كيف وصلنا إلى هنا؟

حجم الخط
0

■ كيف وصلنا الى هنا؟ تساؤل طرحته الدكتورة بلقيس الكركي في مقالها الأخير «التاريخ غير المكتوب للجامعة الأردنية» في «القدس العربي»، في معرض بحثها عن أسباب تدني المستوى العلمي لخريجي الجامعات الأردنية، ومدى علاقة ذلك بالنظام السياسي الاداري. وأحسب أن حديثها أثار الكثير من الشجون، خاصة لدى الجيل الأول من خريجي الجامعة الأردنية، وأرجح أنه سيحفز عددا منهم على اعادة طرح سؤالها من جديد لأهميته.
أعادني المقال الى زمن السنوات الأولى من تاريخ الجامعة الأردنية، حين انتشر العمل السياسي في منتصف ستينيات القرن الماضي بين معظم الطلبة، اناثا وذكورا، دونما أي انقسام طائفي أو جهوي، وبكافة أطيافه اليسارية والقومية والاسلامية، ثمّ داهمتنا النكسة النكبة، لتصعّد من تحرّكات العمل السياسي الى مستوى فعل المقاومة، ولتأتي الضربة القاضية على ذلك كله بعد أحداث أيلول/سبتمبر 1970. ونظرا لاعتقادي أن التاريخ غير المكتوب هو الاصدق والأعمق والأكثر كشفا لحقائق الأمور، فانني أتفق مع دعوة الدكتورة الكركي الى أهمية تدوين رواية المواطن الشفوية، من واقع المعايشة الشخصية لذلك الزمن، مع ضرورة التذكير بأن ما ينطبق على الواقع المحلي، انما يمتد حسبما نرى الى مجمل الواقع العربي، من خليجه الى محيطه. ولكي أصل الى من لا يود اكمال قراءة هذا المقال، فانني أسارع الى القول إننا وصلنا الى ما وصلنا اليه من انهيار على مستوى التعليم الجامعي والعام لأسباب خارجية مفروضة، وأخرى داخلية داعمة للتوجه الخارجي من جهات حرصت على مصلحتها الذاتية، مما يؤكّد مقولة الكركي عندما ذكرت أن «الدولة ليست دوما الرديف الحرفي للوطن».
وأولى الروايات الشخصية في هذا الخصوص تعود الى ثمانينات القرن الماضي، عندما قصّ عليّ أحد الأساتذة المؤسسين للجامعة الأردنية، وكان أحد أقطاب جماعة الاخوان المسلمين، كيف فوجئ عند زيارته للولايات المتحدة الأمريكية في السبعينات، عندما أخبره أكاديمي أمريكي أنه عضو في مجلس أمناء الجامعة الأردنية! وحين أجابه الأستاذ الجامعي أن مجلس أمناء الجامعة الأردنية لا يضم غير أردنيين، أجابه الأمريكي أن للجامعة مجلسين: محلي يشرف على الأمور الادارية الاجرائية، ومجلس أجنبي خارجي يشرف على الأمور السياسية الأساسية، مثل تحديد أطر المناهج والتخصصات التي يتم تدريسها.
وتجدر الاشارة هنا الى أن هذا الاشراف والتدخل المباشر في وجهة التعليم لا يقتصران على المستوى الجامعي، بل يمتدان الى التعليم المدرسي. وقد تناقلت العديد من الدراسات منذ تسعينات القرن الماضي تدخل البنك الدولي في أطر وبعض تفاصيل المناهج المدرسية في العديد من الدول العربية.
وحتى نتمكن من قراءة ما بين السطور حول هذا الموضوع، أجد من المفيد الاشارة الى ما ذكرته لي ابنتي، وهي تعدّ لرسالة الدكتوراه قبل خمس سنوات في علم الكومبيوتر في بريطانيا من أنها اكتشفت أن ما يدرسه الطلبة في مدارس بريطانيا في علم الرياضيات، يفوق ما يتعلمه طلابنا في جامعاتنا، ناهيك عن مدارسنا، مما اضطرها الى دراسة هذه المواد من المناهج المدرسية البريطانية لتتمكن من استكمال دراستها العليا. وفي هذا اشارة جليّة الى أننا مقيّدون وموجّهون ليس في حركتنا التنمويّة الاقتصادية فحسب، بل في درجة مستوانا التعليمي والمعرفي المتاح أيضا.
وعودة الى سبعينات القرن الماضي، فمع بداية عملنا خريجين جددا في مجال البحث الاقتصادي على سبيل المثال ـ ومنّا من حرص على نيل درجة الماجستير في التنمية الاقتصادية ـ الاّ أنه سرعان ما اكتشف عندما تقدم بأبحاثه التنموية أنّ مكان هذا البحث لن يتعدّى الرف الذي خلف مكتبه، حسبما أكّد لنا مدير الدائرة الاقتصادية التي عملنا فيها.
وتعلمنا من بعد ذلك أن دورنا تجميلي لا تطويريا، وأن المطلوب منّا فقط طباعة أبحاث بأغلفة جذابة وعلى ورق مصقول لتقديمها في مغلفات أنيقة لزوّار مراكز الأبحاث (العلمية!). الواقع الآن ما زال مرآة للحال الماضي، وعاكسا لتفسير ما وصلنا اليه من مسببات تدني مستوى التعليم والعمل معا. فما زلنا حاملين لكومة من الأمراض الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تثقل كاهل حركتنا نحو ما هو أفضل. ومن دلائل ذلك تجمع شبابنا العربي، حاملي مختلف الشهادات الجامعية، في المقاهي ممنين النفس بالهجرة لأنهم يعلمون أن الوظيفة المناسبة متاحة فقط لابن الوزير أو التاجر الرأسمالي أو (…).
ومع بقاء الحال على ما هو عليه في بلادنا أمام تقدم الآخرين، فان المحصلة ستكون بالضرورة تراجعنا الى الوراء، ممّا يمكن معه ارساء مقدمة للاجابة على تساؤلنا: كيف وصلنا الى هنا؟

٭ باحثة فلسطينية

ريما كمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية