بعد مرور خمس سنوات على الربيع العربي، تبدو الديمقراطية حلماً بعيداً في الشرق الأوسط. النخب العربية الحاكمة، العائلات الملكية، الجيوش، الأجهزة الأمنية، وبعض رجال الأعمال، مسرورون بهذه النتيجة. فالجدال يذهب إلى أن إعادة الاستقرار، أهم من الديمقراطية.
العديد من الحكومات الغربية تبنت هذا المنطق أيضاً. الولايات المتحدة والمسؤولون الأروبيون، المهددون نتيجة فشل الدول وتصاعد الإرهاب المصاحب لذلك، يجادلون بأن الحاجة الملحة الآن هي محاربة تنظيم الدولة الإسلامية والمجموعات التابعة لها (القتال يتطلب تعاوناً مع الحكام المستبدين وتعزيز سلطتهم في الوطن العربي، ومن ضمنهم مرتكب المجازر الجماعية بشار الأسد)، وهذا شر لا بد منه لهزيمة الدولة الإسلامية في سوريا والعراق وباقي المناطق.
هذا المنطق معيب. فالعودة لدعم المستبدين العرب قد يعود ببعض الفائدة الجزئية، لكن الثمن على المدى الطويل هو كارثي. النخب العربية الحاكمة، وداعميها الغربيين، يجب أن يقاوموا الوعد الزائف باستقرار الاستبداد. ليس باسم الأفكار النبيلة حول الديمقراطية، ولكن ببساطة من أجل تحقيق الاستقرار. فالتغيير السياسي، تدريجياً، هو الطريق الوحيد لمنع العنف، وإحداث تغيير جذري في المستقبل.
ما عدا تونس، الربيع العربي لم ينتج أشكالاً من النظام التي كنا نتمناها في 2011. لا بد أن نتعلم من الدروس، ويجب على الأخطاء أن تُدرس، ولكن من السذاجة الجدال من أجل العودة إلى الممارسات التي سبقت 2011. ما هو التكهن الأكثر خيالية: أن تكون الأنظمة الاستبدادية العربية مستقرة وقوية خلال 20 عاماً؟ أو أن تواجه هذه الأنظمة تحديات جديدة أكبر خلال العقدين القادمين؟
مصر، البلد الأكثر كثافة سكانية في الوطن العربي، معروفة بأنها المكان الذي تم فيه إعادة إحياء الاستبداد بنجاح. ولإعادة ترسيخ ثقافة الخوف التي حطمها المواطنون المصريون في 2011، سن النظام المصري الاستبدادي الجديد قوانين تخص المظاهرات والإرهاب. والمصريون تلقوا وابلاً من الرسائل عن ضرورة إعطاء الأولوية للاستقرار على حقوق الإنسان.
لكن المستبد الجديد في مصر لا يوفر الاستقرار، وإنما يزرع بذوراً أعظم لانعدام الأمن. منذ حدوث الانقلاب الذي أوصله للسلطة، قام الرئيس عبد الفتاح السيسي بمحاكمة عدد من الطلاب، ونشطاء حقوق الإنسان، وأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين، وأحياناً لجأ للقتل الجماعي كوسيلة للاستيلاء على السلطة. والقتل العشوائي في سيناء عزز وظيفة الدولة الإسلامية.. أي نظام يعتمد على هذه الطرق هو نظام ضعيف وغير مستقر.
النظام المصري فشل أيضا في تحقيق الاستقرار الاقتصادي. أكثر من 22 مليون مصري يعيشون في الفقر، ومعدلات البطالة تقترب من 13 في المئة، ومعدلات النمو الاقتصادي لا تزال تحت 3 في المئة. الاحتجاجات في تصاعد، وخصوصاً بين الطلاب والعاملين والموظفين الحكوميين. استراتيجية السيسي القمعية قد تنجح لفترة، ولكن ليس لسنوات أو عقود. النظام يفتقر لأسباب الشرعية التي حافظت على المستبدين تاريخياً، أو في بعض المناطق الأخرى في العالم، كالنمو الاقتصادي، أو أنظمة الحكم الملكية، أو الأيديولوجيا.. وبدون إصلاح، سيسقط هذا النظام. يجب على النظام المصري وحلفائه الخارجيين أن يبحثوا عن استراتيجية جديدة لتوليد شرعية النظام: تقاسم السلطة، الديمقراطية الكاملة لسيت واقعية الآن. لكن التحرر السياسي (فتح فضاءات للمشاركة الآمنة في السياسة)، هو أمر يجب أن يكون مقبولاً.
أولاً، يجب على النظام المصري أن يطلق سراح عشرات آلاف السجناء السياسيين، الذين من بينهم أشخاص من اعتقلوا لأتفه المخالفات. ثانياً، عليه إلغاء القوانين القمعية الأمنية التي وضعت في عام 2013، ووضع هيكل للعدالة الانتقالية، بما في ذلك إنشاء لجنة حقيقة للمصالحة، بالإضافة لإصلاح الأجهزة الأمنية.
هل هذا احتمال بعيد؟ ربما. ولكنها الاستراتيجية الوحيدة المعقولة لبقاء النظام.. لمناصري النظام، هذه الخطوات التدريجية نحو التحرر السياسي من شأنها تقليل التوتر الاجتماعي، وتعزيز الشرعية الحكومية، وزيادة احتمالات الاستقرار على المدى الطويل.
ولخصوم النظام، مشاركة السلطة مع الحكومة هي الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها إيقاف الانتهاكات في حقوق الإنسان، والمشاركة في الحياة السياسية مجدداً، والدفع، تدريجياً، نحو أهداف بعيدة المدى، بشأن تداول السلطة، وسيادة القانون، وإيجاد علاقات ديمقراطية في الحياة المدنية والعسكرية.
البديل (عدم القيام بأي شيء)، يتضمن مزيداً من العنف، ومزيداً من التطرف، وفي النهاية انهيار الدولة. التغييرات الإيجابية الصغيرة في هذا الوقت بإمكانها أن تجنّب تحولات سلبية كبيرة لاحقاً، في البلد الأهم بالعالم العربي.
٭ كاتب مصري
٭ ٭ كاتب أمريكي
عمرو حمزاوي٭ وميشيل ماكفول٭٭