قبل نحو 500 سنة وصل عالم الفضاء البولندي نيكولاي كوبرنيكوس إلى الاستنتاج بأن ما كان مقبولا حتى ذلك الحين ليس صحيحا. فالكرة الارضية لا تقف ساكنة في الفضاء بينما تدور الشمس حولها، بل العكس تماما. فالكرة الارضية، مثل باقي الكواكب ـ تدور حول الشمس.
لم تحظ نظريته في حياته بانتشار واسع، ولكن حقيقته تسللت بالتدريج إلى كل دوائر العلماء. فالكنيسة المسيحية على كل طوائفها، الكاثوليك والبروتستانت على حد سواء، عارضتها بكل شدة. وحسب فهمها فان هذه النظرية كانت تتناقض والنصوص المقدسة وهي مثابة كفر. بعد نحو مئة سنة من وفاته منعت الكنيسة نشر كتاباته منعا باتا. فالشمس تدور حول الكرة الارضية، هكذا ادعوا بعناد.
عندما نشر جاليليو بعد مئة من كوبرنيكوس مشاهداته التلسكوبية وادعى بأن بحوثه تثبت نظرية كوبرنيكوس ـ قدم إلى محكمة الكنيسة وحكم بالسجن. وفي العام 1992 فقط نشر البابا بيانا اعترف فيه بخطأ الكنيسة وبصدق كوبرنيكوس وجاليليو. لقد استغرقهم 500 سنة كي يعترفوا بالحقيقة.
كم سنة ستمر إلى أن يوافق العالم الغربي على نفي أكاذيب العرب؟ كم سنة ستمر إلى أن تشطب اليونسكو وصمة العار الاخلاقية المتمثلة بالاعلان عن قدسية جبل البيت للمسلمين، دون أن تذكر على الاطلاق قدسيته للشعب اليهودي، والسبب الذي دفع المسلمين لأن يقيموا المساجد في مكان هيكلنا؟
نحن نفهم جيدا لماذا يحاول العرب تزييف التاريخ. فليس للدين أي صلة بذلك. فاورشليم لا تذكر في القرآن بتاتا. دافعهم الاساس هو قومي. قسم من ادعائهم هو أنه لا يوجد على الاطلاق شعب يهودي. وأن «بيوت مقداشنا» لم تكن موجودة أبدا. المساجد وحدها توجد في جبل البيت. ولماذا أحد أسماء أورشليم بالعربية هو «بيت المقدس»؟ هكذا. مجرد اسم كهذا. ألا توجد صلة عائلية له ببيت همقداش.
دوافعهم سهلة الفهم: هم أعداء. فهم يحاولون شطب تاريخنا كي ينكروا حقنا على البلاد. ولكن لماذا توافق أمم نصرانية على الانضمام إلى الكذبة العربية؟ كيف لا تخجل «من الامتناع عن التصويت» في ضوء مثل هذا الزعم؟
بسبب جملة منكرة من المصالح، اللاسامية والعقدة النصرانية العتيقة التي تصف المصير البائس والمعذب لليهود والمنفى الذي قيض لهم كعقاب على عدم قبولهم مسيحهم يسوع. وعليه، فان انبعاث إسرائيل في بلاده يسقط هذا العمود الفقري للنصرانية (المسيحية)… وبالتالي فان الكثيرين منهم يميلون على نحو شبه تلقائي لتأييد أعداء إسرائيل، واذا لم يكن بوسعهم أن يؤيدوهم حقا ـ فسيقفون جانبا على الاقل. مثلما فعلوا في أيام الابادة في اوروبا.
ولكن قبل أن نتذمر منهم ـ لننظر إلى أنفسنا. لنفحص إذا لم نكن نحن أنفسنا مذنبين، جزئيا على الاقل، في أن تصبح هذه الكذبة العربية الفظة وثيقة رسمية لمنظمة التعليم العلوم (!) والثقافة (!!) للامم المتحدة.
لو كانت دولة إسرائيل جاءت في يوم تحرير جبل البيت قبل نحو خمسين سنة ورفعت علم إسرائيل على الجبل، ونزعت عنه كل علائم السيادة الاجنبية في صورة حكم ذاتي للاوقاف الاردنية ـ الفلسطينية، ومنحت حرية عبادة لليهود في المكان الاكثر قدسية لهم في العالم ـ لما كنا بحاجة اليوم للادعاء بأنه توجد لشعب إسرائيل صلة عميقة بجبل البيت. ما كنا سنحتاج إلى الاحتجاج ضد تزييف التاريخ على ايدي المسلمين والنصارى. كنا سنثبت عمليا الصلة بين شعب إسرائيل وجبل البيت.
ولكننا لم نفعل هذا. بل العكس. هجرناه. تنازلنا عنه للعرب. وفرنا، ونحن نوفير كل يوم، دليلا على أن الصلة هزيلة للغاية، من نصيب أقلية متطرفة، وجبل البيت لا يعني حقا الشعب اليهودي أو قيادته الدينية والسياسية. لو امتنعت الحاخامية الرئيسة عن نصب يافطات تحذر حجيج اليهود إلى الجبل ونشرت بدلا من ذلك قواعد تبين أين وكيف يسمح بالزيارة ـ لما كنا وفرنا سلاحا دعائيا في أيدي اعدائنا.
افتحوا البوابات
ولكن لا يزال ممكنا اصلاح الضرر. فقرار اليونسكو يوفر لنا فرصة هامة لاصلاح هذا التشويه. فالرد الحقيقي على قرار الكنيسة في أن الشمس تتحرك حول الكرة الارضة كان في يد العلماء، الذين قدمو براهين حسابية وتجريبية، عملية. وفي النهاية حتى البابا الذي لا يمكنه أن يخطيء أبدا اضطر لأن يعترف بغباء وشرانية أسلافه.
ان الرد الحقيقي على الاعلان الذي ينفي الصلة بين اليهودية وجبل البيت هو الكشف عن هذه الصفة العميقة عمليا: فتح كل بوابات جبل البيت لدخول كل من يرغب في الصعود (الحج) إلى الجبل. في كل وقت، للزيارة أو للصلاة. اليوم يدخل المسلمون إلى الجبل عبر عشر بوابات. بوابة واحدة فقط مخصصة لليهود ولكل الآخرين. يسمح للمسلمين بالدخول في كل ساعات اليوم وفي كل ايام الاسبوع، اما لليهود ـ ففقط بضع ساعات في الصباح، وليس في كل يوم. المسلمون فقط يمكنهم اليوم الصلاة في الجبل. اما اليهو فمحظور عليهم حتى التمتمة بالصلاة، لُبس خرقة الصلاة أو حمل الكتب المقدسة. وليس فقط مندوبو أمم العالم، المنحازة بقوة مصالح السياسة الدولية وكراهية إسرائيل ـ فحتى الكائن الفضائي لو كان علق في الجبل لكان توصل إلى الاستنتاج بأن هذا بالفعل موقع القدسية للمسلمين وحدهم وليس له أي معنى للاخرين. فلا يعقل أن يتخلى شعب طواعية عن المكان الاكثر قدسية له في صالح اعدائه. إذا كانت إسرائيل تريد حقا ان تقتلع الكذبة الإنسانية، ان تصلح التزييف العربي، وان تهزأ بتأييد الأمم الأخرى لهذا الكذبة وهذا التزييف ـ ينبغي لسفير إسرائيل في الأمم المتحدة ان يفعل ما فعله واحد من أسلافه، حاييم هرتسوغ الذي مزق قرار «الصهيونية عنصرية»، فيمزق من على منصة الأمم المتحدة قرار اليونسكو. وفي ذات اليوم يتعين على إسرائيل أن تطرد حراس الاوقاف من ساحة جبل البيت. وتعيدهم إلى دورهم الاصلي ـ شماشون ومنظمون في داخل المساجد. ان تفتح بوابات الجبل لكل شخص وأن ترفع علم إسرائيل في الجبل. أن تطبق السيادة. أن تمنح حرية العبادة مثل هذه مكتوبة في القوانين الاساس، عندنا في الأمم المتحدة. أن توقف هدم الآثار في الجبل على ايدي المسلمين، الساعين إلى شطب الادلة الاثرية على التاريخ اليهودي في الجبل، ان تمنع كل بناء غير قانوني للعرب في الموقع الاثري الاهم في البلاد.
طالما لم يحصل هذا ـ سنواصل على ما يبدو مجرد التباكي والاحتجاج على التزييف والاكاذيب، سنواصل المحاولات الدبلوماسية ذات صفة المنفى كي نقنع المكسيك لالغاء تأييدها للكذبة والاكتفاء بالامتناع، بل وأن نرى في ذلك نجاحا. وبالاساس ان نواصل اخافة أنفسنا بمليار مسلم يسيرون نحو اورشليم إذا ما تجرأنا على أن نكون يهودا أحرارا في وطننا.
ان العباقرة المشوهين الذين يحلمون بتقسيم أورشليم وبالتنازل عن جبل البيت، على أمل أن ينجحوا في ذلك في أن يبقوا في أيدينا على الاقل الكوتل الغربي ـ يفهمون الان ربما كيف يفسر العرب وباقي العالم الضعف والتنازل. وفقط من يسيطر في جبل البيت في ماضيه وفي حاضره ـ سيسيطر أيضا في كل بلاد إسرائيل. والمستقبل أيضا سيكون له.
(المقصود بكلمتي جبل البيت هو الحرم، والكوتل الغربي هو حائط البراق وأورشليم هي القدس ـ ولكننا حرصنا على ذكر الكلمات كما ترد في المقال صونا لمضمونه ولفكره).
معاريف 23/10/2016