كيف قرأت إسرائيل صعود اليمين في ألمانيا؟

حجم الخط
0

ربع مليون يهودي يعيشون في ألمانيا. لا بد أن معظمهم تنحنحوا حين سمعوا بأن الحزب اليميني المتطرف البديل لألمانيا فاز بـ 13 من مئة من أصوات الناخبين في الانتخابات التي أجريت أمس الأول. أما الاغبياء من بين يهود ألمانيا فتنفسوا الصعداء: النازيون لا يعودون غلى الحكم بعد. ولا النازيون الجدد أيضا. في هذه الأثناء هذا مجرد الحزب الثالث في حجمه في ألمانيا. أما الواعون من بينهم فتنحنحوا متأوهين. فهم يتذكرون بأن الحزب القومي الاشتراكي لهتلر هو الآخر راوّح في المكان في أربع حملات انتخابية جرت بين 1924 و 1930، وفقط عندها، بعد الأزمة الاقتصادية الكبرى في عام 1929، أصبح الحزب الثاني في حجمه، مع 18 من مئة من أصوات الناخبين. وفي غضون سنتين أصبح هتلر المستشار وفاز حزبه بثلث أصوات الناخبين. لقد فهم اليهود الواعون بأنه ربما «البديل» من شأنه بالتأكيد أن يصبح ألمانيا الجديدة القديمة.
لا يمكنني أن أضع نفسي في مكان أي يهودي يعيش في ألمانيا. بالفعل الاقتصاد نامٍ، الديمقراطية مزدهرة، الثقافة تبلغ الذرى. ولكن كل هذه مقيتة في نظري حين يدور الحديث عن ألمانيا والألمان. أعرف: يوجد بينهم بالتأكيد يهود شيوخ اختاروا أن يموتوا في موطنهم. وهم يعيشون من أموال إيجاراتهم وينتظرون موتهم في دور العجزة. كاولئك الذين كانوا واثقين من أنهم غير قادرين على أن يعيشوا في أي مكان آخر. يوجد بينهم لاجئو الإبادة من بلدان أوروبا أو أنسالهم ممن انغرسوا في المكان الأول الذي عرض عليهم مأوى ورزقا بعد الخراب. إذ يوجد في ألمانيا نصب تذكارية رائعة لذكرى يهود ألمانيا الذين طردوا أو أبيدوا، ونفي الكارثة هو جريمة جنائية. والتضامن معهم غير ممكن بل بالكاد التفهم لهم. ولكن لا يمكن حتى البدء بفهم العشرين ألف إسرائيلي ممن هاجروا من إسرائيل إلى ألمانيا طوعا. من أجل المال السهل فعلوا هذا. من أجل السكن الزهيد والمَلِكِي والكوتيج (اللبن المحلى والجبن المخثر). أو من أجل السباحة في بحيرات الثقافة المتطورة للألمان. من أجل العيش تحت أكناف الديمقراطية الألمانية الرائعة في نظرهم. والحقيقة جديرة بأن تقال ـ معظم الإسرائيليين المهاجرين إلى ألمانيا فعلوا ذلك لأسباب مادية، وأولئك الذين فعلوا ذلك لأسباب ايديولوجية هم من أهل اليسار الاشوة والاعوج. في نظري، هؤلاء وأولئك معوقون عاطفيا.
الديمقراطية الألمانية، مع خطابها عن حقوق الإنسان، هي التي فتحت بوابات ألمانيا في السنة الأخيرة أمام مليون مهاجر، معظمهم مسلمون من الشرق الأوسط. وموجة المهاجرين هذه هي التي جعلت البديل الألماني الحزب الثالث في حجمه. وكراهية المهاجرين التي ارتبطت بسهولة بأيديولوجيا هذا الحزب أصبحت شعارات لعضو الحزب وممثله الجديد في البوندستاغ فيلهلم فون غوتبرغ، الذي يدعو إلى وقف «عبادة الذنب» الألمانية، أو الكسندر غولاند، رقم اثنين في الحزب، الذي يدعو الألمان اليوم لأن يكونوا فخورين بجنود ألمانيا في أيام الحرب العالمية الثانية. ديتلف شبننبرغ، زعيم آخر، يدعو إلى العودة إلى حدود ألمانيا في 1937 ومارتين هومن قال إنه ليس عادلا أن يعرض الألمان كـ «شعب قتلة» بسبب جرائم النازية، في الوقت الذي لا يتحدث فيه أحد على القتلة اليهود من الثورة الروسية.
وعندما ينضم أولئك إلى حزب اليسار المتطرف «دي لينكا» ـ الذي فاز بـ 9 من مئة من أصوات الناخبين ويؤيد حماس، ويرسل ممثلية إلى سفينة مرمرة ويعبر عن كراهية فظة لإسرائيل ـ وبالخضر (9 من مئة) ممن الكثير منهم أعداء صريحون لدولة إسرائيل ومؤيدي الحزب النازي الجديد الذي لم يجتز نسبة الحسم ـ فنحو ربع مواطني المانيا اليوم هو لاساميون صرف، والكثيرون اكثر من ذلك كارهون لدولة إسرائيل. ولكن كل هؤلاء على ما يبدو لا يمنعون الإسرائيلي الذي هاجر إلى ألمانيا من أن يحلم بالمواطنة الألمانية ويعجب بألمانيا، في الوقت الذي يشجب فيه إسرائيل على «الاحتلال» وعلى أسعار السكن. فعندما يدخل إلى القاطرة النظيفة في القطار في ألمانيا، التي تختلف جدا عن تلك القاطرات إياها، يغرق وجهه المتنور في هاتفه المحمول ويتجاهل أن واحدا من كل أربعة من جيرانه في القاطرة يكرهونه، يكرهون شعبه ويكرهون بلاده. لا كالكلب الذي عاد إلى قيئه يتصرف هؤلاء الإسرائيليون بل كالقيء الذي عاد إلى الكلب الذي تقيأه.

معاريف26/9/2017

كيف قرأت إسرائيل صعود اليمين في ألمانيا؟

البروفيسور آريه الداد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية