إسطنبول ـ «القدس العربي»: انتهت الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأهم في تاريخ تركيا، الأحد، بفوز الرئيس رجب طيب اردوغان بمنصب الرئيس وفوز «تحالف الجمهور» من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية بالأغلبية في البرلمان المقبل.
وعلى الرغم من أهمية استحقاق الانتخابات في حد ذاته، إلا أن الاستحقاقات المقبلة لا تبدو أقل أهمية كونها تتعلق ببناء نظام الحكم الجديد في البلاد، إذ أن هذه الانتخابات جرت بموجب نتائج التعديلات الدستورية التي اقرت في نيسان/أبريل من العام الماضي وتم بموجبها إقرار تحويل نظام الحكم في البلاد من برلماني إلى رئاسي.
وعقب الانتخابات مباشرة، بدأ العمل على تطبيق هذا النظام الجديد بشكله المختلف وتفاصيله التي تطرح وتُقر وستطبق لأول مرة في تاريخ البلاد والمتعلقة بطريقة تنصيب الرئيس وانعقاد البرلمان وتشكيل الحكومة المقبلة، إلى جانب تعيين نواب الرئيس والصلاحيات التي سوف يتمتع بها الرئيس والبرلمان وطريقة الفصل بينهما.
انعقاد البرلمان وتنصيب الرئيس
من المقرر أن تبدأ أولى الخطوات الفعلية لتطبيق نظام الحكم الجديد في تركيا مع إعلان النتائج الرسمية النهائية، والتي ستتم في الخامس من الشهر المقبل حسب ما أكد سعدي غوفان، رئيس اللجنة العليا للانتخابات، وهي النتائج التي لن تشهد تغييراً لحقيقة فوز اردوغان بالرئاسة وتحالف الجمهور في البرلمان.
وعقب الإعلان عن النتائج النهائية الرسمية، سوف تنعقد أولى جلسات البرلمان التركي الجديد في الثامن من الشهر المقبل، وذلك برئاسة أكبر أعضائه سناً، ولكن وفي ظل الوضع الصحي السيئ لأكبر أعضاء البرلمان دينيز بايكال، النائب عن حزب الشعب الجمهوري المعارض، لم يتقرر بعد ما إن كان هو من سيرأس الجلسة الأولى أم سيتم نقل هذه الصلاحية لثاني أكبر أعضاء البرلمان سناً.
وفي خطوة متوقعة، أعلن حزب الحركة القومية، الخميس، أنه لن يتقدم بمرشح خاص به لمنصب رئيس البرلمان، وسيدعم مرشح العدالة والتنمية الذي سيحسم منصب رئيس البرلمان بسهولة من خلال مقاعد «تحالف الجمهور» الـ344 من أصل 600 مقعد.
وخلال وعقب إجراءات انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان، سوف تعقد إجراءات حلف اردوغان لليمين الدستوري ضمن حفل تنصيب لم تتقرر بعد فقراته بشكل نهائي ولكنه سيكون مختلفاً عن السابق بشكل كبير، حسب مصادر تركية.
والثلاثاء، عقد اردوغان اجتماعاً استمر ست ساعات ضم رئيس الوزراء وعددا من الوزراء وكبار الموظفين في الدولة في إطار رسم خريطة طريق المرحلة المقبلة المتعلقة بتنصيب الرئيس وتشكيل الحكومة وإعادة هيكلة نظام الحكم في البلاد.
نواب الرئيس
حسب التصريحات السابقة لاردوغان، فإن نظام الحكم الجديد سوف يشمل تعيين نواب للرئيس، وبينما لم يجر الإعلام عن عددهم بشكل واضح، لكن تسريبات عن تعيين نائبين على الأقل، امرأة ورجل، لكن ورغم اقتراب هذا الاستحقاق الكبير إلا أنه لم يتم طرح أسماء بقوة لهذا المنصب حتى الآن.
يعتقد على نطاق واسع أن اردوغان سوف يسعى إلى إرضاء حليفه في «تحالف الجمهور» حزب الحركة القومية وذلك عبر منحه منصب أحد نواب رئيس الجمهورية، ولكن ورغم الحديث سابقاً عن تفكيره بتقديم هذا الطرح لرئيس الحزب دولت بهتشيلي، إلا أن التوقعات بأن الأخير ربما لن يقبل بهذا المنصب لشخصه، وعلى الأغلب سيتم منحه لأحد الشخصيات المحسوبة على الحزب. وتوقعت مصادر تركية أن اردوغان بحث مع بهتشيلي مشاركة الأخير وحزبه في نظام الحكم الجديد، وذلك في الاجتماع الذي ضم، الأربعاء، بهتشيلي واردوغان وبن علي يلدريم، في إسطنبول، لكن لم تتسرب أي معلومات عن ملف نائب رئيس الجمهورية.
وإلى جانب ذلك، جرى خلال الفترة الماضية طرح اسم أول رئيسة وزراء في تاريخ تركيا تانسو تشيلر،74 عاماً بقوة لتولي منصب نائب رئيس الجمهورية، حيث ظهرت تشيلر إلى جانب اردوغان في الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية وأعلنت دعمها له عقب حضورها المهرجان الانتخابي المركز لاردوغان في إسطنبول.
كما يتم طرح اسم رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم الذي بات يعرف باسم «آخر رئيس وزراء في تاريخ تركيا» عقب إلغاء المنصب في النظام الجديد، حيث تتكهن الكثير من المصادر بإمكانية منحه منصب رئيس البرلمان أو نائب رئيس الجمهورية، لكن كل التكهنات السابقة لم يتم تأكيدها حتى الآن بانتظار حسمها من قبل اردوغان الذي بدأ اجتماعات مكثفة لاختيار طاقمه الرئاسي للإعلان عنه عقب تنصيبه رسمياً.
تشكيل الحكومة
عقب أدائه اليمين الدستوري، وبدء ممارسة مهامه رسمياً وفقاً للنظام الجديد، سوف يعمل اردوغان على تشكيل الحكومة في أسرع وقت، وهي الخطوة التي ستشهد التغيير التاريخي الأبرز في النظام الجديد الذي سيلغي منصب رئيس الوزراء بشكل نهائي وستدار الحكومة بشكل مباشر من قبل الرئيس.
وفي تغيير جوهري آخر، لن يكون الرئيس مطالباً بتقديم حكومته للبرلمان من أجل منحها الثقة، وهنا سوف تنتهي سلطة البرلمان المباشرة على تمرير الحكومة، وسيمتلك اردوغان صلاحية كاملة في تشكيل الحكومة حسب رؤيته، وذلك على الرغم من امتلاكه الأغلبية البرلمانية التي تُمكنه من تمرير الحكومة عبر البرلمان أيضاً.
وحسب تصريحات سابقة لاردوغان، فإن عدد وزراء الحكومة الجديد سوف يتم تقليصه بشكل لافت، حيث سيتم خفض العدد من 26 إلى 16وزيراً فقط، في خطوة يقول إنها تهدف إلى تقليل البيروقراطية في البلاد والارتقاء بأداء نظام الحكم في كافة المجالات.
وبموجب النظام الجديد، يجب أن لا يكون أي وزير نائباً في البرلمان، وهو ما يؤشر إلى أن الحكومة الجديدة سوف تشهد تغييراً جوهرياً عن ا السابقة، وذلك لأن معظم وزراء الحكومة الأخيرة تم ترشيحهم في الانتخابات البرلمانية الأخيرة وفازوا جميعاً بمقاعد برلمانية، وهو ما يدعم كلام اردوغان السابق بأن الحكومة الجديدة سوف تتكون في درجة أساسية من «التكنوقراط» أي من مختصين وخبراء في مجال وزاراتهم.
لكن مصادر تركية تحدثت عن إمكانية لجوء اردوغان إلى الاستعانة ببعض الوزراء السابقين والذين نالوا عضوية البرلمان الجديد، وذلك بحثهم على الاستقالة من البرلمان قبيل مراسم أول جلسة برلمانية وهو ما يضمن للحزب منح المقعد لنائب آخر من الحزب نفسه، وهو ما يرجح – ربما- استقالة بعض النواب في الأيام المقبلة، ضمن تحرك يهدف إلى منحهم مناصب وزارية في الحكومة المقبلة.
كما لا يعرف حتى الآن ما إن كانت الحكومة المقبلة سوف تضم وزراء من حزب الحركة القومية أو محسوبين عليه باعتباره الحزب الضامن للأغلبية البرلمانية للعدالة والتنمية، ويتوقع أن يشكل ضغطاً على اردوغان للحصول على حصة في نظام الحكم الجديد.
الوزارات
بموجب النظام الجديد سوف يتم تقليص عدد الوزارات بشكل لافت، من خلال إلغاء وزارات ودمج أخرى ببعضها في خطوة يقول اردوغان إنها تتضمن خفض المناصب المختلفة في الجمهورية بشكل كبير لكنها ستضمن سرعة في تقديم الخدمات والحلول وزيادة في الإنتاج والتوفير في الوقت. ومن المقرر أن يتم دمج وزارة الأسرة والسياسات الاجتماعية، مع وزارة العمل والضمان الاجتماعي، تحت مسمى «وزارة العمل والخدمات الاجتماعية والأسرة». كما سيتم دمج وزارة العلوم، والصناعة، والتكنولوجيا، مع وزارة التنمية، ليصبح اسم الوزارة الجديدة «وزارة الصناعة والتكنولوجيا».
ودمج وزارة الجمارك والتجارة مع وزارة الاقتصاد تحت مسمى «وزارة التجارة» وزارة الغذاء والزراعة والثروة الحيوانية سيتم دمجها كذلك مع وزارة الغابات وشؤون المياه، لتصبح تحت مسمى «وزارة الزراعة والغابات». أما وزارتا الخارجية والاتحاد الأوروبي فسيتم دمجهما تحت مسمى «وزارة الخارجية».
9 لجان و4 مكاتب
كما سيشهد النظام الجديد إنشاء 9 لجان جديدة، وهي: لجنة سياسات الإدارة المحلية، ولجنة السياسات الاجتماعية، ولجنة سياسات الصحة والغذاء، ولجنة سياسات الثقافة والفن، ولجنة سياسات القانون، ولجنة سياسات الأمن والخارجية، ولجنة سياسات الاقتصاد، ولجنة سياسات التربية والتعليم، ولجنة سياسات العلوم والتكنولوجيا والحداثة.
وإلى جانب ذلك، سيتم تأسيس 4 مكاتب ستعمل مع رئيس الجمهورية مباشرة، وهي: مكتب الموارد البشرية، ومكتب الاستثمار، ومكتب التمويل، ومكتب التحول الرقمي، وهي مكاتب تهدف في الدرجة الأولى إلى إدارة اقتصاد البلاد وتطويره بشكل كبير، إلى جانب تعزيز التحول الرقمي.
الصلاحيات والرقابة
وبينما يعتبر معارضون وجهات غربية أن نقل السلطات التنفيذية إلى الرئيس بشكل واسع بما يشمل تعيين الوزراء وكبار القضاة وإقرار الميزانية وإصدار المراسيم شكلاً من «الديكتاتورية والاستبداد» قال اردوغان إنه ومن خلال النظام الجديد يتم تأسيس «بنية» تعمل على مأسسة آليات التشاور واتخاذ القرارات بشكل أسرع وتنفيذها بشكل سليم.
في حين قال المتحدث باسم الحكومة التركية، بكر بوزداغ، إن «النظام الرئاسي الجديد ليس نظام الرجل الواحد بل هو نظام يحمي الديمقراطية بإرادة الشعب» معتبراً أن «بقاء رئيس الجمهورية ضمن حزبه لا يعيق أداء عمله باستقلال وحيادية».
وتقول المعارضة إن اردوغان سعى إلى تهميش دور البرلمان المقبل وسحب الصلاحيات منه، في ما اعتبر مصطفى شانطوب، رئيس اللجنة الدستورية في البرلمان التركي، إن «تشكيلة البرلمان عقب الانتخابات المقبلة، سيكون لها دور رئيسي في النظام الرئاسي المقبل، بعكس ما يروج له من أن النظام الرئاسي سيقلص دور البرلمان».
وعن دور البرلمان في النظام الجديد، يقول شانطوب: «التغييرات المقبلة في النظام الرئاسي، ستجري وفقاً للقوانين الدستورية وعبر البرلمان الذي سيصدر بدوره خلال الدورة التشريعية المقبلة، العديد من القوانين والتشريعات التي ستحدد مؤسسات نظام الحكم الجديد» معتبراً أن النظام البرلماني السابق كان يمنع مسائلة البرلمان للحكومة كونها نالت الثقة من الأغلبية البرلمانية التي تعطل محاسبتها، وقال: «النظام الجديد يتيح للبرلمان مراقبة أداء الحكومة بشكل أقوى».