اعتبار أن حارس السفارة الإسرائيلية في الأردن متمتعاً بالحصانة الدبلوماسية، لا يعني بالمطلق إعفاءه من المساءلة أو إخضاعه للتحقيق، وإنما يتم تجنيبه بموجب هذه الحصانة التوقيف أو الاعتقال أو الحبس المقيد للحرية، لأن من حق الأردن أن يحقق ويعرف كيف تم قتل اثنين من مواطنيه، وهذا ينسحب عليهم حتى لو تعرضوا لجريمة قتل في دولة ثانية، فضلاً عن تعرضهم للقتل داخل سفارة موجودة على أرض بلادهم.
رغم أن مسألة توقيف القاتل من عدمها مسألة مهمة، وكذلك التحقيق معه وإجباره على الإدلاء بمعلومات حول ما جرى، هي أيضاً مسألة بالغة الأهمية، لكن المشكلة لا تكمن في ذلك، وإنما في طريقة التعامل الاسرائيلي القائم على ازدراء الآخرين، بمن فيهم الحلفاء والأصدقاء. فالأردن رغم أنه مرتبط بمعاهدة سلام مع إسرائيل منذ 23 سنة، وخلال هذه الفترة ثمة علاقات دافئة بين الطرفين، إلا أن هذا لم يمنع إسرائيل من التعامل بفوقية وازدراء في الجريمة التي ارتكبها أحد موظفي سفارتها في الأردن، وانتهت بمقتل اثنين من المواطنين الأردنيين.
بعد الحادثة بساعات قليلة كان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو قد اتصل بسفيرته في الأردن، واتصل بالحارس القاتل، وقدم له الوعد بالعودة سالماً الى اسرائيل، بينما مرت 24 ساعة دون أن يجري نتنياهو أي اتصال مع أي طرف أردني ليفهم ما الذي جرى أو يقدم ولو اعتذاراً كاذباً للأردنيين الذين تعرضوا للاعتداء برصاص حارس السفارة. جملة الانتهاكات الاسرائيلية لمعاهدة «وادي عربة» لم تتوقف طوال الـ23 عاماً الماضية، وجريمة القتل الأخيرة التي راح ضحيتها أردنيان تنطوي ضمن هذه الانتهاكات، والغريب أن من الشهيدين اللذين قضيا في الجريمة، أحدهما هو مالك العقار المؤجر للسفارة الاسرائيلية، وهو طبيب وتزعم السفارة أنه قضى برصاصة أصابته بالخطأ، لكنه ربما يكون الشاهد الوحيد على ما حدث داخل السفارة، وهو ما يعني أن قتله ربما كان بدافع إخفاء الشاهد وتغييب أي دليل على ما جرى، خاصة أن السفارة ترفض التعاون مع الأمن الأردني وترفض التحقيق مع الحارس القاتل الذي هو العنصر الأهم في الجريمة.
الانتهاك الاسرائيلي الأهم والأكبر لاتفاقية وادي عربة، هو الاجراءات السيادية الأخيرة، التي فرضتها قوات الاحتلال في المسجد الأقصى ومدينة القدس، وهي انتهاك واضح وصريح لا يقبل اللبس ولا الجدل، للمادة التاسعة التي تنص بكل وضوح في فقرتها الثانية على أن إسرائيل «تحترم الدور الأردني في مدينة القدس المحتلة، وتولي له أولوية خاصة واعتباراً خاصاً عند انعقاد مفاوضات السلام النهائي مع الفلسطينيين»، وهو ما يعني بالضرورة عدم جواز تغيير الوضع القائم في القدس بقوة السلاح، مع احتفاظ الأردن بإشرافه على المقدسات في القدس المحتلة، وهو ما يعني بالضرورة أن البوابات الإلكترونية وكاميرات المراقبة وإجراءات الاحتلال الجديدة في القدس، تمثل انتهاكاً لهذه المادة ولجزء أصيل ومهم من المعاهدة.
الأحداث الراهنة تؤكد أن الاسرائيليين لا يكترثون بأصدقائهم، ولا يحترمون اتفاقاتهم ومعاهداتهم، ودماء شعوبنا العربية لا تعني لهم شيئاً، حتى لو كان القتيل مجرد «عامل غلبان» قادم لتركيب أثاث يمثل في النهاية خدمة لهم ولسفارتهم، كما أن إجراءات الاحتلال في القدس أيضاً تعني أن اسرائيل لا ترى العالم العربي ولا الاسلامي أصلاً، بما في ذلك جارتهم مصر ذات المئة مليون إنسان، وجارتهم تركيا التي تشكل القوة الأهم في منطقة الشرق الأوسط حالياً.
وخلاصة الكلام، هو أن الرد على قتل اثنين من المواطنين الأردنيين برصاص حارس السفارة الاسرائيلية، يجب أن لا يقل عن الرد الأردني التاريخي عندما حاولت اسرائيل اغتيال خالد مشعل في أحد شوارع عمان عام 1997، أما السكوت عن جريمة القتل ومن قبلها الاجراءات في الأقصى، فهذا يعني استمرار الاستهتار الاسرائيلي بمعاهدات السلام مع العرب (الأردن ومصر)، ويعني أن تل أبيب تتعامل مع العواصم العربية كتعاملها مع السلطة الفلسطينية التي هي في نهاية المطاف سلطة حُكم ذاتي قائمة على أراض محتلة.
كاتب فلسطيني
محمد عايش