كُتاب عرب يتحدثون عن تطلعاتهم في السنة الثقافية الجديدة

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: يحتفي كثير من الشعوب بنتاج مبدعيها في مفتتح كل خريفٍ، وهو ما يُعرف بالعودة الأدبية التي تتجند لها دور النشر ووسائل الإعلام والنقاد لتقديم الجديد من الإصدارات، وترغيب القراء في الإقبال عليها باعتبار أن القراءة تمثل في جوهرها – لدى تلك الشعوب- مشاركةً للقيم الإنسانية وعمادَ كل نهوض حضاري وسبيلاً إلى التخفيف من ضغط اليومي وفُتورِ حركته. ويبدو أن هذه العادة لم تتأصل بعدُ في ثقافتنا العربية على كثرة مبدعينا وكثرة إصداراتهم الأدبية. غير أن هذا لم يمنع من السعي إلى تبين انتظارات بعض كتابنا العرب وانتظارات مجموعاتهم الاجتماعية من السنة الثقافية الجديدة.

احتفاء حقيقي بالكتاب وصاحبه

تذهب اللبنانية هدى عيد إلى القول إنه «قد يبدو الكلام مُستعاداً إذا ما خطر على بالنا التحدثُ عن استيراد الشرق لعولمةٍ ابتلعته، وكادت تلغي خصوصيته؛ عولمة تتدفق أفكارُها ومبادئها ومُنتجاتها على أبنائه، وهم يتلقفونها كالجياع، ينتظرون عطاءً يصل إلى أناملهم المرتجفة شوقاً وحرماناً، يلتهمونه مُغفلينَ السؤالَ عن مصدر العطاء، وعن الفكر الكامنِ خلفَه، والمبدع له. اعتدنا، منذ زمنٍ طويلٍ، الإقامةَ في خانةِ المُستهلكِ لا المنتج، لأنا غادرنا إرثنا، وتجاوزنَا ببساطةٍ بعضَ من كانوا سبباً في ما تشهدُه البشريةُ من تطورٍ وحداثة، فها هو الجاحظ عاشق الكتاب يؤكد: «من لم تكن نفقته التي تخرج على الكتب ألذ من الإنفاق على عشقِ القيان لم يبلغ في العلم مبلغاً رضياً».
وتضيف هدى عيد صاحبة رواية «سلطان وبغايا» قولها: «بتنا نحيا في مجتمعات «حديثة» حولت كل شيء إلى مشهدية صاخبة مفرغة الجوهر، مجتمعات لها احتفالاتها وطقوسها وأنظمتها الدقيقة غير المكتوبة، لكنها في غاية الصرامة حتى يستحيلَ اختراقها. وتُوجعنا المقاربة، ونحنُ نقرأ التقاريرَ الصادرةَ عن هيئاتٍ دولية تقارن بين نسب القارئين، في دول هذا الكون الرحيب، وبلداننا التي تتمسكُ بالدرْجة الأخيرة من السلم، فيُقال لنا: إن كل ثمانين عربياً يشتركون مثلاً في قراءة كتابٍ واحد كل عام! لمن نكتب إذن؟ نحن الذين فتنتنا غوايةُ الكتابة، وارتضينا لذواتنا تعبها الجميل العَذب، لأنه يوهمنا بإمكان إحداث خرقٍ واختلاف؟ ربما نكتب لأننا نجد أنفسنا، في السنوات الأخيرة، أمام مشهد مُغاير يدعو إلى التفاؤل؛ مشهد تبرز فيه طاقاتٌ ثرية، ومواهبُ تتفتح محققة تمايزَها ووجودها الفعلي».
وترى هدى عيد أنه «سيحق لفولتير، الكاتب الفرنسي الشهير، التباهي في آخرته، وهو يخبرُنا مقولته المعروفة «سُئلت عمن سيقود الجنس البشري؟ فأجبتُ الذين يقرأون»، وحري بنا أن نستكملَ مقولته حول من سيظل تابعاً من أبناء الجنس البشري؟ وأنْ نتفق معاً، على كون الثقافة هي ذلك المُضاف الذي ينمي الفكر البشري، ويمتع وجدانَ صاحبه حين يقرأ كتاباً، أو حين يزور معرضاً، أو متحفاً أو يشاهد فيلماً سينمائياً هادفاً يُمتع ويدفع إلى التفكير، في المطروح من الرؤى، فيصير الإنسان في حالة تخصيب فكري أو وجداني، لاسيما إذا كان المتلقي مؤهلاً، بعد التلقي، لعطاء إبداعي جديد».
وعن سؤال ماذا تنتظرين من الموسم الثقافي الجديد؟» تجيب هذه الروائية قائلة: «ما أنتظر وأنا الروائية اللبنانية المتطلعة بشغفٍ إلى محيطها العربي، ونحن على أبواب معرض الكتاب العربي؟ الحق إني أتطلعُ إلى احتفاءٍ حقيقي بالكتاب، وبمبدعِه المُستحق شرفَ هذه التسمية. وأنتظر من النقد الأدبي أن يقوم بدوره الجوهري في هذا السياق، فلا يستمر نائماً، بين ثنايا كتب نقدية، تجتر نظريات أجنبية لم تُستكمل أطوارُ هضمِها بعدُ، بل يُسهم في تقديم إضاءات حقيقية تنير للقارئ العربي دربه، وتصوب اتجاهه نحو قراءة الآثار الوليدة المُحققة، إضافةً لإيماني بأن الكتابة الإبداعية تظل ناقصة إذا لم تستتم دورَتها ما بين كاتبٍ يبدع، وناقدٍ يضيء، وقارئٍ يستمتع ويعمق».

أحلم أن تقرأني فلسطينُ

«في مهب الحياة اليومية الشائكة يضيع منا الاتجاه، نحن السائرون عكس التيار المؤمنون بالكلمة، من نضع على ورقة بيضاء حبر أعمارنا، وما نختبره من تجارب شعورية، هي على تماس مع الإنساني، لأنها تشكلت عبر تيار الوعي الذاتي الخاص بكاتبها، ولكن في إطار الجماعي، لذا فهي تحمل رؤى الجماعة وقيمها، لأنها منضوية في وعي الذات التي نتجت عنها. لكننا مهما ابتعدنا ومهما صارت الطريق ضبابية، نظل نؤمن بقدرة الكلمة وفعلها السحري فنهاجر كما الطيور في الخريف، ونرحل إلى موسم عطاء آت، تعدنا به دورة معارض الكتاب السنوية» هكذا تقول الروائية الفلسطينية وداد طه صاحبة رواية «حرير مريم»، وتضيف: «إن الواقعية تحتم الإقرار بأن راهن الكتاب في العالم العربي معتم. وأن الإنسان العربي مثقل بحمله اليومي، وأن مكتبات كثيرة على امتداد الجسد الأرمل هذا قد ماتت؛ إما لأن قراءها قد دفنوا تحت أنقاض بيوتهم، أو أنهم هجروا منها، أو أنهم رحلوا عنها إلى غير ما رجعة، أو لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمل الأحلام التي تطير من الكتب في واقع لزج يقضم أقدامهم وقلوبهم يوميا. والواقعية تشهد أن التطور السريع والهائل والمخيف لمواقع التواصل الاجتماعي قد نقلت الكلمة صوتًا وصورة، واستبدلت صفحات الكتب بصفحات متحركة وملونة، أقحمت القارئ في دوامة الحاصل الفوري، وجعلته متطلبًا، وأحيانًا غير عابئ بأي جديد جدي، لأنه يمر سريعًا أمامه على شاشة التلفون، ولا تحتفظ به ذاكرته التي تكتظ بملايين الصور الضبابية عن كل شيء».
وتؤكد وداد طه أنها لا تُلغي أهمية ودور التطور في نقل الكلمة والتعريف ببعض الكتاب وتمكين الكاتب من التفاعل مع قرائه لحظة بلحظة، وإعطائه صورة عما يحبون أو ما يهمهم من مواضيع، ولكن حديثها عما تترقبه من مواسم القراءة الموسمية يجعلها «بحاجة إلى قول إنها لم تعد كذلك، فقد غدا كل شيء متاحًا، وما اختلف هو اللهفة، شغف اللقاء بكتاب، أو البحث عنه في المكتبات مشيًا على الأقدام، والارتطام مع الجمالي المعروض على رفوف الكتب كحدث تحمله ذاكرة الحديث مع صاحب المكتبة، أو قارئ يبحث عن الكتاب نفسه. لقد أضحى العالم الرقمي شبحًا يسيطر على مساحة كبيرة من الحياة، وتحول الكتاب إلى رقم لا هوية. فإن هذه المواسم الجمالية نفسها باتت سببًا لإحراق تجربة الكتابة، إذ إن كثيرًا من الكتاب يعتبرون تواجدهم السنوي ضرورة في معارض الكتاب، هذا جيد من ناحية ولكنه مبتذل من نواح كثيرة، وهو في الحقيقة مرهق للفكرة».
وتضيف وداد طه قولها إن «الواقعية ذاتها تجعلني أتوقف مطولًا عند دور النشر ودورها في البحث عن الكاتب الجيد وتشجعيه وتقديمه إلى القراء بصورة جيدة. وهذا ما بات حلمًا مضافًا إلى أحلامنا بالانتشار والتعريف بنا في زحمة بحث تلك الدور عن الكاتب الأشهر وعن الكتاب الذي يبيع أكثر، متناسية دورها المعرفي والثقافي في نشر القيم، وتعزيز العلاقة بالكتاب والتعريف بأصحاب المواهب. إنه راهن جاثم على الجميع؛ كتابًا وناشرين وقراء. لكنني حالمة وأؤمن بأن «سشات» إلهة المعرفة والحكمة والكتابة ستفتح لي باب السماء فأعبر نحو آتٍ ممتع، أنعم فيه بقراءة كتاب أسبوعيا، ترفيها وترفًا، لا بحثًا أو من أجل كتابة مقال لجريدة. وأحلم أن تقرأني فلسطين وأن تصل كتبي إلى أهلي فيها، وأحلم أن ينهض موتى اليوم من سباتهم وينفضون عنهم غبار الطريق، وأن لا يبقى وهم غلاء الكتب أو كونها ترفًا أو حاجة مستغنى عنها أو زائدة، في عقول أهلنا في العالم العربي، خاصة منهم الشباب. وأحلم أن خلف الأفق الغائم سماء زرقاء وتحتها طفل يجلس في حضن أبيه يقرآن كتابًا».

في بستاني الكثير من الأشجار

يقول الروائي والموسيقي اللبناني علي نصار صاحب رواية «حانة أرتين» في إجابته عن سؤالنا: «عندما أفكر بالعام المقبل، أي عام مقبل، أرى ضوءا باهرا يحجب المستقبل عني! مجرد التفكير بـ«ما العمل» يحوِل مشاريعي المستقبلية إلى ضباب مرقط يشبه شرشفاً من الياسمين الدمشقي. لكأن المستقبل أبعد من العام المقبل، أبعد من قرون الحاسة السادسة التي تعمل في الدائرة الوسيطة بين الأمل والواقع. وغالبا ما أشعر بأن السنة العتيدة هي الآن. أشعر بأنني على عتبتها للراحة والاستمتاع. الياسمين الذي في رأسي يدفعني إلى ذلك.
بشكل عام، على ما أعتقد، إن كل المواعيد التي يضربها الأدباء والشعراء والفنانين، لأنفسهم، «فارطة». لا يعلن الإبداع عن نفسه قبل أن ينضج ويجهز.
حركة الحياة، داخل وخارج المبدع، هي التي تفرض زمانه ومكانه. أما ما ينشر بناء على مواعيد يفرضها الناشر أو المسرح أو المعرض أو الصحيفة، فهو غالبا ما يأتي جاهزا من مخازن الفنانين؛ وفي حالات كثيرة يكون مفتعلا، تحت الضغط الزمني أو الاقتصادي. ومن هنا، أستطيع القول إن في بستاني الكثير من الأشجار والثمار، التي، قد يكون بينها الجيد والسيئ، الصحيح والمهترئ، فعلى أمل أن تنضج في الـ2018 أو في العام الذي يليه… على أمل أن لا تتساقط الثمار قبل الأوراق».
ويرى الشاعر التونسي فتحي قمري صاحب ديوان «هامش لتأثيث المكان» أن الحياة الأدبية في تونس مازالت تشكو نقائص كثيرة، حيث يقول: «مازلنا لم نع بعد ما يمكن أن يؤديه الأدب من وظائف تنموية على الصعيدين البشري والاقتصادي ولهذا يطرح السؤال بشأن دور وزارة الشؤون الثقافية بمختلف هياكلها في علاقتها بالكتاب، وعلى رأسها إدارة الآداب لذلك أعتقد أنه من واجب المؤسسات الثقافية، سواء الحكومية أو المدنية أن تضطلع بأدوار فعالة للتعريف بالكتاب وترويجه عبر مسالك جديدة للتوزيع، فلمَ لا يقع العمل على إعادة تجربة الدار التونسية للنشر والتوزيع، وفق تصور جديد وأهداف مضبوطة، فقد مكنتنا هذه الدار خلال سنوات طويلة من اكتشاف أبرز أعلام الأدب التونسي وعرفت بمنجزاتهم. كما ينبغي في السياق ذاته لدور النشر التونسية ألا تكتفي بمجرد أن تكون دور طباعة لا غير، فهي مطالبة بالإسهام في تنشيط الحياة الأدبية بعيدا عن الذهنية الربحية ومن واجبها أيضا ابتكار طرق جديدة للتعريف بمنشوراتها داخل تونس وخارجها».
وعن انتظاراته من السنة الثقافية الجديدة يقول: «أنتظر خططا جادة لتطوير مستويات القراءة وتحويلها إلى فعل يومي مستقر وليس حدثا عرضيا مرتبطا بالواجب التعليمي أو شكلا من أشكال التسلية يهدف إلى «قتل الوقت». فليس من سبيل للنهوض بالمشهد الأدبي بدون أن نتقدم خطوات ملموسة في اتجاه إشعار الناس بضرورة القراءة وتعويدهم على ممارستها. أنتظر أيضا مراجعة جدية لما ينشر تحت مسمى أدب الطفل لما ميز هذا النوع من طابع تجاري مخل بما تقتضيه شروط الكتابة لهذه الفئة الاجتماعية الحساسة، خصوصا في السنوات الأخيرة حيث نشهد تراجعا في مستوى ما يعرض على الأطفال، إضافة إلى عدم مراعاته لمتغيرات العصر ومختلف حاجيات الطفل اليوم ومتطلباته. كما أنتظر وككل السنوات الماضية دعما حقيقيا للكتاب، خصوصا الشباب بدل إرهاقهم بمهـــــام ليست من صميم مسؤوليـــــاتهم، فالواقع يؤكد أن الكاتب هو المطالب بالبحث عن مصادر التمويل ومتابعة عملية الطباعة بمختلف مراحلها، وهو المسؤول الأول عن ترويج الكتاب وتوزيعه بما لديه من إمكانات محدودة وهذا الوضع إن استمر فإننا بالضــــــرورة سنخســـــر الكثير من التجارب الإبداعية المبشرة لما نعرفه عن الأوضاع المادية المتردية للكتاب بوجه عام.
وأعتقد ونحــــن في مفتتح سنة أدبية جديدة أننا مطالبون نحن أيضا ككتاب بضرورة أن نعي قيمة الاختلاف عن الآخر وأن نفكر جديا بالعمل على إنجاز مشروعنا الأدبي التونسي الأصيل المعبر حقا عن خصوصياتنا الثقافية، كما أرجو أن تتسع مدونة اشتغال النقاد التونسيين لتشمل الأعمال الجديدة، فمن أولويات الناقد أن يواكب ما ينجز الآن في مختلف الأجناس الأدبية لما تحققه هذه المتابعة من تشجيع للكاتب وتحفيز له لتقويم تجربته وتطويرها».

كُتاب عرب يتحدثون عن تطلعاتهم في السنة الثقافية الجديدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية