كَتَبنا وما كتبنا ويا خسارة ما كتبنا!

حجم الخط
11

لم أكن بحاجة إلى رسالة من مي نصر لتستيقظ أحزاني على (أوطاني).
ومي نصر مطربة استثنائية اشتهرت بجمال الصوت إلى جانب قدرتها على تلحين بعض أغانيها، مطربة لبنانية فرضت نفسها دون ان تشهر «اسلحة الدمار الشامل» الحريمية لتتلوى نصف عارية على الشاشات.
مي مطربة بلا ماكينة إعلامية وواحدة من اللواتي يُعدن إلى اسم «فنانة» معناه الراقي، تعمل في الحقل الخيري وريع حفلاتها في العالم كله يذهب إلى الأعمال الإنسانية العربية.

بلادنا: اليمن الحبيب

من اليمن حيث تعمل مي نصر وتقيم كتبت لي تقول حرفيا: «حالت بيني وبينك أحزان ومآسي هذه الدنيا التي لم أتوقع في يوم من الأيام ان تطال بلادنا اليمن الحبيب. اليمن اليوم كفلسطين والعراق وسوريا «مجروح» يحتل من قلبي الحزين مساحته… أكتب هذه الكلمات مع أصدق دعواتي».
كلمات مي عن اليمن وقولها «بلادنا اليمن الحبيب» أعادتني إلى اليمن، البلد الذي أحببت.
كانت لدى زوجي رحلة عمل إلى عدن نطير بعدها إلى أوروبا لقضاء شهر العسل.
بدأت متعة الرحلة في مطار عدن البسيط (يومئذ) ولكن تفوح منه روائح عطور أزهار نصف استوائية. إنه المطار الوحيد في العالم الذي شممت فيه رائحة الأزهار و«الكادي». وبدلا من غرفة في فندق «كريسنت» اقتادنا الأصدقاء اليمنيون إلى شقة مفروشة في «ألفنت بوينت» حيث شبه جزيرة صغيرة ممتدة كلسان في البحر وهزني انهم زينوها بالبالونات الملونة إكراما لشهر عسلنا، ووجدت تلك البالونات أجمل من زينة لندن في الميلاد، فهي منفوخة بأنفاس المحبة والسخاء بالروح واللطف وهزتني منذ اللحظة الأولى رهافة الشعب اليمني. وتعارفت مع استاذتين إحداهما ترتدي «الدرع» ـ الحجاب اليمني ـ ورافقتاني في رحلات يومية للتعارف مع اليمن.
في عدن طفت في أحياء التواهي وخور مكسر وحي السعادة وكريتر والضالع وشارع الزعفران.
التهمت «المقرمش» بدلا من «البوب كورن» جالسة أمام «الدرزان» التلفزيون. وصاح الأولاد: «ياسين علينا» حيث ارتديت ثوبا مكشوفا! وزرت «متحف كريتر» وكان أمام بابه مدفع أثري نائم وفوقه نام الحارس أيضا بعدما قام بـ«تخزين» القات.. وندمت لأنني لم أشاركه مضغ «القات» وأنا التي جربت لمرة واحدة مخدر «إل. إس. دي» لكي اكتب عن تجربتي وفعلت في أحد كتبي.
ولن أنسى وقفتي على شرفة منارة عدن التي تطل على ثلاثة بحار وعلى قارتين: آسيا وأفريقيا.
وتابعت جولتي في اليمن إلى أبين ـ يافع ـ تعز ـ قرية المخزن وحزنها الصخري وتخوم زنجبار، قرية الحصن، حصن غضنفر، جعار، مأرب، لحج، حضرموت، وسواها كثير. وضحكت بحب وأنا أرى رجلا يزين سيارته تماما كما كان يزين ناقته.
ورسالة مي نصر أعادت لي تلك الذكريات حية نضرة.

صنعاء، العراقة والسحر

زرت صنعاء عاصمة «اليمن السعيد» ويا لها من مدينة معلقة بين القمر والدمعة وبهرتني أصالتها المعمارية وزخارفها الفريدة وفي أزقتها هبت عليّ روائح التوابل والبهارات، فثملت وزادني اللقاء مع أهلها غراما باليمن.
كما زرت المدينة الفريدة «الطويلة» وليلة رحيلي من عدن ذهبت مع الصديقات إلى ملعب كريتر وجلسنا في الهواء الطلق في ضوء القمر، حيث أقيم حفل غنائي راقص فولكلوري.. وأغرمت برقصة «اللوعة» ولقبتها بالدبكة اليمنية، ثم ذهبنا لشرب القهوة في مقهى «عروس البحر الأحمر». وكان الشبان (بالتنانير) المحلية والخناجر في خصورهم، وتأملنا مشهدا غراميا بين البحر والقمر.

كانت ذكرى فصارت جرحا

واليوم، أشاهد على شاشة التلفزيون ما يصيب تلك الأماكن اللامنسية الحبيبة من دمــــار والنار تشـــتعل فيها وأشتعل غضبا على الذين صمموا على العودة بنا إلى زمن «الفتـــنة الكبرى» بعدما لجمت «العروبة» نابشي القبور ومضرمي الحرائق.
وفي قلب كل قارئ عربي ذاكرة حب لعدة مدن وقرى عربية يدميه ان تهان. ولن أنبش المزيد من أحزاني/ السورية/ العراقية/ الليبية/ اللبنانية/ الفلسطينية إلى آخر قاموس الأحزان وكل جرح يوقظ الآخر.. وداخل رأسي تحلق غربان عدن الجميلة وبومها اللطيف. وعند تلك الشواطئ التي تتلقى اليوم القصف حلق حولي فيها سرب من الطيور البيض، فنبتت لي أجنحة وحلقت معها. وبوسعي كتابة سطور مشابهة عن مدن وقرى سورية وعربية لامنسية، بهية، انكسرت قلوبنا للدمار الذي حلق بها.

المسؤول هو الحاكم لا الكاتب

وصلتني رسائل عديدة من القراء عاتبة على المفكرين العرب والأدباء لأنهم لم يواكبوا المعركة.
يا عزيزي القارئ.. المفكر العربي لم يقصر يوما (كما الصحافي والأديب) في حقل إطلاق صفارات الإنذار.
وسبق له التحذير منذ عقود مما نحن فيها اليوم..
واللوم يجب ان ينصب على بعض الحكام العرب الذين لا يطالعون ما يقوله المفكرون ويكتفون بشهادة بطانة من المتزلفين يحيطون بهم كالذباب حول قطعة حلوى ويخفون عنهم الحقائق، وإذا تصادف ان سمع بعض الحكام صوتا معارضا سجنه بدلا من الانصات له!
لطالما حذّر المفكر العربي والصحافي والأديب، من بحر الظلمات الذي تبحر فيه بلداننا العربية اليوم.. ولم ينصت أحد لهم. و«كتبنا وما كتبنا ويا خسارة ما كتبنا» كما تغني الكبيرة فيروز..
وفي القلب غصة جارحة إذا كان صاحبها مثلي تمنى ان تكن ساحة الحروب العربية كلها في فلسطين المحتلة لتحريرها بدلا من هذه الأوبئة الجوالة، ولم يعد اسم فلسطين يأتي على ألسن البعض إلا من باب رفع العتب!

غادة السمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية