى ايضا.
هذا عن الاستطاعة في مواجهة تنظيم الدولة وحلفائه، أما اذا كان هناك من يقول إن أمريكا لا ترغب اصلا في مواجهة التنظيم، فلا نعرف ماذا يعني عدم رغبتها اذا كان جيشها خاض سنوات من المعارك منذ احتلال العراق لمكافحة هذا التنظيم، وقتل كل قادته من الزرقاوي حتى البغدادي، وعشرات القادة الميدانيين والاف المقاتلين، وخسرت أمريكا في حرب بالعراق الاف الجنود وعشرات الاف الجرحى والمعوقين، والان يواصل جيشها القصف بالاف الغارات الجوية التي دمرت اكثر من ستة الاف هدف من بين مبنى واليات ومركبات، فلا أعرف ما هي الرغبة؟ سوى أن العقل الرغبوي ليس عاقلا اصلا.
نعود للمربع الاول، الحل الواقعي الوحيد بنظر الولايات المتحدة لمواجهة تنظيم الدولة هو أن تعود لاعتماد السياسة التي انقذت جيشها في العراق قبل عشر سنوات، وهو تحفيز فصائل من السنة لقتال بعضهم الاخر المنتمي للدولة الاسلامية، لكن هذا الامر لم يعد متيسرا الان، فالعرب السنة كثير منهم يقاتلون او متحالفون مع التنظيم، ولكن المؤكد أن اغلبيتهم الساحقة ليست متحمسة كثيرا لقتال التنظيم، في وجود ميليشيات شيعية ونظام الاسد، الا مجموعات معينة تحالفت مع ايران، كما هو الحال مع «سنة سليماني»، او مع الانظمة الاقليمية المرتبطة بالولايات المتحدة، كما يجري العمل عليه من «صحوات» في سوريا. كما أن كيان الدولة الاسلامية ليس فصيلا مسلحا معزولا، كما هو الفهم السطحي المتداول، الذي يجعل المقتنعين به في حيرة من امرهم، حين يصمد فصيل امــــام تحالف أمريكا وايران وميليشيات الشيعة العراقيين والاكــــراد والتحالف العربي، لانه ليس تنظيما تقليديا، بل تحالف لقوى سنية مسلحة محلية انصهرت في بوتقة واحدة ومنظومة منضبطة تطورت اداريا وعسكريا بتجربة متراكمة في مواجهة الخصوم أنفسهم منذ سقوط بغداد، تشمل فيما تشمل فصائل من ثوار سوريا وعشائر سنة العراق، وهو كتنظيم يمكن اعتباره نسخة مطورة وامتدادا للفصائل المقاومة السنية الجهادية في العراق بعد الاحتلال، وعن فصائل الثورة السورية السنية المسلحة بعد ثورة سوريا، وهذا يبدو واضحا ايضا عند النظر في انتماءات قياداته الميدانيين ومقاتليه إلى تلك الفصائل من العرب السنة في العراق وسوريا.
وهذه التوليفة السكانية المنسجمة عقديا الممتدة بين العراق والشام تنفرد بالكثير من الخواص التي قد تمنحها التفوق أمام اطراف الصراع الاهلي الاخرى، حتى من ناحية الشراسة البالغة حد التوحش أن استثيرت لديهم غرائز وجودية، فجزء من قبائلهم ذات الجذور البدوية وصلت من ارض الجزيرة للفرات قبل 1400 عام عندما انصهرت في بوتقة مشروع النبي محمد ( ص) فخرجت من الصحراء لتواجه امبراطوريتي فارس والروم في مناطق سكناهم نفسها اليوم، الهلال الخصيب.

٭ كاتب فلسطيني

وائل عصام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية