كيف سيُخلص ليفربول أوروبا من الاحتلال المدريدي؟

حجم الخط
3

 

لندن ـ «القدس العربي»: اكتمل المشهد الختامي لأعرق وأمجد البطولات الأوروبية «دوري الأبطال»، بتحديد طرفي نهائي «كييف 2018»، الذي سيجمع سلطان القارة العجوز وحاكمها الديكتاتوري في آخر عامين ريال مدريد، بكبير الإنكليز على المستوى الدولي ليفربول، في واحدة من المواجهات التي تُصّنف على أنها «خارج التوقعات»، نظرا لما يملكه كلا المدربين من أسلحة فتاكة قادرة على صُنع الفارق في الأوقات الصعبة، كأفضل لاعب في العالم كريستيانو رونالدو، والظاهرة المصرية محمد صلاح وكوكبة هنا وهناك من ألمع النجوم الدوليين.

إلى متى؟

من تابع مواقع التواصل الاجتماعي على مدار الأيام الماضية، لاحظ حملة السخرية من طريقة وصول الريال إلى النهائي، البعض يراها نتيجة المجاملات التحكيمية، لاستفادة زين الدين زيدان ورجاله بأكثر من قرار تحكيمي خاطئ، أشهرها على الإطلاق ركلة الجزاء المُثيرة أمام اليوفي، وانضم إليه قرار التغاضي عن احتساب ركلة جزاء على مارسيلو في مباراة الثلاثاء الماضي، والبعض الآخر ينسب إنجاز الوصول للنهائي ثلاث مرات على التوالي لبركة زيدان وحظ الميرينغي المُدهش في بطولته المُفضلة، وهذا تقريبا ما تحدث عنه أسطورة تشلسي فرانك لامبارد في تحليله لقمة الريال والبايرن على إحدى القنوات الرياضية، لدرجة أنه قال: «إلى متى سيستمر الحظ بجانب الريال»، وقبله قال المعلق التونسي عصام الشوالي: «اعطيني حظ ريال مدريد واتركني وحدي في برمودا»، بالإضافة إلى ذلك، هناك تراجع ملحوظ في الأداء الجماعي بوجه هذا الموسم مقارنة بالموسمين الماضيين، يرجع في المقام الأول لعنجهية الرئيس فلورنتينو بيريز، بعدم تدعيم الفريق بالشكل المطلوب، بتجاهل حتى جلب بدائل على نفس مستوى من باعهم أمثال خاميس رودريغز وألفارو موراتا ودانيلو والاستغناء عن المدافع البرتغالي المُخضرم بيبي. فقط اكتفى بضم مجموعة شباب ما زالوا بحاجة لسنة أو اثنتين للجلوس على مقاعد بدلاء «سانتياغو بيرنابيو».
الحقيقة الواضحة، أن الريال هذا الموسم ليس هو ريال 2016 و2017، والأمر لا يتعلق أبدا بقضية الاستفادة من أخطاء الحكام، ومن يتحدث بهذا المنطق، فعليه أن يتذكر استفادة الطرف الآخر من أخطاء الحكام، ومن ينسى هدف ليروي ساني الصحيح الصارخ في شباك ليفربول في مباراة الإياب قبل نهاية الشوط الأول بلحظات، والنتيجة كانت تقدم السيتي بهدف نظيف… ولنا أن نتخيل لو ذهب كلا الفريقين والنتيجة 2-0 ولم يُطرد بيب أيضا… وماذا لو رفع مساعد الحكم الراية على صلاح في هدفه المشكوك في صحته في الذهاب أمام روما؟ حتى مباراة الأربعاء شهدت حالة تحكيمية مُثيرة للجدل، انتهت بعدم احتساب ركلة جزاء بلمسة يد على المدافع لا غبار عليها أمام الشباك… أليس كذلك؟ لكن يُحسب لزيدان أولاً أنه لم يفقد السيطرة على نجومه حتى بعد الكوارث المحلية بانتهاء الموسم بداية فبراير، وهو ما حافظ للفريق على شخصيته وصورته التي رسمها لنفسه في السنوات الخمس الماضية، ليصل الجيل الحالي لقمة التمرس والسيطرة على البطولة بوجه عام والمواعيد الكبرى بالتحديد، بالظهور في النهائي 4 مرات في آخر 5 سنوات، وكأننا نعيش زمن ألفريدو دي ستيفانو وبوشكاش في النصف الثاني من الخمسينات، حين ظلت الكأس في قبضتهم أول 5 نسخ.

ليفربول أصل المشكلة

إلى الآن ما زال مصدر قوة كتيبة زيدان، يكمن في الطريقة السحرية العجيبة التي يعرفها كل الخصوم، بتدوير الكرة بتمريرات قصيرة بين الأقدام لتجميع اللعب في اليسار مثلاً، وفجأة يظهر مودريتش أو كروس بتمريرة نموذجية في أقصى الجهة اليمنى للظهير أو الجناح المُتحرر، الذي عادة يكون أمامه الوقت والمساحة لإرسال العرضية بشكل نموذجي في حلق المرمى للمهاجم القادم بوجهه، وهذا المشهد تكرر عشرات المرات، وعادة يحدث عندما يُحاول النادي الملكي تنويم منافسه مغناطيسيا، بخداعه بتهدئة اللعب بشكل مبالغ فيه، وفي غمضة عين يأتي الهدف أو الفرصة المُحققة كالصاعقة على المدافعين والحراس، وتشاهدونهم يتحسرون ولسان حالهم يقول «سُرقنا في لحظة»، والمشاهد من خلف التلفاز يتعجب من السهولة التي يُسجل بها عملاق مدريد، لكن السهولة هذه، تحتاج لاعبين لديهم قدرات خاصة على التمرير والاستلام من مسافة قريبة أو بعيدة، ليُجسدوا المُصطلح الشهير للمحللين المصريين «صعوبة الكرة في سهولتها»، والريال بالكاد يُطبق هذه المقولة بشكل حرفي، بخلاف كرمه الزائد عن الحد في استغلال هدايا الحراس والمدافعين، كما أسينسيو وبنزيمة في الذهاب والإياب، لكن هذه الإستراتيجية لا تبدو مناسبة على الإطلاق لوقف مغامرة كلوب الجريئة… كيف؟ ببساطة لأنه يعشق اللعب أمام الأندية التي تُحب الاحتفاظ بالكرة واللعب على الأطراف، ولنا في مبارياته الثلاث الأخيرة ضد المان سيتي دليل، لا سيما اللقاء الأخير الذي لعب فيه بيب غوارديولا ببرناردو سيلفا وليروي ساني وكيفن دي بروين وستيرلينغ ودافيد سيلفا، مع ذلك عانى الأمرين لضرب الدفاع بسلاح العرضيات، وهدفه جاء من خطأ أستغل بالتمريرة التي سجل منها جابرييل جيسوس، وهذا بفضل المرونة التكتيكية للثلاثة المهاجمين صلاح، فيرمينو وماني، الذين يُشكلون حائط الصد الدفاعي الأول في مثل هذه المواجهات، والأصعب من ذلك على زيدان، أن ليفربول لا ينجر للهجوم أمام الفرق التي تفوقه في الجماعية، بتثبيت رباعي الدفاع وأمامهم ثلاثي الوسط وثلاثي الهجوم على مسافة أمتار قليلة، كأن الفريق بأكمله يُدافع من دائرة المنتصف.
كلوب لا يعتمد على سرعة ثلاثي الهجوم في أدوارهم الرئيسية، بل في الأدوار الدفاعية، ووجود صلاح في الجانب الأيمن بالقرب من ارنولد وساديو ماني في الجهة الأخرى كداعم لروبرتسون، سيجعل الحياة في منتهى الصعوبة على كروس ومودريتش وإيسكو في تنفيذ الجملة المتفق عليها بنقل الكرة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار أو العكس بلمسة واحدة بشكل طولي، وهذا لتزايد احتمال قطع الكرة قبل حتى أن تخرج من قدم لاعب الوسط، بسبب الضغط الهائل الذي يُمارسه فيرمينو على حامل الكرة على الدائرة، نفس الدور الذي يقوم به المصري والسنغالي على الأجناب، وخلفهم وسط ودفاع تحسن كثيرا في الآونة الأخيرة، وكذا يتبع نفس نهج الريال باستغلال أخطاء المنافسين، وإلا لما كان ميلنر لاعب الوسط المحوري هو أفضل صانع ألعاب في البطولة (9 تمريرات حاسمة)، أغلبها تمريرات في ظهر المدافعين بمُجرد أن تُفتك الكرة في منتصف الملعب، وهذا يعكس لنا مدى تركيز كلوب على أخطاء الخصوم مثل زيدان، وطريقته المباشرة المختلفة تماما عن باريس سان جيرمان ويوفنتوس وبايرن ميونيخ، التي جعلت فريقه صاحب أقوى خط هجوم في تاريخ المسابقة بتسجيل 47 هدفا في 14 مباراة، منها مباراتا الدور الإقصائي الأول ضد هوفنهايم.

إرهاب كروي

على مستوى الأفراد، قد يكون ليفربول ليس المنافس الأقوى لريال مدريد على مدار السنوات الثلاث أو حتى الخمس الماضية، لكنه من الناحية الجماعية، فهو أكثرهم رعبا بدون استثناء، الريدز مع كلوب لا يكل ولا يمل من تسجيل الأهداف، ولا يقوم بعمل تحضير من منتصف الملعب، فقط تمريرتان أو ثلاثة، على أن تكون الرابعة بالقرب من مربع العمليات، فريق له أنياب حقيقية ليس كأتلتيكو مدريد عام 2014، أقصى طموحه أن يُسجل هدفا ويبيت عليه 90 دقيقة، حتى عندما تخلى عن حذره قبل عامين، خسر بركلات الترجيح، أو يوفنتوس بشكله الباهت في نهائي العام الماضي، ولا ننسى أنه لم يتأثر برحيل نجمه الأول في آخر ثلاثة مواسم فيليب كوتينيو في منتصف الموسم، بل تحسن وتقدم إلى الأمام بصفقة فان دايك، التي كان لها مفعول السحر، بالقضاء على الهشاشة الدفاعية والسذاجة التي كانت تؤرق المدرب الألماني منذ يومه الأول في الأنفيلد، وبالتزامن مع تحسن الدفاع، انفجر صلاح بالشكل المُرعب الذي يظهر عليه مؤخرا، ومعه فيرمينو وماني، اللذان لا يبخلان بقطرة عرق لتنفيذ تعليمات المدرب كما ينبغي وربما أكثر، ولم نتحدث عن جوع اللاعبين ورغبتهم الجامحة في التسجيل بلا توقف، ولا فارق السرعات الذي يَعول عليه كلوب كثيرا، لضرب راموس وفاران أو أي قلب دفاع آخر من العمق، خاصة بعد الهزة الكبيرة التي تعرض لها وسط الملكي بتراجع مستوى كاسيميرو، الذي لم يكن له أي دور أمام البايرن، رغم أنه كان من أكثر اللاعبين الذي ساهموا في الفوز بالحادية والثانية عشرة، بمجهوده الكبير وانسـجامه مع مودريتش وكروس، لكن في الأسابيع الماضية، اختفى هذا البريق تماما.
وإذا لم يستفيق كاسيميرو من سباته، سيكون قد منح صلاح قبلة الحياة ليستفرد بمدافعي الريال بسرعته الخيالية من جانب، وليفعل ما يحلو له خلف مارسيلو (جهة صلاح المُفضلة) لعدم وجود بديل على نفس كاسيميرو يقوم بعمل التغطية العكسية عندما يتقدم ظهير إلى الأمام لشن غارة هجومية، لك أن تتخيل أن تُقطع الكرة في منتصف الملعب وصلاح أو فيرمينو أو ساني في وضع لاعب ضد لاعب أو اثنين ضد اثنين… لقطة مُرعبة يتمناه المشجع الليفربولي والعكس للمشجع الآخر، الذي يُدرك أن فريقه مُقبل على مواجهة مُعقدة هذه المرة، أمام فريق من طينة الريال، يعرف كيف يُعذب ويجلد الكبار سواء في وطنه أو في أوروبا، لا سيما عندما يكون في حالة جيدة، حتى ميزة الشخصية و «جينات» دوري الأبطال والتاريخ التي كان يتميز بها الميرينغي على الأتليتي واليوفي، متوفرة لنظيره الإنكليزي، الذي له باع وتاريخ في الأبطال، بحصوله عليها 5 مرات في 7 نهائيات، منها مرة على حساب الوحش المدريدي عام 1981 بهدف كينيدي التاريخي.

نهاية الاحتلال

هذه باتت أمنية ألد أعداء ريال مدريد ومعهم ملايين المصريين والعرب الذين أعلنوا دعمهم لصلاح مُبكرا، رغم أن منهم شريحة لا يُستهان بها تُشجع ريال مدريد، الذي يحظى في الأصل بشعبية جارفة من المحيط إلى الخليج، وكي تتحقق، يجب أن يستغل نجمنا العربي ورفاقه أنصاف الفرص قبل الفرص المُحققة، لأن التجارب السابقة أثبتت أن تقدم ليفربول بهدفين أحيانًا لا يكفي لضمان الفوز، بسبب حالة السرحان التي تضرب اللاعبين بعد التقدم بنتيجة كبيرة، فقط يحتاج الريدز أن يتفادى الأخطاء الفردية الساذجة في وسط ملعبه، ويُغلق الحل الأخير على زيدان في الكرات الثابتة والركنيات، التي كانت أحد أهم أسلحته العام الماضي، وهذه هي نقطة الضعف الحقيقية في دفاع الفريق الإنكليزي، بسوء تعامله مع الكرات الثابتة، لكن إذا تغلبوا عليها، وفي نفس الوقت حرموا رونالدو ورفاقه من تدوير الكرة بأريحية في وسط الملعب، مع التركيز في الهجمات المعاكسة، قد ينتهي الاحتلال المدريدي لأوروبا، لكن واقعيا لا أحد ينكر أن الريال ما زال الأوفر حظا، رغم أن منافسه يملك دوافع أكثر… بعودته للظهور في النهائي للمرة الأولى بعد غياب 11 عاما بخلاف الحافز الكبير ليكون مُخَلص القارة من الاحتلال الذي عجزت أوروبا بأكملها على حل شفرته منذ قدوم زيدان في شتاء 2016، فهل سيتجدد الاحتلال أم سيُنهي كلوب نحسه مع المباريات النهائية بفوز يتيم وخسارة 5؟ دعونا ننتظر ما سيحدث يوم 26 مايو/ايار.

كيف سيُخلص ليفربول أوروبا من الاحتلال المدريدي؟
في نهائي دوري الأبطال
عادل منصور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية